هل فقدت قيمتك لأنك لم تحقق ما كنت تحلم به؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد تأتي عليك لحظة تنظر فيها إلى عمرك، فتشعر أن بينك وبين الإنسان الذي كنت تتمنى أن تصبحه مسافة موجعة. تتذكر أحلامًا كنت تحملها قبل سنوات، حين كنت تظن أن الحياة ستمنحك وقتًا كافيًا لتحقيقها.

كنت تتصور لنفسك مستقبلًا مختلفًا. ربما كنت تحلم بعمل تحبه، أو مكانة تبلغها، أو بيت تستقر فيه، أو أسرة تملأ حياتك، أو نجاح ترى فيه ثمرة سنوات من التعب والمحاولة.

ولم تكن تلك الأحلام مجرد أمنيات عابرة. لقد بنيت عليها شيئًا من صورتك عن نفسك، وتخيلت كيف ستكون حياتك إذا تحققت، وكيف ستشعر وأنت تنظر إلى ما أنجزته بعد طول انتظار.

ثم مضت السنوات. وبعض ما تمنيت لم يحدث. وبعض الطرق التي ظننت أنك ستصل من خلالها انتهت إلى غير ما أردت. وربما وجدت نفسك اليوم في مكان لم تكن تتخيل أنك ستبقى فيه كل هذا الوقت.

والأشد إيلامًا أنك قد ترى من كانوا معك في بداية الطريق وقد بلغوا أشياء كنت تتمنى بلوغها. هذا استقر في حياته، وذاك نجح في عمله، وآخر حقق ما كان يحدثك عنه قبل سنوات.

فتفرح لهم، ولكن شيئًا في داخلك ينقبض. ليس بالضرورة لأنك تتمنى زوال ما أنعم الله به عليهم، وإنما لأن ما بلغوه يذكرك بما كنت ترجوه لنفسك.

وحين تعود إلى حياتك، قد تجد سؤالًا ثقيلًا ينتظرك:

ماذا فعلت بكل هذه السنوات؟

وربما لا يكون أشد ما يؤلمك أنك لم تحقق حلمك، بل أنك بدأت تنظر إلى نفسك من خلال ما لم تحققه. فتشعر أنك تأخرت عن الحياة، وأنك أقل نجاحًا ممن حولك، وأن السنوات التي مضت قد أخذت معها شيئًا من قيمتك.

غصن زيتون حي في إناء فخاري بجوار مخطط بيت لم يُبنَ، يرمز إلى بقاء قيمة الحياة وإن لم تحقق ما كنت تحلم به.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

لم تحقق ما كنت تحلم به… لكنك لم تفقد قيمتك

وهنا أريدك أن تنتبه إلى أمر بالغ الدقة.

هناك فرق بين أن تحزن لأنك لم تبلغ ما تمنيت، وبين أن تحكم على نفسك بأنك أصبحت أقل قيمة لأنك لم تبلغه. الأول وجع مفهوم. أما الثاني فقد يكون ظلمًا تضيفه إلى وجعك، حتى يصبح ما فاتك سببًا لأن تهون نفسك عليك.

تأمل كيف يحدث ذلك. في البداية، كان الحلم شيئًا تريد تحقيقه. ثم مع طول التعلق به، صار جزءًا من الصورة التي رسمتها لنفسك. وبعد ذلك، ربما أصبحت تقيس نجاح حياتك كلها بمقدار اقترابك منه.

حتى إذا لم يتحقق، لم تعد تقول: لم أصل إلى ما كنت أريده. بل بدأت تقول في أعماقك: لم أصبح الإنسان الذي كان ينبغي أن أكونه.

وهنا يتحول الحلم، من غاية تسعى إليها، إلى ميزان تحاكم به نفسك. وتتحول الخيبة، من تجربة مؤلمة في حياتك، إلى حكم قاسٍ على حياتك كلها.

ولكن من الذي قال إن قيمة الإنسان تختصرها الصورة التي تخيلها لنفسه قبل أعوام؟ ومن الذي جعل الوصول إلى وظيفة، أو امتلاك مال، أو تكوين أسرة، أو بلوغ مكانة، المقياس الذي يحدد به الإنسان قدره عند الله؟

لا تستخف بما كنت تتمناه. فهذه أمور قد تكون عظيمة النفع، ومن نعم الله الجميلة على عباده. والسعي إليها سعي شريف إذا كان في طريق مشروع. وقد يكون فواتها مؤلمًا حقًا، خصوصًا إذا تعلق الأمر بحاجات أساسية أو استقرار افتقدته طويلًا.

لكن كون الشيء عظيمًا في حياتك لا يعني أن عدم حصولك عليه يسلبك قيمتك. فليس كل ما يزيد حياتك خيرًا إذا حصلت عليه، ينقص من كرامتك إذا فاتك.

قد يكون المال نعمة، ولكن قلة المال لا تجعل الإنسان حقيرًا. وقد يكون النجاح المهني خيرًا، ولكن التعثر في العمل لا يجعل صاحبه بلا قدر.

وقد تكون الأسرة سكنًا ورحمة، ولكن تأخر الزواج أو عدم الإنجاب لا يجعل الإنسان ناقص القيمة. وقد يكون بلوغ بعض الأهداف ثمرة جميلة للاجتهاد، لكن عدم بلوغها لا يكفي للحكم على حقيقة الإنسان كلها.

ميزان الكرامة عند الله

ولعل ما تحتاج إلى استحضاره هنا أن الله سبحانه لم يجعل المقياس الأعلى لكرامة العبد عنده مقدار ما جمع من الدنيا، أو ما حققه من المكانة بين الناس. قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

تأمل أين وجهك الله حين أراد أن يبين لك ميزان الكرامة عنده. لم يوجهك إلى ممتلكات الناس، ولا إلى وظائفهم، ولا إلى أعمارهم حين حققوا أحلامهم. وإنما وجهك إلى التقوى. إلى ما بين العبد وربه من إيمان وطاعة واستقامة.

وهذا لا يعني أن الأعمال الدنيوية لا قيمة لها، فقد تكون من الطاعات إذا صلحت النية وكان السعي مشروعًا. ولكنه يعني أن المراتب التي يتفاضل بها الناس في الدنيا ليست هي نفسها المراتب التي يحكم الله بها على عباده.

فقد يراك الناس متأخرًا لأنك لم تبلغ ما بلغوه، ولا يعلمون من صبرك وأمانتك وصدقك وما بينك وبين الله إلا قليلًا. وقد تكون محدود المال، ولكنك غني بما حفظ الله عليك من دينك. وقد لا تملك النجاح الذي كنت تتمناه، ولكنك تملك اليوم فرصًا للطاعة والإحسان والإصلاح لا ينبغي أن تهون في عينيك.

ولست بذلك أعطيك حكمًا على منزلتك عند الله؛ فحقيقة القلوب ومآلات العباد إلى الله. وإنما أذكرك بأمر ينبغي ألا تغفل عنه: أن ميزان الله لعباده أعظم وأعدل من أن تختصره المقاييس التي اعتاد الناس أن يتفاخروا بها.

حزنك على ما فاتك مفهوم

ومع ذلك، ربما تقول: ولكنني لم أكن أبحث عن مكانة بين الناس فقط. كنت أريد أن أنجح لنفسي.

كنت أريد أن أرى ثمرة تعبي، وأن أريح والديَّ، وأن أستقر، وأن أشعر أنني تقدمت في حياتي. كنت أريد أن أنظر خلفي فأجد أن السنوات لم تمضِ دون أن أحقق شيئًا مما حلمت به.

وأعلم أن هذه المعاني قد تجعل الخيبة أشد وجعًا. فأنت لا تحزن دائمًا على لقب فقدته أو صورة اجتماعية لم تصل إليها. قد تحزن على حياة كاملة كنت ترجو أن تعيشها. على أيام كنت تتخيلها ولم تأتِ. على فرح كنت تنتظره، وعلى فرصة ظننت أنها ستغير أشياء كثيرة، وعلى نسخة من حياتك لم تصبح واقعًا.

وهذا لون من الحزن لا يعالجه أن يقال لك ببساطة: لا تهتم، فالنجاح ليس كل شيء. لأنك تهتم. ولأن بعض ما فاتك كان مهمًا فعلًا. ولأنك قد تكون بذلت فيه من عمرك وجهدك وقلبك ما لا يعرفه أحد.

ولكن ألم الفوات لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء لما بقي من حياتك.

لا تمحُ خير السنوات بسبب ما لم يتحقق

وهنا أريد أن أسألك سؤالًا آخر. حين تنظر إلى السنوات الماضية، هل ترى فيها فقط ما لم يتحقق؟ أم تستطيع أن ترى أيضًا ما فعلته، وما تعلمته، وما تحملته، وما تجاوزته، وما أصلحته في نفسك، وما قدمته لغيرك، ولو لم يصنع لك ذلك اسمًا أو مكانة؟

ربما لا تجد إنجازًا كبيرًا تستطيع أن تتحدث عنه أمام الناس. ولكن هل كانت كل أيامك خالية من الخير؟

ألم تكن هناك مرات غالبت فيها نفسك لتؤدي واجبًا؟ ومرات حاولت فيها أن تتدارك خطأ؟ وأوقات بذلت فيها جهدك، ثم لم تبلغ النتيجة التي أردتها؟ ولحظات اخترت فيها الأمانة حين كان التفريط أسهل، أو صبرت فيها على مسؤولية لم تكن تتوقع ثقلها؟

حاسب نفسك دون أن تلغي ما بقي من حياتك

لا أقول إن كل محاولة كانت صائبة، ولا إن جميع سنواتك مضت على الوجه الذي ينبغي. فقد يكون في ماضيك تقصير حقيقي، وفرص أضعتها، وقرارات لو عاد بك الزمن لتمنيت أن تتخذ غيرها. لكن حتى هذه الحقيقة لا تستلزم أن تقضي على نفسك بحكم نهائي.

هناك فرق بين أن تقول: أخطأت، وأحتاج إلى أن أصلح. وبين أن تقول: أخطأت، ولذلك لم تعد لحياتي قيمة. الأولى محاسبة يمكن أن تهديك إلى عمل. أما الثانية فقد تسجنك في ماضٍ لا تملك الرجوع إليه، وتجعلك تخسر من حاضرك ما لم تكن قد خسرته بعد.

فلا تجعل ندمك على ما لم تفعله بالأمس يمنعك من فعل ما تستطيع اليوم.

ولعل هذا من أشد ما يحتاج الإنسان إلى الانتباه إليه حين تتأخر أحلامه. فقد يقضي سنوات وهو يتحسر على السنوات التي مضت. وكلما تقدم به العمر، ازداد شعوره بأنه تأخر. حتى يصبح انشغاله بما كان ينبغي أن يحدث أكبر من اهتمامه بما يستطيع أن يفعله الآن. فتضيع منه فرص صغيرة، لا لأنها بلا قيمة، وإنما لأنه لم يعد يراها جديرة بالمحاولة ما دامت لا تشبه الحلم الكبير الذي تخيله.

وربما يحتقر البداية المتواضعة لأنه كان يتصور لنفسه بداية أعظم. أو يرفض تعلم شيء جديد لأنه يرى أن عمره لم يعد مناسبًا. أو يستثقل خطوة نافعة لأنها لا توصله سريعًا إلى المكان الذي كان يتمنى بلوغه منذ زمن.

وهكذا لا تكتفي الخيبة بإيلامه على ما فات، بل تبدأ في إقناعه بأن ما بقي لا يستحق. وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن تقاوم فيه ذلك الحكم القاسي. فحياتك التي بين يديك الآن ليست عديمة القيمة لأنها لم تجرِ وفق الخطة التي رسمتها لها. وما زال في يومك من الواجبات والفرص والأعمال ما يستحق أن تقوم له.

وليس شرطًا أن تملك مستقبلًا واضحًا حتى تعمل لما فيه الخير. ولا أن تضمن نجاح المحاولة القادمة حتى تبدأها. ولا أن تعود إلى العمر الذي كنت فيه حين بدأت أحلامك حتى يكون لسعيك اليوم معنى.

السعي الصالح لا تلغيه نتيجة لم تتحقق

تأمل قول الله تعالى:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].

إنها تذكرك بأهمية السعي والعمل، وبأن الأمر ليس متعلقًا بمجرد ما يتمنى الإنسان أن يحصل عليه. فقد تبذل جهدًا مشروعًا، وتأخذ بالأسباب، ثم لا تحصل على النتيجة التي أردتها. لكن عدم تحقق النتيجة لا يجعل كل ما كان في سعيك من خير وطاعة وصدق أمرًا معدومًا.

والله سبحانه لا يضيع عملًا صالحًا أريد به وجهه. فلا تحصر معنى العمل في النتيجة الدنيوية التي كنت تنتظرها وحدها.

وفي الوقت نفسه، لا تجعل هذه الحقيقة عذرًا لترك مراجعة أسبابك أو معالجة أخطائك. فربما تحتاج إلى أن تغير طريقك، أو تتعلم مهارة، أو تطلب المشورة، أو تعيد ترتيب أولوياتك، أو تتخلى عن وسيلة ثبت أنها لا تنفعك.

وقد يكون من الحكمة أن تتمسك بهدفك، وقد يكون من الحكمة أن تبحث عن هدف آخر يناسب ظروفك وقدراتك. ولا حرج أن تتغير أحلامك بعدما تغيرت معرفتك بنفسك والحياة. فليس الوفاء لنفسك أن تبقى أسيرًا لكل تصور قديم رسمته لمستقبلك، وإنما أن تحسن التعامل مع الحياة التي أتاحها الله لك اليوم.

وهنا معنى آخر أرجو أن يصل إلى قلبك. أنت لا تحتاج إلى أن تصنع من كل خسارة انتصارًا، ولا أن تقنع نفسك بأن كل ما فاتك كان أفضل لك أن يفوت. فنحن لا نعلم الغيب، ولا نعرف الحكمة التفصيلية من كل أمر وقع.

وقد تكون هناك أشياء جميلة تمنيتها، ثم مضت حياتك دون أن تحصل عليها. وقد يبقى في نفسك حزن عليها. لكن ليس عليك أن تنكر هذا الحزن حتى تستعيد احترامك لنفسك.

يكفي أن تفصل بين حقيقتين: أنك فقدت شيئًا كنت ترجوه. وأنك لم تفقد بذلك كل ما يجعلك أهلًا لحياة فيها عبادة وخير ومحاولة ومعنى.

قد تكون خسرت فرصة. لكن لا تجعلها تسلبك القدرة على رؤية الفرص الأخرى. وقد تكون تعثرت في طريق. لكن لا تجعل ذلك حكمًا بأنك إنسان فاشل في كل شيء.

وقد تكون وصلت إلى عمر لم تتوقع أن تصل إليه قبل تحقيق بعض أحلامك. لكن عمرك ليس تهمة تحتاج كل يوم إلى الدفاع عن نفسك بسببها.

لا تظلم نفسك بمقارنة، ولا تحتقر بدايتك

وإذا رأيت غيرك قد سبقك إلى ما تتمناه، فتذكر أنك لا تعرف من حياته إلا ما ظهر لك، وأن لكل إنسان ظروفًا ومسؤوليات وأقدارًا لا تتطابق مع ظروف غيره. فلا تظلم نفسك بمقارنة لا ترى فيها من الآخرين إلا نتائجهم، ولا ترى من نفسك إلا ما فاتك. ولا تجعل إنجازاتهم سببًا لأن تحتقر ما عندك من نعم أو ما تستطيع فعله من خير.

إن رزقهم الله شيئًا جميلًا، فاسأله أن يبارك لهم، واسأله لنفسك من فضله. وواصل طريقك. ليس لأنك متأكد أنك ستصل إلى كل ما تمنيت، وإنما لأن بقاءك قادرًا على السعي نعمة تستحق أن تستعملها فيما ينفعك.

وقد تكون بحاجة إلى بداية أصغر مما كنت تتخيل. إلى عمل متواضع، أو تعلم متدرج، أو إصلاح جانب من حياتك، أو إعادة بناء عادة أهملتها، أو أداء مسؤولية كنت تؤجلها. لا تحتقرها لأنها لا تشبه أحلامك الكبيرة. فقد يكون أعظم ما تحتاج إليه الآن أن تكف عن انتظار حياة مثالية حتى تبدأ في إعمار الحياة التي تملكها.

ولا تنتظر أن تشعر بالفخر بنفسك حتى تفعل ما هو صحيح. افعل ما تستطيع من الخير، واستعن بالله، ودع للأيام ما لا تستطيع معرفته منها.

وإذا عاد إليك الحزن على أحلامك القديمة، فلا تعامل نفسك بقسوة.

قل: نعم، كنت أتمنى حياة أخرى. نعم، هناك أشياء أحببتها ولم أحصل عليها. ونعم، ما زال في قلبي شيء من الأسى حين أتذكرها. ولكنني لن أجعلها الحكم الأخير على نفسي. ولن أتعامل مع ما بقي من عمري كأنه بلا قيمة لأنه لم يشبه ما تخيلته.

يا رب، أنت تعلم ما كنت أرجوه، وما حاولته، وما عجزت عنه، وما أخطأت فيه. فاغفر لي تقصيري، وأصلح ما أفسدت، وبارك لي فيما بقي من عمري، واهدني إلى ما ينفعني في ديني ودنياي.

اللهم لا تجعل حسرتي على ما فاتني حجابًا عن نعمك التي بين يدي، ولا تجعل مقارنتي بغيري سببًا لأن أحتقر ما رزقتني. وأعنّي على أن أعمل بما أستطيع، وأن أرضى بما قضيت، وأن أحسن الظن بك، وألا أيأس من فضلك.


اقرأ أيضًا

انظر إلى الإنسان الذي أنت عليه اليوم

ثم انظر إلى نفسك مرة أخرى. ليس إلى الإنسان الذي تخيلت أنك ستكونه قبل عشر سنوات. بل إلى الإنسان الذي أنت عليه اليوم. إلى مسؤولياته الحقيقية، وقدراته الحاضرة، وأخطائه التي يستطيع إصلاحها، والخير الذي ما زال يستطيع أن يفعله.

هذا الإنسان لا يحتاج إلى أن يثبت لنفسه أنه حقق جميع أحلامه حتى يبدأ في عيش حياة صالحة نافعة. ولا يحتاج إلى أن يمحو ماضيه، أو يتظاهر بأنه لا يحزن على ما فاته. إنما يحتاج إلى ألا يخلط بين تعثر بعض أحلامه وبين ضياع قيمته كلها.

فقد لا تستطيع العودة إلى السنوات التي مضت. وقد لا تنال كل ما كنت تتمناه. وقد تتغير الطريق التي تسلكها مرات كثيرة. لكن باب العمل الصالح، والرجوع إلى الله، وإصلاح ما تستطيع، وبذل الخير في موضعه، لا ينبغي أن تغلقه على نفسك لمجرد أن بعض أبواب الدنيا لم تُفتح لك.

وأريدك أن تتذكر شيئًا كلما آلمك الفرق بين حياتك التي تعيشها والحياة التي حلمت بها:

ليس مطلوبًا منك أن تثبت أن السنوات الماضية كانت مثالية. ولا أن تحول كل إخفاق إلى إنجاز. ولا أن تقنع نفسك بأنك بلغت ما لم تبلغه. ولكن لا تحكم على نفسك من خلال ما لم يتحقق وحده. فأنت لم تُخلق لتكون مجرد قائمة من الأحلام المنجزة، ولم يجعل الله قيمة حياتك رهينة بنتيجة دنيوية واحدة.

قد يكون في قلبك اليوم حزن على الإنسان الذي كنت تتمنى أن تصبحه. فارحم نفسك من قسوة الحكم عليها.

وتذكر أنك ما دمت حيًا، فما زال أمامك سؤال يستحق أن تنشغل به أكثر من سؤال: لماذا لم أصبح كما حلمت؟

ماذا أستطيع أن أفعل، بما بقي لي من عمر، لأكون عبدًا أقرب إلى الله، وإنسانًا أصلح وأنفع؟

فلعل أجمل ما يمكن أن تبدأ به من اليوم ألا تجعل حلمًا لم يتحقق يحرمك من حياة ما زلت مسؤولًا عن إعمارها بالخير.

لقد تأخر بعض ما تمنيت، وربما فات بعضه… لكن لا تسمح لما فاتك من أحلام أن يسلبك ما بقي لك من نفسك وعمرك.

حين يوقظك الله بكلمة

تعليقات

عدد التعليقات : 0