حين تطول أمنيتك… كيف تدعو بيقين، وتترك لله اختيار الجواب؟
ربما لا تخاف من تأخر أمنيتك وحده. ربما تخاف من شيء آخر، لا تكاد تجرؤ على الاعتراف به: أن تتوقف عن انتظارها، فيكون توقفك كأنك تخليت عنها.
ولهذا تتمسك بها كلما طال الطريق، وتعيد رسم صورتها في قلبك كلما خشيت أن تضيع، حتى يصبح مجرد التفكير في أن الله قد يختار لك غيرها أمرًا يوجعك. ليس لأنك ترفض اختيار الله، ولكن لأنك أحببت هذه الأمنية طويلًا، حتى صار من الصعب عليك أن تتخيل حياتك دونها.
قد تكون رزقًا طال سعيك إليه، أو فرجًا ضاقت بك الأيام وأنت تنتظره، أو زواجًا ترجوه، أو شفاءً لمن تحب، أو حاجة لا يعلم أحد مقدار ما شغلت قلبك.
لقد دعوت الله بها حتى ألف لسانك سؤالها، وربما أصبحت أول ما يخطر ببالك حين ترفع يديك، وآخر ما تبوح به قبل أن تنهي دعاءك.
ثم تسمع من يقول لك: لا تتعلق بالأمنية، تعلق بالله. فتتساءل في سرك: وكيف أفعل ذلك؟ هل أحتاج إلى أن أحبها أقل؟ أن أكف عن انتظارها؟ أن أدعو بها وكأنني لا أبالي إن تحققت أم لم تتحقق؟ وهل يكون تسليمي لله صادقًا وأنا ما زلت أريدها بكل هذا الشوق؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
أمنيتك لا تناقض تعلقك بالله
هنا أريد أن أحدثك عن معنى قد يرفع عن قلبك عبئًا لم تكن تعلم أنك تحمله.
ليس مطلوبًا منك أن تتخلى عن أمنيتك حتى يصدق تعلقك بالله.
فالله الذي يسمع دعاءك يعلم مقدار ما تحب، ولم يأمرك أن تتجرد من حاجتك حتى تكون أهلًا لأن تسأله. إنك عبد مفتقر، ومن تمام عبوديتك أن تأتي ربك بما تحتاج إليه، وأن تسأله ما تعجز عنه، وأن ترجوه فيما تحب، دون أن تتكلف برودًا لا تجده في قلبك.
ولكن هناك فرقًا دقيقًا بين أن تكون الأمنية عزيزة عليك، وأن تجعلها هي التي تقرر لقلبك كيف ينظر إلى ربه. تأمل هذا الفرق جيدًا.
حين تدعو الله بأمنية تحبها، فأنت تقف على بابه سائلًا، ترجوه وتفتقر إليه. أما حين تجعل تحققها شرطًا لطمأنينتك، فكأن قلبك يقول: لن أستطيع أن أطمئن إلى تدبير الله حتى أراه يوافق ما تمنيت.
وهنا يبدأ التعب الذي لا تصنعه الأمنية وحدها؛ لأنك لم تعد تنتظر شيئًا تحبه فحسب، بل صرت تنتظر معه دليلًا تطمئن به إلى أنك موضع عناية الله.
فإذا تأخر ما ترجوه، خفت أن تكون الرحمة قد تأخرت معه. وإذا تعثرت الأسباب، تساءلت عما إذا كان دعاؤك قد سمع. وإذا مضت الأيام دون تغيير، وجدت نفسك تفتش في طول الانتظار عن معنى لم يأمرك الله أن تستخرجه منه.
مع أن تأخر ما سألت لا يخبرك وحده عن منزلتك عند الله، ولا يكشف لك حقيقة ما اختاره لك، ولا يبيح لك أن تحكم على دعائك بأنه ضاع.
فليست كل أمنية تأخرت رحمة تأخرت، ولا كل حاجة لم تقض دليلًا على أن صاحبها قد تُرك.
اليقين بالإجابة لا يعني توقع النتيجة
وربما تقول الآن: لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». فكيف أدعو موقنًا بالإجابة وأنا لا أعلم هل سأحصل على ما أريد؟
وهنا نصل إلى المعنى الذي قد يغير علاقتك بالانتظار كله. أنت حين تدعو الله لا تستند إلى معرفتك بما سيقع غدًا، وإنما تستند إلى معرفتك بمن تدعوه اليوم.
تعلم أن الله يسمعك، وأنه قادر على قضاء حاجتك، وأن ما استعظمته من الأسباب لا يعجزه، وأن علمه بما يصلحك أوسع من علمك، وأن فضله لا تحده الصورة التي رسمتها لأمنيتك. أما ما لا تعلمه، فهو كيف ستكون الإجابة، ومتى، وبأي وجه من وجوه الخير التي يعلمها الله.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم إذا دعا بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
فتأمل كيف وسع النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإجابة، حتى لا يحصر العبد فضل الله في الشيء الذي طلبه، ثم يظن أن ما سواه ضياع.
قد يعطيك الله عين ما سألت، ويفرح قلبك بما انتظرته سنين. وقد تكون الإجابة على وجه آخر لا تراه، أو خيرًا يدخر لك في الآخرة، أو سوءًا يصرف عنك دون أن تعلم به. ولست مطالبًا بأن تعرف أي ذلك وقع لك حتى تستمر في الدعاء.
فاليقين بالإجابة ليس يقينًا بتوقعك، وإنما يقين بربك.
وما أعظم الفرق بينهما! حين تجعل يقينك متعلقًا بتوقعك، يصبح كل يوم يمر دون تحقق الأمنية امتحانًا جديدًا لما بنيت عليه طمأنينتك. أما حين تجعل يقينك بالله، فلست بحاجة إلى أن تدعي معرفة الغيب حتى تحسن الظن بمن يعلمه.
يمكنك أن تقول: يا رب، إني أرجو هذه الأمنية وأنتظرها، وأعلم أنك قادر على تحقيقها، لكنني لا أعلم من أمري ما تعلمه، ولا أحيط بعاقبة ما أحب كما تحيط بها.
وهذا ليس دعاء من قل رجاؤه، بل دعاء عبد عرف الفرق بين ما يتمناه وما يعلمه. إنه لا يتردد في قدرة الله، ولا يضيق بفضله، ولا يستبعد أن يعطيه ما سأل، لكنه لا يجعل من أمنيته خبرًا مؤكدًا عن مستقبل لم يطلعه الله عليه.
وهذا المعنى قريب مما يوضحه مقال اليقين تحت تدبير الله: ثبات القلب بالله لا يتوقف على أن تأتي النتيجة بالصورة التي توقعها.
اطلب ما تريد، وفوّض ما لا تعلم
وهنا قد تشعر أن قلبك يقاوم هذا المعنى. فأنت لا تريد الحديث عن احتمال أن تأتي الإجابة على غير ما ترجوه. أنت تريد تلك الأمنية نفسها. تريدها بتفاصيلها، بالصورة التي أحببتها، وربما في الوقت الذي طالما انتظرته.
ولعلك تقول: يا رب، لقد صبرت كثيرًا، وما زلت أرجو أن تكون هذه هي العطية التي تفرح بها قلبي.
فقل ذلك. لا تستح من صدق رغبتك بين يدي الله، ولا تتصور أن التسليم يقتضي أن تتوقف عن طلب الأمر بعينه.
لقد دعا زكريا عليه السلام ربه بالولد، وسأله حاجته صراحة، وهو الذي قال: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]. فجمع في دعائه بين طلب ما يحب، والثناء على ربه بما يليق به.
أنت أيضًا تستطيع أن تسأل حاجتك بعينها، وأن تلح فيها، وأن ترجوها من فضل الله، ثم تترك ما غاب عن علمك لحكمته.
فالتسليم لا يقتضي أن تنطفئ رغبتك.
إنما يقتضي ألا تتحول رغبتك إلى اعتراض على الله إن جرى قضاؤه على غير ما تحب.
ومع ذلك، لا أريد أن أحدثك عن التسليم وكأنه كلمة سهلة تقال، ثم ينتهي بها وجع الانتظار. أعلم أن هناك أمنيات لا يخف ألمها لمجرد أن نفهم المعنى الصحيح.
قد تفهم أن الله أعلم بمصلحتك، ثم تبكي لأنك ما زلت تشتاق. وقد تؤمن أن اختياره خير من اختيارك، ثم يضيق صدرك حين ترى الآخرين يبلغون ما انتظرته أنت طويلًا. وقد تستيقظ غدًا، فتجد الأمنية في قلبك كما كانت بالأمس، وكأن شيئًا من هذا الحديث لم يخفف شوقك إليها.
فلا تجعل من عودة الحزن دليلًا على أن يقينك لم يكن صادقًا. فالقلب قد يجتمع فيه الرجاء والألم، والمحبة والتفويض، والشوق والرضا.
وليست السكينة التي ترجوها انعدام الشعور بما يؤلمك، وإنما أن يكون لك في الله مستند كلما ثقل عليك ما تحمل: أن تحزن دون أن تسيء الظن به، وأن تنتظر دون أن تجعل الانتظار حياتك كلها، وأن تعود إلى الدعاء دون أن تظن أن حاجتك إلى تكراره تعني أنك لم تحسن الدعاء من قبل.
وأن تقول، كلما ضاق صدرك: يا رب، ما زلت أريدها، وما زلت أرجوك فيها، لكنني أسألك ألا يجعلني حبي لها أغفل عنك.
لا تؤجل حياتك حتى تتحقق أمنيتك
وهنا تأمل أمرًا آخر. أنت ربما أمضيت وقتًا طويلًا تسأل الله أن يغير لك شيئًا في حياتك. وهذا دعاء مشروع، ورجاء كريم. ولكن هل سألت الله أن يعينك على أن تعيش حياتك حتى يأتي ما تنتظره؟
أن يرزقك القدرة على أداء ما عليك اليوم، دون أن يستهلك الغد المجهول قلبك؟ أن يفتح لك أبوابًا من الطاعة والعمل والشكر، فلا يصبح تأخر أمنية واحدة حجابًا بينك وبين ما أنعم به عليك؟
فقد يكون من أشد ما تفعله بنا بعض الأمنيات أننا نؤجل الحياة حتى تتحقق. نؤجل الفرح، ونؤجل الرضا، ونؤجل الانتفاع بما بين أيدينا، كأن الأيام التي تسبق الأمنية ليست من أعمارنا.
ننظر إلى ما ينقصنا حتى يغيب عنا ما بقي لنا. وربما مرت بنا نعم كنا نسأل الله بعضها في يوم مضى، ثم لم نعد نلتفت إليها، لأن قلوبنا انشغلت بما لم يصل بعد.
ولذلك فإن تحرير القلب من التعلق بالنتيجة ليس إلغاء للأمنية. إنه إنقاذ لما بقي من حياتك من أن يظل أسيرًا لما لم يحدث فيها.
فلا تجعل أمنية واحدة، مهما عظمت، تختصر لك معنى الحياة كلها.
ومن صور هذا الانتظار أن يؤجل الإنسان حياته كلها إلى أن يأتي الفرج؛ وقد تناول مقال كيف أعيش وأنا أنتظر الفرج؟ هذا المعنى من زاوية الحياة المؤجلة.
اجعل أمنيتك في دعائك ويقينك في الله
اسع إليها بما تستطيع. إن كان لها باب مباح فاطرقه، وإن تعثر سبب فابحث فيما تقدر عليه من أسباب أخرى، وإن احتجت إلى تغيير الطريق فلا تجعل ذلك خيانة لما كنت ترجوه.
ثم ادع الله، لا دعاء من يختبر به ما سيحدث، وإنما دعاء من يعلم أنه محتاج إلى ربه في كل احتمال. فأنت تحتاج إلى الله ليعطيك ما تحب، وتحتاج إليه ليبارك لك فيه إن أعطاك، وتحتاج إليه ليعينك إن تأخر، وتحتاج إليه ليجبر قلبك إن جرى القدر على غير ما أردت.
وهذه هي الحقيقة التي قد تغيب عنا ونحن نلح في حاجاتنا:
أننا نحتاج إلى الله أكثر مما نحتاج إلى الأشياء التي نسأله إياها.
ولا يعني ذلك أن حاجاتنا صغيرة، أو أن آلامنا هينة، أو أن طلبنا لأمور الدنيا نقص في العبادة. ولكن الحاجة، مهما عظمت، تبقى حاجة إلى شيء من خلق الله. أما افتقارنا إلى الله، فهو افتقار لا ينتهي بحصول شيء، ولا يزول بفوات شيء.
ولهذا، حين تصل إلى تلك اللحظة التي لا تعرف فيها ماذا سيأتي غدًا، لا تطلب من قلبك أن يصنع يقينًا بما لا يعلم. يكفيك أن تعود إلى ما تعلمه حقًا: تعلم أن الله ربك، وأنه يسمع دعاءك، وأنه لا يعجزه ما عجزك، وأن حكمته لا تنحصر فيما تفهمه، وأنك لم تؤمر بمعرفة المستقبل، بل بالدعاء، والتوكل، والعمل بما تستطيع، وحسن الظن بالله.
فإن جاءتك الأمنية، حمدت الله على فضله. وإن طال انتظارها، واصلت دعاءك وسعيك، ولم تجعل التأخير حكمًا على رحمته. وإن مضى قدر الله بغير ما أحببت، استعنت به على ما وجدت في قلبك، وسألته الرضا والعوض الصالح، دون أن تتكلف ادعاء أنك لم تتألم.
وتذكر كلما خفت أن يكون تفويضك لأمرك إلى الله تنازلًا عن أمنيتك: إنك حين تفوضها إلى الله لا تتخلى عنها. أنت تتخلى عن ظنك أنك تعرف كيف يجب أن يأتيك الخير، وتترك لقلبك أن يحب، دون أن تجعل حبه حاكمًا على حكمة ربه.
فلا تقل لنفسك: لن أطمئن حتى أنسى ما أتمنى. بل قل: سأظل أسأل الله ما أحب، وأسأله معه قلبًا يعرف كيف يطمئن إليه وإن لم يعرف ما الذي ينتظره.
اللهم إنك تعلم ما في قلبي، وتعلم كم أحب هذه الأمنية، وكم دعوتك بها، وكم رجوتها من فضلك. فإن كانت خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فيسرها لي وبارك لي فيها. وإن كنت تعلم أن الخير في غيرها، فاختر لي الخير حيث كان، وأعن قلبي على قبول قضائك، ولا تجعل جهلي بما تختاره سببًا لسوء ظني بك.
وارزقني يقينًا لا يتوقف على ما أرى، ورجاء لا ينقطع حين تتأخر الأسباب، وقلبًا يحب عطاءك، ولا يغفل عنك من شدة حبه لما يرجوه منك.
ثم امض في حياتك. لا تحتاج إلى أن تنسى أمنيتك، ولا إلى أن تقنع نفسك بأنها لم تعد تعني لك شيئًا. دعها تبقى في دعائك ما شئت، ولكن لا تجعلها تستولي على كل ما في قلبك.
فقد تأتيك يومًا، وقد يختار الله لك غيرها، وأنت لا تعلم ما كتب لك.
لكن ليس عليك أن تعرف ما سيختاره الله غدًا، حتى تحسن الظن به اليوم.
ولعل هذا هو التحرر الذي كنت تبحث عنه منذ البداية: أن تستطيع أن تقول بصدق: يا رب، إني أريدها بكل قلبي، ولكني أريد رضاك فوقها، وأثق بعلمك فيما لا أعلم، وأرجو رحمتك في كل حال.
فاجعل أمنيتك في دعائك، واجعل يقينك في الله.
وإن طال انتظار الأولى، فلا تدع طول انتظارها يحجب عن قلبك عظمة من تدعوه.