اختيار الله لك: كيف ترغب في تدبيره وأنت لا تزال تتمنى؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك أمنية قد تكون عزيزة على قلبك إلى درجة أنك لا تريد حتى أن تتخيل حياتك من دونها.

تدعو الله بها، وترجو أن يكرمك بتحقيقها، وتبحث عن الأسباب التي تقربك منها، وربما يمضي بك العمر وأنت تحملها في قلبك، لا يضعف رجاؤك في الله، وإن طال انتظارك. وحين ترفع يديك وتقول: «يا رب، اختر لي ما هو خير»، قد تجد في نفسك شيئًا من الخوف.

ماذا لو كان اختيار الله لك في غير ما تتمنى؟ ماذا لو دعوت الله أن يدبر أمرك بحكمته، ثم جرت الأمور على غير الصورة التي أحببتها؟

أنت تؤمن أن الله أعلم منك، ولكنك لا تزال تحب أمنيتك، وتريدها، وترجو أن تكون من نصيبك. وقد تتصور أن أمامك طريقين: إما أن تتمسك برجائك فيما تحب، وإما أن تسلم أمرك إلى الله وتتهيأ لفقد ما تتمنى.

ولكن ماذا لو كان هذا التصور نفسه هو ما يحرم قلبك من معنى عظيم من معاني العبودية؟ ماذا لو لم تكن مطالبًا بأن تضعف رجاءك في الأمنية حتى تقوى رغبتك في اختيار الله لك؟

وماذا لو استطعت أن تأتي إلى ربك بقلب يحمل رغبتين صادقتين: أن يكرمك بما تحب، وأن يختار لك بعلمه وحكمته ورحمته ما هو خير لك؟

غصن ياسمين أبيض في إناء عند نافذة تطل على جبال يلفها الضباب، يرمز لبقاء الأمنية مع الثقة بالله فيما لا نعلم
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أريدك هنا أن تنتبه إلى أمر قد يكون غاب عنك وأنت تفكر في احتمال أن تخالف الأقدار ما تتمناه.

من الذي ترغب في اختياره وتدبيره؟

تأمل هذا السؤال قبل أن تستعجل الجواب. أنت لا تسلم أمرك إلى قوة مجهولة لا تعرف ما وراء فعلها. ولا تضع مستقبلك بين يدي من يجهل حقيقتك، أو تخفى عليه حاجتك، أو يعجز عن إدراك ما يصلحك.

إنك تسأل الله. اللطيف الخبير، الرحمن الرحيم.

الذي خلقك، ويعلم ما في قلبك، ويعلم ما تخفيه عن الناس، بل وما تعجز أنت عن التعبير عنه. الذي يعلم حاجتك إلى ما تتمنى، ويعلم مقدار ما أرهقك انتظاره، ويعلم ما ترجوه من حصوله، وما تخشاه من فواته. ويعلم من عواقب الأمور ما لا تستطيع الإحاطة به، مهما فكرت وخططت واجتهدت.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

قف عند هذه الآية بقلبك. ألا يعلم من خلق؟

من الذي يعلم حقيقة ضعفك، وما يصلح قلبك، وما ينفع دينك ودنياك وعاقبة أمرك، أكثر من الذي خلقك؟ من الذي يعلم ما وراء الأبواب التي تتمنى فتحها، وما وراء الطرق التي ترجو سلوكها، وما ستؤول إليه الأمور بعد سنوات لا تعرف أنت عنها شيئًا؟

أنت ترى من حياتك اللحظة التي تعيشها، وتبني اختيارك على ما تعرفه وما تتوقعه. أما ربك فيعلم ما كان وما يكون، ولا يخفى عليه شيء من أمرك.

ثم تأمل الاسم الآخر. اللطيف.

ليس تدبيره تدبير من يملك القدرة ولا يعلم دقائق الأمور. بل هو سبحانه اللطيف الخبير، الذي أحاط علمه بخفايا الأشياء ودقائقها، وهو حكيم فيما يقدره، يفعل ما يشاء بعلم وحكمة.

ثم إنه سبحانه الرحمن الرحيم. وأنت حين تستحضر هذه الأسماء، لا تستحضر صفات متفرقة لا صلة بينها وبين حياتك. بل تستحضر حقيقة ربك الذي تدعوه.

فمن تسأله أن يختار لك هو الذي يعلم ما لا تعلم، ويقدر على ما لا تقدر، ورحمته واسعة، وحكمته بالغة.

فلماذا يخطر ببالك أن رغبتك في حسن اختياره لك ينبغي أن تكون أمرًا تخشاه؟ ولماذا تتعامل معها أحيانًا كأنها تنازل عن أمنيتك، بدل أن تكون من أعظم ما ترجو لنفسك؟

لماذا يكون اختيار الله لك من أعظم ما ترجو؟

تأمل الفرق. حين تختار لنفسك أمرًا تحبه، فإنك تختاره بما ظهر لك من الخير فيه. وقد تكون محقًا. وقد يكون ما تتمناه من أجمل ما يكرمك الله به في حياتك.

لكن معرفتك بوجه الخير الذي ترجوه منه لا تعني أنك عرفت جميع وجوهه وعواقبه. فربما عرفت ما تريده، ولم تعرف كل ما تحتاج إليه. وربما أحسنت النظر في الأسباب، ولكن بقيت أمامك أمور لم تدخل في حسابك.

أنت تستطيع أن تخطط، وأن تستشير، وأن توازن بين المصالح، وأن تبذل وسعك في اختيار ما ترجح لك صلاحه. وكل ذلك من الأسباب المشروعة التي لا ينبغي إهمالها. لكن مهما أحسنت الاختيار، فسيظل في علمك نقص لا تستطيع تجاوزه.

فماذا لو أصبحت أعظم رغباتك ألا تعتمد في مصير أمرك على حدود معرفتك وحدها، بل أن تسأل اللطيف الخبير أن يهديك إلى الخير وييسره لك؟

أليس هذا خيرًا عظيمًا تطلبه لنفسك؟ أن يكون قلبك متعلقًا برب يعلم ما تجهل، ويهديك فيما تتحير فيه، ويعينك فيما تعجز عنه؟ أن تطلب من الله الخير حيث كان، حتى لو لم تكن تعرف اليوم أين يكون؟

بل ماذا لو أصبحت تحب هذا المعنى قبل أن تتعثر أمنيتك، وقبل أن تنقطع الأسباب، وقبل أن تضطرك الأحداث إلى مواجهة ما لم تكن تريده؟

الافتقار إلى الله قبل أن تنقطع الأسباب

هنا تظهر منزلة دقيقة من منازل الافتقار إلى الله. فالأمور كلها بقدر الله، سواء وافقت ما نرجوه أو خالفته. ولكن الفرق في قلب العبد عظيم.

فرق بين أن تمضي في الحياة معتمدًا على حسن تقديرك، فإذا جرت الأمور على غير ما أردت تذكرت أن الله هو المدبر. وبين أن تدخل في اختياراتك منذ البداية وأنت راغب في هداية الله وتوفيقه، محب لأن ييسر لك ما يعلم أنه خير، مستعين به على ما ظهر لك وما خفي عنك.

فأنت لا تنتظر حتى تفقد القدرة على تحقيق ما تريد، لتتذكر أنك محتاج إلى حسن تدبير الله. بل تكون محتاجًا إليه وأنت قادر. وتكون مفتقرًا إليه وأنت ترى الأسباب ميسرة. وتطلب هدايته حتى وأنت مطمئن إلى اختيارك.

لأنك تعلم أن الحاجة إلى الله لا تبدأ من عجزك عن الوصول إلى ما تريد. إنها قائمة في كل لحظة من حياتك. وما أعظم أن تعيش هذا الافتقار بمحبة، لا بمجرد اضطرار!

أن تقول وأنت تسعى إلى أمر تحبه: يا رب، لقد اجتهدت فيما أستطيع، ولكنني لا أعلم عاقبة أمري. وأنت تعلم. وأنا أرى من الخير ما يظهر لي، وأنت تعلم ما خفي عني. فوفقني لما يصلحني، ويسر لي ما فيه الخير، وبارك لي فيما تقضي.

صدق التفويض لا يطفئ الرجاء

ثم امضِ في سعيك وقلبك يرجو.

لا تحتاج إلى أن تطفئ رغبتك حتى تقول هذا الدعاء بصدق. ولا إلى أن تتظاهر بأنك أصبحت سواء عندك كل النتائج.

فليس صدق التفويض أن يصبح قلبك خاليًا من الأمنيات. إنما أن تعرف أن أمانيك، مهما عظمت في نفسك، لا تحيط بكل الخير الذي يعلمه الله لك.

ولهذا تستطيع أن تحب أمنيتك حبًا شديدًا، ثم تطلب من الله أن يختار لك ما هو خير. فأنت لا تدعو على أمنيتك حين تسأله حسن الاختيار. ولا تطلب من الله أن يحرمك ما تحب. إنك تسأله أن يكرمك بالخير.

فإن كان الخير في عين ما ترجوه، فكم من فضل تتمنى أن يجتمع لك: حصول الأمنية، وبركة الله فيها، وحسن عاقبتها. وإن كان الخير في غيرها، فأنت تسأل الله أن يهديك إليه، وألا يحرم قلبك الرضا والعون.

دعاء الاستخارة يجمع الرغبة والتفويض

وهذا المعنى العظيم تجده في دعاء الاستخارة الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.

«اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم».

من حديث الاستخارة؛ رواه البخاري (1166).

تأمل كيف تجتمع في هذا الدعاء معاني العبودية. تستخير الله بعلمه؛ لأنك لا تعلم كل شيء. وتستعين بقدرته؛ لأن قدرتك محدودة. وتسأله من فضله العظيم؛ لأنك عبد محتاج إلى عطائه.

ثم تسأله أن يقدر لك الأمر وييسره ويبارك لك فيه إن كان خيرًا لك، وأن يصرف عنك ما كان شرًا، وأن يقدر لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به. ما أجمل هذا الدعاء!

فأنت لا تدخل الاستخارة وقد هجرت رغبتك في الأمر. بل تسأل الله تيسيره والبركة فيه إن كان خيرًا لك. ثم تمتد رغبتك إلى ما وراء الأمر نفسه، فتسأل الله الخير حيث كان.

وكأنك تقول: يا رب، هذا ما أراه خيرًا، وأنت تعلم حقيقة الخير وعاقبته، فاختر لي بعلمك، وأعنّي على الرضا بما تقضي.

وهنا قد يبلغ القلب معنى جميلًا. أن تصبح رغبتك في حسن اختيار الله لك أعظم من رغبتك في أن يوافق اختياره ما تتمنى.

ليس لأن أمنيتك لم تعد عزيزة عليك. ولكن لأنك بدأت ترى أن حسن تدبير اللطيف الخبير أعظم ما تحتاج إليه في كل ما ترجوه.

لماذا يؤلمك ما جرى مع ثقتك بالله؟

ومع ذلك، أريد أن أعود معك إلى موضع قد يؤلمك. فقد تفهم هذه المعاني كلها، ويطمئن قلبك إليها حين تتأملها، ثم تجد نفسك في يوم آخر أمام واقع لم تكن تتمناه.

ربما يمضي الوقت ولا تتحقق الأمنية. وربما يغلق باب ظننت أنه سيفتح. وربما تبذل جهدًا طويلًا في أمر تحبه، ثم لا تصل إلى ما رجوت. وحينئذ قد تسأل نفسك:

إذا كنت أحب اختيار الله لي، فلماذا يؤلمني ما جرى؟
إذا كنت أثق باللطيف الخبير، فلماذا لا يزال قلبي يشتاق إلى ما فاته؟
وإذا كنت أرغب في تدبير الرحمن الرحيم، فلماذا أجد هذا القدر من الحزن حين لا تتحقق أمنيتي؟

هنا أريدك ألا تظلم قلبك.

محبتك لحسن اختيار الله لا تعني أنك أصبحت عاجزًا عن الحزن على ما تحب. ولا تعني أن كل ما سيجري في حياتك سيكون مريحًا لنفسك، أو أن الحكمة من كل ما يصيبك ستظهر لك.

قد يأتيك من الأقدار ما يشق عليك احتماله. وقد تقع عليك خسارة حقيقية. وقد تعيش ابتلاءً طويلًا لا تعرف متى ينتهي. ولا نملك أن نجزم لك لماذا وقع أمر بعينه، أو أن ندعي معرفة الخير الخفي في كل تفصيل من تفاصيل حياتك.

لكننا نعلم من ربنا ما أخبرنا به عن نفسه. نعلم أنه العليم الحكيم. وأنه اللطيف الخبير. وأنه الرحمن الرحيم.

ونعلم أن عجزنا عن إدراك الحكمة من أمر لا يعني أن حكمة الله قد غابت عنه. وأن ألمنا لا يمنحنا علمًا بما خفي علينا من تدبيره.

فلا تجعل صعوبة ما تمر به سببًا لأن تنسى من هو ربك. وليس معنى ذلك أن تكتم وجعك. بل اشكُ إلى الله.

قل له إنك تتألم. وإنك كنت تتمنى غير ما جرى. وإن قلبك لا يزال يريد ما فاته. واسأله أن يجبر كسرك، وأن يرزقك الصبر والرضا، وأن يفتح لك من رحمته وفضله ما يشاء.

فحاجتك إلى الله لم تكن مقتصرة على سؤال الأمنية وحدها. أنت محتاج إليه أيضًا حين تتعلم كيف تعيش بعد أن تجري الأمور على غير ما تمنيت.

وهنا قد تكتشف أن سؤال الله حسن الاختيار ليس عبادة تنتهي عندما تتبين لك النتيجة. إنها افتقار يبقى معك بعدها.

فإن أعطاك الله ما أحببت، احتجت إليه أن يبارك لك فيما أعطاك، وأن يعينك على شكره، وأن يحفظ عليك دينك وقلبك.

وإن مضى الأمر على غير ما رجوت، احتجت إليه أن يثبتك، وأن يعينك على ما تجد، وأن يهديك إلى ما ينبغي أن تفعله بعد ذلك.

وإن بقيت في الانتظار، احتجت إليه أن يرزقك الصبر وحسن السعي، وألا يجعل طول الطريق يفسد قلبك أو يقطع رجاءك في فضله.

فحاجتك إلى تدبير الله ليست مرتبطة بنتيجة واحدة؛ إنها حاجة عبد إلى ربه في كل أحواله.

الطمأنينة إلى الله قبل معرفة النتيجة

وتأمل الآن كيف يمكن أن تتغير علاقتك بأمنيتك. قد تبقى كما هي. وقد تظل تدعو الله بها كل يوم. وقد يشتد رجاؤك في بعض الأيام، وتخاف فواتها في أيام أخرى. لكن هناك معنى جديدًا أصبح يصحبها.

كلما رفعت يديك لتسأل الله ما تحب، تذكرت أنك لا تسأل ربًا تجهل رحمته. إنك تسأل الرحمن الرحيم.

وكلما فكرت في تعقيد الأمور، تذكرت أنك لا تعتمد على علمك المحدود وحده. إنك تستعين باللطيف الخبير. وكلما خفت من المستقبل، تذكرت أن خوفك ناشئ عما لا تعرفه، وأن ما لا تعرفه لا يخفى على الله.

ولعل هذا هو موضع السكينة الذي تحتاج إليه. ألا يكون اطمئنانك قائمًا على أنك تعرف ما سيحدث، وإنما على معرفتك بمن تدعوه أن يهديك ويدبر أمرك.

فالإنسان قد يطمئن حين يضمن النتيجة التي يريدها. لكن ماذا لو تعلم أن يطمئن إلى الله قبل أن يعرف النتيجة؟

ليس بمعنى أنه لن يخاف أو يحزن. وإنما بمعنى أن جهله بما سيأتي لا يضطره إلى سوء الظن بربه، ولا يمنعه من سؤال الله الخير، ولا يسلبه القدرة على المضي فيما يستطيع.

إنه لا يعلم ما سيحدث. لكنه يعلم أن ربه هو اللطيف الخبير الرحمن الرحيم.

وما أعظم الفرق بين من يتذكر أسماء الله حين يقرأها، ومن يتعلم أن يعيش بمعانيها حين يحتار في أمر نفسه!

أن تستحضر لطف الله وأنت عاجز عن فهم ما يجري. وخبرته حين تعجز حساباتك عن الإحاطة بالعواقب. ورحمته حين تضيق بك نفسك وتحتاج إلى عونه.

فتزداد رغبتك في أن يهديك إلى الخير، لا لأنك أصبحت تعرف أين يكون، ولكن لأنك تعرف أنه لا يخفى عليه شيء.

دعاء يبقي الأمنية ويطلب حسن الاختيار

وهنا أريدك أن تتخيل أنك عدت إلى تلك الأمنية التي طال انتظارك لها. ها أنت ترفع يديك من جديد. والحاجة لا تزال قائمة. والرجاء لا يزال حاضرًا. ولم يحدث بعد ما كنت تتمنى حدوثه.

لكنك هذه المرة لا تنظر إلى التفويض وكأنه إعلان منك بأنك مستعد للحرمان. بل تنظر إليه على أنه باب آخر من أبواب الرجاء. تقول:

يا رب، أنت تعلم ما في قلبي. تعلم كم أحب هذا الأمر، وكم أرجو أن تكرمني به. وتعلم ما بذلت لأجله، وما عجزت عنه، وما لا أستطيع أن أخبر به أحدًا.

وأنا لا أزال أسألك إياه من واسع فضلك. ولا أزال أرجو رحمتك وكرمك. ولكن يا رب، إنني لا أريد أن أنسى وأنا أطلب ما أحب أنك أعلم مني بما يصلحني.

أنت اللطيف الخبير. وأنت الرحمن الرحيم. وأنا عبد ضعيف، أعرف حاجتي، ولا أحيط بعاقبة أمري.

فاختر لي ما فيه الخير، واهدني إليه، ويسره لي، وبارك لي فيه. وإن كان الخير فيما أرجوه، فأكرمني به من فضلك. وإن كان فيما لا أعرفه، فلا تكلني إلى معرفتي القاصرة، وأعني على الرضا بما تقضي.

اللهم لا تجعل حبي لما أتمنى يحجب عن قلبي محبة حسن تدبيرك. ولا تجعل خوفي من فقده يمنعني من أن أسألك الخير حيث كان. واجعلني صادقًا في رجائي، صادقًا في افتقاري، مستعينًا بك في اختياري، مطمئنًا إلى علمك وحكمتك، وإن خفيت علي عواقب الأمور.

اسعَ إلى أمنيتك واستعن بالله

ثم امضِ في حياتك. اعمل لما تتمنى إن كان مما أذن الله لك فيه. وخذ بالأسباب التي تستطيع. ولا تتوقف عن دعاء الله بها.

ولا تفسر كل تأخير على أنه أمر بالتخلي عنها، ولا كل تيسير على أنه ضمان لما ستكون عليه عاقبتها. اجتهد فيما تملك، واستعن بالله فيما تعلم وما لا تعلم.

وإذا جاءك يوم وجدت فيه قلبك خائفًا من أن يجري الأمر على غير ما تحب، فلا تعاتبه لأنه لا يزال يرجو. ذكره فقط بمن تدعوه. ذكره أنك لا تسأل مجرد اختيار مجهول. إنك تسأل اختيار اللطيف الخبير، وتدبير الرحمن الرحيم.

فلماذا لا تجعل هذه الرغبة من أعظم ما تحمله في قلبك، حتى وأنت لا تزال تتمنى؟ لماذا لا تأتي إلى الله راغبًا في حسن تدبيره لك، لا لأنك عجزت عن بلوغ اختيارك، ولكن لأنك تحب أن يهديك إلى ما يعلم أنه خير؟

إنك لن تملك بهذا الدعاء علم الغيب، ولن تضمن أن تسير الحياة كما تحب، ولن تصبح بمنأى عن الألم. لكن قلبك يتعلم عبودية عظيمة.

يتعلم أن يحب الاعتماد على الله قبل أن تنقطع الأسباب. وأن يرجو الخير من الله قبل أن تتبين له صورته. وأن يسأله الرضا والعون قبل أن يعرف ما سيأتي. وأن يظل صادقًا في أمنيته، دون أن يجعلها أوسع في قلبه من ثقته بعلم ربه وحكمته ورحمته.


اقرأ أيضًا

رجاء أوسع من الأمنية

ولعل أعمق ما يمكن أن يحدث لك أن تنتقل من سؤال واحد ظل يشغلك طويلًا: «يا رب، هل ستعطيني ما أريد؟»

إلى دعاء أوسع، لا يلغي السؤال الأول، وإنما يضمه إلى ما هو أعظم: «يا رب، إني أرجو ما أحب، ولكني أرغب في حسن اختيارك لي؛ لأن الذي يدبر أمري هو أنت، اللطيف الخبير، الرحمن الرحيم».

فلتبقَ أمنيتك حية في قلبك. ولتظل تسأل الله إياها برجاء.

ولكن اجعل معها رغبة لا تقل عنها صدقًا، بل تكون أوسع منها وأعظم: أن يختار الله لك ما هو خير بعلمه وحكمته ورحمته، وأن يعين قلبك على الرضا به.

فإنك لا تعلم أين يكون الخير كله. ولكنك تعلم من الذي يعلم.

حين يوقظك الله بكلمة

تعليقات

عدد التعليقات : 0