كيف تختلف مع من تحب دون أن تهدم ما بينكما؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد يبدأ الخلاف بينك وبين إنسان تحبه بأمر صغير، لا يستحق في ظاهره كل ما سيحدث بعده. كلمة لم تعجبه، أو تصرف أساء فهمه، أو قرار يراه أحدكما صوابًا ويراه الآخر خطأ.

مقعدان خشبيان حول طاولة واحدة في ضوء هادئ، رمز لحفظ مساحة الحوار والمودة عند الاختلاف، بتوقيع حين يوقظك الله بكلمة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

كيف تختلف مع من تحب حين يشتد النقاش؟

تبدأ الحديث وأنت تريد أن تشرح وجهة نظرك، وهو يريد أن يشرح وجهة نظره. ثم يرتفع الصوت قليلًا، وتتغير نبرة الكلام، ويبدأ كل منكما في الدفاع عن نفسه.

وربما لا تنتبه إلى اللحظة التي لم تعد فيها تحاول أن تفهمه، وإنما أصبحت تحاول أن تثبت له أنه مخطئ. ولا ينتبه هو إلى أنه لم يعد يحاول إقناعك، بل صار يريد أن ينتصر لنفسه.

ثم تُقال كلمة جارحة. وتُستحضر أخطاء قديمة. وربما يخرج من أحدكما كلام لم يكن ينبغي أن يقال، لكنه قيل في لحظة غضب، ووصل إلى قلب الآخر في موضع يعرف صاحبه أنه يؤلمه.

وبعد أن ينتهي الخلاف، قد تكتشف أن المسألة التي اختلفتما عليها لم تعد هي أشد ما يؤلمك. لقد أصبحت تتذكر طريقته في الحديث، والنظرة التي نظر بها إليك، والكلمات التي لم تتوقع أن تسمعها منه. وربما يقول كل منكما في نفسه:

كيف استطاع أن يكلمني بهذه الطريقة، وهو يعلم مقدار محبتي له؟

وهنا أريدك أن تتأمل أمرًا دقيقًا. ليست كل العلاقات تتألم لأن أصحابها يختلفون، وإنما قد تتألم لأن الخلاف يجعل أحدهما يشعر أنه لم يعد آمنًا في قلب الآخر.

فأنت تستطيع أن تتحمل أن يخالفك إنسان في رأيك. لكن قد يشق عليك أن تشعر بأن محبته لك أصبحت مشروطة بموافقتك له. وتستطيع أن تسمع منه نقدًا لتصرف أخطأت فيه. لكن يؤلمك أن يتحول نقد التصرف إلى إهانة لشخصك.

وتستطيع أن تقبل أنه غاضب منك. لكن يصعب عليك أن ترى غضبه يفتح الباب لكلمات تهدم من المودة ما عجزت سنوات عن بنائه.

ولهذا قد تنتهي المناقشة، بينما يبقى أثرها في القلب طويلًا. فالمشكلة أحيانًا ليست في الموضوع الذي اختلفتما عليه، وإنما فيما حدث للعلاقة أثناء الاختلاف.

هل تريد الإصلاح أم الانتصار لنفسك؟

تأمل هذا المعنى في نفسك. حين تختلف مع من تحب، ما الذي تريده حقًا؟

أتريد أن تصل معه إلى الصواب؟ أم تريد أن يقتنع بأنك أنت المصيب، حتى لو اضطررت إلى جرحه؟

أتريد أن يفهم سبب ألمك؟ أم تريد أن يتألم كما تألمت، حتى يشعر بما فعل؟

أتريد إصلاح ما بينكما؟ أم أصبحت تنتظر منه كلمة اعتراف بالهزيمة، لتشعر أنك استعدت حقك؟

قد تبدأ المناقشة بنية صالحة، ثم يدخلها الغضب، فتتغير الغاية وأنت لا تشعر. تدخل وأنت تريد حل مشكلة، ثم تجد نفسك تخوض معركة لا تريد أن تخرج منها إلا منتصرًا.

وحين يصبح الانتصار للنفس هو المقصود، قد لا يعود الإنسان يسأل نفسه إن كانت الكلمة التي سيقولها عادلة أو رحيمة. يكفيه أنها قوية. وأنها ستسكت الطرف الآخر. وأنها ستجعله عاجزًا عن الرد.

لكن هل كل كلمة تسكت من أمامك تكون قد أقنعته؟ وهل كل نقاش خرجت منه منتصرًا تكون قد خرجت منه رابحًا؟

قد تنتصر في الخلاف، ثم تكتشف أنك أوجعت قلبًا كنت تتمنى أن تكون له سكنًا.

وليس معنى ذلك أن تتنازل عن الحق حتى لا يحزن من تحب. فالحب لا يجعل الخطأ صوابًا، ولا يلزمك أن توافق على كل ما يريده الآخر. وقد تكون المسألة التي اختلفتما عليها مهمة فعلًا، وتتعلق بحق من حقوقك، أو قرار يؤثر في حياتك، أو تصرف لا يصح السكوت عنه.

لكن هناك فرقًا بين أن تتمسك بحقك، وبين أن تجعل جرح الآخر جزءًا من طريقة دفاعك عنه. وفرقًا بين أن تقول: «هذا التصرف آلمني، ولا أقبل تكراره»، وبين أن تقول كلامًا يهين صاحبه ويحتقره. وفرقًا بين أن ترفض رأيًا، وبين أن تجعل رفضك له إعلانًا بأن صاحبه لم يعد جديرًا بالمحبة والاحترام.

فليس عليك أن تختار بين أن تحفظ كرامتك وأن تحفظ لسانك. تستطيع أن تفعل الأمرين معًا.

لا تجعل خطأ اليوم يمحو فضل الأمس

ولعل من أكثر ما يفسد الخلافات بين الأحبة أنهم ينسون، في لحظة الغضب، أن الإنسان الذي أمامهم ليس مجرد صاحب الرأي الذي يرفضونه. إنه إنسان له تاريخ معهم. له مواقف من الوفاء، وأيام من الإحسان، وذكريات من الرحمة، وأشياء جميلة لا ينبغي أن تزول من الذاكرة لأن خطأ حدث اليوم.

وقد يكون بينكما من العشرة ما لا يعرفه أحد. كم مرة وقف إلى جانبك حين احتجت إليه؟ وكم مرة سامحك على كلمة لم تحسن اختيارها؟ وكم مرة كان سببًا في فرحتك، أو تخفيف همك، أو إعانتك على أمر شق عليك؟

ثم يحدث خلاف، فتغضب، وكأن ذلك التاريخ كله لم يكن. تأخذ موقفًا واحدًا، وتجعله تفسيرًا لكل ما مضى.

فتقول: «أنت لم تهتم بي يومًا». أو: «لم أر منك خيرًا قط». أو: «هذه حقيقتك التي لم أكن أعرفها».

وربما كنت تعلم في أعماقك أن هذه الأحكام ليست عادلة. لكنك قلتها لأنك غاضب.

وهنا تأمل قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

جاء هذا التوجيه العظيم في سياق أحكام الفراق بين الزوجين. وتأمل ما في التذكير بالفضل من معنى. حتى حين تتغير العلاقة، وتتعقد الأمور، ويصبح لكل طرف حق يطالب به، لا ينبغي أن يضيع الإحسان السابق من الذاكرة. فكيف بمن لا يزال يحب من أمامه، ويريد أن تستمر المودة بينهما؟

ليس الإنصاف أن تتذكر خطأه اليوم وتنسى كل خير عرفته منه بالأمس.

لكن تذكر الفضل لا يعني إنكار الخطأ. فقد يكون الإنسان محسنًا في جوانب كثيرة، ومخطئًا في أمر يحتاج إلى تصحيح. وقد تحبه وتقدره، ومع ذلك تتألم من تصرف فعله.

والعدل أن ترى الأمرين معًا. ألا تجعل محبته تمنعك من بيان ما يؤلمك. وألا تجعل غضبك منه يمحو ما تعرفه من فضله.

ولعل هذه من أصعب صور الإنصاف. أن تستطيع رؤية خير إنسان وأنت متألم من خطئه. وأن تحفظ له حقه في الاحترام، حتى حين تطالبه بحقك.

معرفتك بضعفه أمانة لا سلاح

هناك أمر آخر قد يغيب عنك بسبب شدة القرب. أنت تعرف هذا الإنسان معرفة لا يعرفه بها كثير من الناس.

تعرف ما يخشاه. وما يحزنه. وما يشعره بالنقص. وربما تعرف جرحًا قديمًا أخبرك به في لحظة ثقة، أو سرًا ائتمنك عليه لأنه كان يظن أن قلبك موضع أمان له.

وهذه المعرفة قد تصبح امتحانًا لأخلاقك حين تغضب. فأنت تعرف الكلمة التي ستؤلمه أكثر من غيرها. وتعرف الموضع الذي تستطيع أن تضغط عليه حتى تسقط حجته أو ينكسر صوته.

لكن هل يليق أن تستخدم ضد من تحب ما عرفته عنه لأنه اطمأن إليك؟

إن من أعظم ما تحفظ به المودة ألا تجعل ما ائتمنك عليه الإنسان في ساعة قرب سلاحًا تؤذيه به في ساعة خلاف.

فبعض الجروح لا تنشأ من اختلاف الآراء. تنشأ حين يكتشف الإنسان أن ضعفه الذي كشفه لمن يحب لم يكن آمنًا كما ظن.

وقد يستطيع أن يسامح على كلمة قاسية قيلت في غضب، لكن استعادة شعوره بالأمان بعد انكشاف سره أو استغلال ضعفه قد تكون أشد صعوبة.

ولهذا فإن صيانة العلاقة لا تبدأ حين ينتهي الخلاف وتبحث عن وسيلة للاعتذار. إنها تبدأ في اللحظة التي تملك فيها القدرة على الإيذاء، ثم تختار ألا تؤذي.

حين تستطيع أن تفضحه فلا تفعل. وحين تعرف ما يكسره فتمتنع عنه. وحين يغلبك الغضب فتذكر نفسك أن هذا الإنسان ليس عدوًا تريد أن تهزمه. إنه شخص تريد أن تصلح ما بينك وبينه، حتى وإن كان مخطئًا.

القوة أن تملك نفسك عند الغضب

وهنا تظهر حاجة الإنسان إلى مجاهدة نفسه. فليس ضبط اللسان عند الغضب أمرًا هينًا دائمًا.

قد تكون متألمًا حقًا. وقد تشعر بأن الآخر لا يفهمك، أو لا ينصفك، أو يكرر ما سبق أن طلبت منه تركه. وقد يبلغ بك الضيق مبلغًا يصعب معه أن تختار ألفاظك كما تختارها حين تكون هادئًا.

لكن صعوبة ضبط النفس لا تجعل التجريح حقًا مباحًا. وفي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

تأمل أين وضع النبي صلى الله عليه وسلم معنى القوة. في القدرة على ملك النفس حين يثور الغضب. فقد يستطيع الإنسان أن يرفع صوته، وأن يغلب غيره في الجدال، وأن ينتزع منه الصمت. لكن من أصعب ما يواجهه أن يملك نفسه حين يشعر أن لديه ما يبرر انفجاره.

أن يكون غاضبًا، ولا يظلم. ومتألمًا، ولا يتعمد الإيلام. وحازمًا، ولا ينسى الرحمة.

وهذه القوة لا تعني أن تكتم كل ما في صدرك حتى يتراكم الألم، ثم ينفجر في يوم آخر. بل تعني أن تتعلم كيف تقول ما يجب قوله دون أن تضيف إليه ما لا يجوز قوله.

قل ما يؤلمك دون أن تهين من تحب

إذا أخطأ من تحب، فتحدث عن الخطأ. وإذا تألمت، فبين موضع ألمك. وإذا كان لك حق، فاطلبه بوضوح. لكن لا تجعل كلامك محاكمة شاملة للإنسان كله.

قل له: «ما حدث منك آلمني». ولا تتعجل القول: «أنت لا تهتم بي أبدًا».

قل: «لا أوافق على هذا القرار، وأريد أن نتحدث عن عواقبه». ولا تجعل اختلافه معك دليلًا على أنه لا يحترمك.

قل: «أنا غاضب الآن، وأخشى أن أقول ما أندم عليه، فلنؤجل الحديث حتى نهدأ». فالتوقف عن نقاش يشتد فيه الغضب قد يكون حفظًا للمودة، ما دام ليس وسيلة لمعاقبة الآخر بالصمت أو الهروب الدائم من معالجة المشكلة.

وربما كان من الحكمة أحيانًا أن تسأل قبل أن تجيب. أن تقول: «هل فهمت أنك تقصد كذا؟». أو: «ما الذي جعلك تنظر إلى الأمر بهذه الطريقة؟».

فكم من خلاف ازداد لأن أحد الطرفين كان يرد على معنى لم يقصده الآخر أصلًا. وكم من كلمة حملناها على أسوأ وجوهها، ثم اكتشفنا أن صاحبها لم يرد ما فهمناه منها.

لكن ليس المطلوب أن تفترض حسن القصد على الدوام مهما ظهرت لك الأدلة على خلافه. المطلوب أن تنصف. ألا تتعجل اتهام النيات حين يمكن فهم الكلام على وجه صحيح. وألا تتجاهل الضرر الواضح حين يحتاج إلى مواجهة. فالإنصاف لا يعني أن تلتمس لكل خطأ عذرًا، وإنما ألا تضيف إلى الخطأ ما لم يثبت فيه.

تستطيع أن تعتذر دون أن تتنازل عن حقك

ومن هنا أريدك أن تتأمل أمرًا قد يحدث كثيرًا بعد الخلاف. قد تكتشف أنك أخطأت في طريقة حديثك، لكنك تتردد في الاعتذار؛ لأنك لا تزال مقتنعًا بأن موقفك من أصل المسألة صحيح. فتظن أن الاعتذار عن الكلام الجارح يعني التراجع عن الحق الذي كنت تدافع عنه. وهذا التباس يطيل الخصومات.

يمكنك أن تكون محقًا في اعتراضك، ومخطئًا في أسلوبك. ويمكنك أن تعتذر عن الإهانة دون أن تتنازل عن حقك.

أن تقول: «أنا ما زلت أختلف معك في هذا الأمر، لكنني أخطأت حين كلمتك بتلك القسوة، وأعتذر عن ذلك».

تأمل كم في هذه العبارة من إنصاف. لم تنكر ما تؤمن به. ولم تجعل اقتناعك بموقفك مبررًا لإيذاء غيرك. واعترفت بأن الآخر يستحق منك الاحترام حتى حين لا توافقه.

فالاعتذار الصادق ليس اعترافًا بأنك كنت مخطئًا في كل شيء، وإنما استعداد لأن تتحمل مسؤولية الموضع الذي أخطأت فيه.

حفظ المودة لا يعني قبول الأذى

وقد يكون الطرف الآخر هو من آذاك. وقد تكون أنت الذي ينتظر اعتذارًا لم يأتِ. وهنا لا أريد أن أحملك وحدك مسؤولية إنقاذ العلاقة. فالعلاقات لا يصلحها دائمًا صبر طرف واحد، ولا يستطيع إنسان أن يصنع احترامًا متبادلًا بمفرده.

قد تبذل وسعك في حسن الكلام، ثم تجد من يقابل هدوءك بالاستهزاء، وصراحتك بالعقاب، ومحاولاتك للإصلاح بمزيد من الإيذاء. وقد يتكرر التحقير أو التهديد أو انتهاك الحدود، حتى يصبح الخلاف بابًا للخوف لا مجالًا للتفاهم.

وفي مثل هذه الأحوال، لا يكون حفظ المودة بأن تتنازل عن كرامتك، أو تسكت عن ظلم يتكرر، أو تبقى في وضع يهدد سلامتك. من حقك أن تضع حدودًا واضحة، وأن تطلب المساندة، وأن تختار المسافة التي تحميك إذا تعذر الإصلاح.

فالمحبة لا تمنح أحدًا حق إيذائك، كما أنها لا تمنحك حق إيذائه.

وحديثنا عن الرحمة في الاختلاف لا يراد به أن يبقى كل إنسان قريبًا منك مهما فعل. وإنما أن تكون عادلًا في قربك وبعدك، وفي رضاك وغضبك، وفي قبولك ورفضك.

قد تحتاج بعض العلاقات إلى إصلاح. وقد تحتاج إلى حدود. وقد يتعذر استمرار بعضها بالصورة القديمة. لكن لا تجعل الغضب يسلبك الإنصاف، ولا تجعل الرغبة في استمرار العلاقة تسلبك القدرة على رؤية الحقيقة.

أما إذا كانت المودة باقية، وكان بينكما من الاستعداد للإصلاح ما يسمح بالتفاهم، فلا تهدمها لأن أحدكما لم يحسن التصرف في لحظة.

المحبة تتسع للاختلاف

وتذكر أن الإنسان الذي تحبه ليس امتدادًا لشخصك. له فهمه وتجربته ومخاوفه وأولوياته. وقد ينظر إلى الأمر الذي تراه واضحًا من زاوية لم تخطر لك.

وليس معنى أنه يحبك أن يصبح ملزمًا بموافقتك في كل ما تقول. كما أن محبتك له لا تلزمك أن تتخلى عن قناعاتك حتى ترضيه. من جمال المودة أن يجد الإنسان عند من يحبه مساحة يستطيع فيها أن يكون صادقًا، لا أن يضطر إلى الموافقة خوفًا من فقد المحبة.

تخيل كم يتغير معنى العلاقة حين يطمئن كل طرف إلى أنه يستطيع أن يقول: «أنا لا أوافقك»، دون أن تصبح هذه الجملة بداية تهديد لما بينهما.

حين يعرف أن الاختلاف لن يتحول فورًا إلى إهانة. وأن الخطأ يمكن أن يناقش دون إذلال. وأن الغضب لا يعني أن تاريخ الإحسان قد محي. وأن الاعتذار ممكن دون اشتراط أن يكون أحدهما منتصرًا والآخر مهزومًا.

هذه الطمأنينة لا تصنعها الكلمات الجميلة وحدها. إنما تصنعها المواقف المتكررة.

كل مرة تغضب فيها ثم تضبط لسانك. وكل مرة تنصف فيها من تحب مع أنك متألم منه. وكل مرة تعترف بخطئك دون أن تنتظر أن يعترف هو أولًا. وكل مرة تختار أن تفهم قبل أن تحكم.

فأنت بذلك لا تحل خلافًا عابرًا فحسب. إنك تبني في قلب الآخر معرفة أعمق بك: أن اختلافه معك لا يجعلك ظالمًا له. وأن قربه منك لا يصبح موضع خوف حين يغضب أحدكما.

ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان أن يتركه في قلب من يحبه هذه الطمأنينة. ألا يحتاج الآخر إلى إخفاء رأيه حتى يحافظ على مكانته عندك. وألا يخشى من مصارحتك لأنه يعرف أنك لن تستعمل ما يقوله ضده. وألا يشعر أنه مطالب بأن يختار بين الصدق معك وبين الاحتفاظ بمودتك.

كيف عاملته وأنت تختلف معه؟

وهنا أريدك أن تعود إلى آخر خلاف وقع بينك وبين إنسان عزيز عليك. لا تسأل نفسك أولًا: من كان على حق؟ فقد تعرف الجواب، وقد يحتاج الأمر إلى مزيد من التأمل.

ولكن اسأل سؤالًا آخر: كيف عاملت هذا الإنسان وأنا أختلف معه؟

هل حفظت له كرامته؟ هل أنصفت كلامه؟ هل قلت ما تحتاج إلى قوله، أم أضفت إليه ما قصدت به إيلامه؟

هل تذكرت ما بينكما من فضل، أم سمحت للحظة الغضب أن تمحو من لسانك كل كلمة عادلة عنه؟ وهل هناك شيء ينبغي أن تعتذر عنه، حتى لو بقي الخلاف بينكما قائمًا؟

لا تسأل هذه الأسئلة لتجلد نفسك. اسألها لأنك تريد أن تكون أصلح في علاقتك بمن تحب. ولأن الإنسان قد يحتاج إلى أن يصلح طريقته في الاختلاف قبل أن يستطيع إصلاح بعض خلافاته.

وإذا وجدت أنك أخطأت، فبادر بما تستطيع من إصلاح. لا تجعل الكبرياء تحبس في صدرك اعتذارًا مستحقًا. ولا تجعل الخوف من تكرار المشكلة يمنعك من حديث صادق يحتاج إليه الطرفان.

واسأل الله أن يصلح قلبك ولسانك، وأن يعينك على العدل حين تغضب، وعلى الرحمة حين تتألم، وعلى قبول الحق حين يظهر لك ولو جاء ممن اختلفت معه.

واسأله أن يجعل محبتك للناس عونًا لك على الإحسان إليهم، لا سببًا لأن تستبيح في حقهم ما لا تستبيحه مع الغرباء. فكم هو مؤلم أن يكون الإنسان رفيقًا بالبعيد، ثم يشتد لسانه على أقرب الناس إليه، لأنه يظن أنهم سيبقون مهما قال وفعل.

والقرب لا يقلل حاجة القلوب إلى الرفق. بل ربما جعلها أشد حاجة إليه. لأن الكلمة من القريب تصل إلى موضع لا تبلغه كلمة الغريب. والإهانة ممن نحب قد تؤلم أكثر، لأننا لم نكن ننتظرها منه.

ولهذا، حين تغضب ممن تحب، فتذكر أن قلبه ليس أقل استحقاقًا للرحمة لأنه قريب منك. وأن معرفتك به أمانة. وأن المودة التي بينكما تستحق منك أن تحرسها من ظلم نفسك، كما تحرس حقك من ظلم غيرك.


اقرأ أيضًا

احفظ موضعك في قلبه وأنت تختلف معه

وليس عليك أن تمنع كل خلاف، فهذا لا تملكه، ولا تتوقف عليه صحة العلاقة. لكن تستطيع أن تتعلم كيف لا تجعل كل خلاف معركة على المحبة والكرامة.

كيف تقول الحقيقة دون احتقار. وتطلب حقك دون انتقام. وتعتذر دون أن تذل نفسك.

وتسامح حين يكون العفو في موضعه، دون أن تجعل التسامح إذنًا بتكرار الأذى. وتبقى قادرًا على رؤية الإنسان الذي تحبه، حتى حين تختلف مع ما يقوله أو يفعله.

فلا تجعل غايتك من الخلاف أن يخرج من تحب وقد عرف أنك أقوى حجة، بينما يخرج قلبه مثقلًا بما قلته له. اجتهد أن يخرج من الحديث وهو يعرف أنك أخذت الأمر بجدية، وأنك لم تتنازل عما تراه حقًا، ولكنك لم تجعل اختلافه معك سببًا لإهدار كرامته.

فليس مطلوبًا أن تنتهي كل مناقشة باتفاق. قد يبقى بينكما اختلاف يحتاج إلى وقت، أو إلى تنازل مشروع من أحدكما، أو إلى حل تتعاونان في الوصول إليه.

وقد لا تتفقان في النهاية. لكن من أعظم ما يمكن أن تحفظاه بينكما أن يبقى الاختلاف في موضعه، وألا يتحول إلى هدم للإنسان الذي اختلفتما من أجله ومعه.

وحين تشتد المناقشة مرة أخرى، ويقترب من لسانك كلام تعلم أنه سيؤلم من تحب، فتذكر قبل أن تقوله:

لست مضطرًا إلى أن تهدم موضعك في قلبه حتى تثبت موضعك في النقاش.

حين يوقظك الله بكلمة

تعليقات

عدد التعليقات : 0