بعض الأبواب لا تؤلمك لأنها أُغلقت فقط…
بل لأنك بعد أن رأيتها مغلقة طويلًا، بدأت تنظر إلى نفسك بطريقة مختلفة.
في البداية كان السؤال:
لماذا لم يحدث؟
ثم طال الانتظار… فتغيّر السؤال.
وصار أكثر قسوة:
ما الذي فيَّ حتى لم يحدث لي؟
لم أتزوج بعد…
هل يعني أنني غير مرغوب؟
رُفضت في العمل…
هل يعني أنني فاشل؟
لم أُرزق بالولد…
هل يعني أن في حياتي نقصًا يجعلني أقل من غيري؟
ترك ذلك الشخص حياتي…
هل يعني أنني لم أكن جديرًا بأن يتمسك بي؟
تأخر ما دعوت به طويلًا…
هل يعني أنني أقل حظًا؟
أقل قبولًا؟
أقل أهلية للخير؟
وهنا لا تعود الأمنية المتأخرة مجرد وجع في حياتك.
تتحول شيئًا فشيئًا إلى حكم على نفسك.
لم يعد الباب المغلق بابًا.
صار مرآة.
وكلما نظرت إليه… رأيت فيه صورتك.
ثم صدقت ما يقوله الألم عنها.
وهنا ينبغي أن تنتبه.
لأن هناك فرقًا هائلًا بين أن يقول لك الواقع:
هذا الشيء لم يحدث.
وبين أن تقول أنت:
إذن هناك شيء ناقص فيَّ يجعلني أقل من غيري.
الأولى واقعة.
والثانية تفسير.
وقد يكون أشد ما يؤلمك اليوم ليس الواقعة نفسها… بل التفسير الذي بنيته فوقها.
فالحدث يخبرك عن الحدث… لا عن قيمتك كلها.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- الباب الذي لم يفتح لك لا يعرفك حتى يحكم عليك
- والقرآن هدم هذا الميزان بكلمة واحدة
- بعض الأمنيات لا نطلبها وحدها… بل نطلب منها شهادة
- ومقياس الكرامة عند الله ليس جدول إنجازاتك
- وربما أكثر ما أتعبك أنك تعيش على جدول لم يكتبه الله لك
- وأحيانًا تنقذك كلمتان: «إلى الآن»
- نعم… قد يكون فيك شيء يحتاج إلى إصلاح
- ورفض شخص لك ليس حكمًا على صلاحيتك للحب
- وعدم حصولك على شيء لا يعني أنك «لا تستحق الخير»
- والأشد خطرًا أن تجعل الأمنية مقياس محبة الله لك
- ربما لم تتأخر حياتك… وإنما تأخر شيء فيها
- انتبه إلى اللغة التي تستخدمها حين تتحدث عن نفسك
- واسأل أحيانًا: من وضع الميزان أصلًا؟
- وإذا كان فيك نقص… فأنت لست استثناءً
- افصل بين: «أريد هذا» و«أحتاجه حتى أحترم نفسي»
- أنت أكبر من الشيء الذي تأخر عنك
- فإذا عاد السؤال: «ماذا فيَّ حتى لم يحدث؟»
- وإذا رأيت الناس يصلون إلى ما ظللت تتمناه…
الباب الذي لم يفتح لك لا يعرفك حتى يحكم عليك
تقدمت إلى وظيفة ولم تُقبل.
هذه حقيقة.
لكن:
أنا فاشل.
ليست حقيقة لازمة لها.
لم يتيسر لك زواج كنت ترجوه.
هذه حقيقة مؤلمة.
لكن:
أنا غير مرغوب.
ليست النتيجة الوحيدة الممكنة.
لم يُكتب لك الولد إلى الآن.
هذا ابتلاء يمس موضعًا عميقًا من القلب.
لكن:
أنا أقل من غيري.
ليس حكمًا أنزله الله عليك.
رحل شخص أحببته.
هذه واقعة.
وقد تكون موجعة جدًا.
لكن:
إذن أنا لا أستحق أن أُحب.
هذه جملة أضافها الجرح إلى الواقعة.
وبين الأمرين مسافة.
المشكلة أن القلب حين يتعب لا يحافظ دائمًا على هذه المسافة.
يرى النتيجة… ثم يبتلعها حتى تتحول من شيء وقع له إلى تعريف لنفسه.
من:
لم أنجح في هذه المحاولة.
إلى:
أنا فاشل.
ومن:
لم يخترني هذا الإنسان.
إلى:
لا أحد سيختارني.
ومن:
لم تأتني هذه النعمة.
إلى:
أنا أقل أهلًا بالنعمة من غيري.
ومن:
تأخر هذا الباب.
إلى:
وهكذا لا يعود الإنسان يحمل خسارة واحدة.
بل يحمل فوقها قصة كاملة عن نفسه… لم يثبت منها شيء.
والقرآن هدم هذا الميزان بكلمة واحدة
هذه الفكرة ليست جديدة على النفس البشرية.
أن تربط ما أُعطيت به بمنزلتك.
وأن تربط ما مُنعت منه بقيمتك.
وقد وصف الله هذا الميزان فقال:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾
تأمل.
الإنسان نظر إلى ما في يده… ثم أصدر حكمًا على مقامه.
أعطاني…
إذن أكرمني.
ضيّق عليّ…
إذن أهانني.
ثم جاءت:
﴿كَلَّا﴾
لا.
ليس الميزان بهذه البساطة.
فالسعة نفسها ابتلاء.
والتضييق ابتلاء.
والعطاء اختبار.
والمنع اختبار.
وليس مقدار ما اجتمع لك من الدنيا شهادة مكتوبة بقيمتك عند الله.
وليس مقدار ما تأخر عنك منها وثيقة إهانة.
فمن أين جاءت الفكرة التي تقول:
حصل غيري على الزواج…
إذن فيه شيء أجمل مني.
وصل غيري إلى العمل…
إذن هو أنجح مني كإنسان.
أُعطي غيري الولد…
إذن حياته أكمل من حياتي.
اختاروا غيري…
إذن أنا أقل.
﴿كَلَّا﴾
ليس هكذا تُقرأ الأقدار.
بعض الأمنيات لا نطلبها وحدها… بل نطلب منها شهادة
وهنا موضع بالغ الدقة.
ربما أنت لا تريد الزواج فقط.
بل تريد من الزواج أن يقول لك:
أنت مرغوب.
ولا تريد الوظيفة فقط.
بل تريد منها أن تقول:
أنت ناجح.
ولا تريد قبول الناس فقط.
بل تريد أن يقول لك قبولهم:
أنت كافٍ.
ولا تريد بقاء ذلك الشخص في حياتك فقط.
بل تريد من بقائه شهادة تقول:
أنت جدير بأن تُحب.
ولا تريد النجاح فقط.
بل تريد أن تستخدمه دليلًا على أنك لست أقل من أحد.
وهنا تصبح الأمنية أثقل من حجمها الحقيقي.
لأنها لم تعد نعمة تتمناها.
صارت محكمة.
إن جاءت… ارتفعت صورتك في عينيك.
وإن تأخرت… انهارت.
وهذا تحميل لها بما لا تحتمل.
فالزواج نعمة عظيمة.
لكنه لا يملك أن يحدد معنى وجودك كله.
والولد نعمة عظيمة.
لكنه ليس شهادة تمنح الإنسان قيمته.
والعمل مهم.
والنجاح محبوب.
والقبول يؤنس النفس.
لكن لا وظيفة في الدنيا تستطيع أن تخبرك بكل ما أنت عليه.
ولا إنسان يستطيع بقبوله أو رفضه أن يختصر حقيقتك كلها.
لا تعطِ شيئًا من الدنيا سلطة لم يعطها الله له.
ومقياس الكرامة عند الله ليس جدول إنجازاتك
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فتأمل أين وُضع الميزان.
لم يقل:
أسرعكم زواجًا.
ولا أكثرَكم مالًا.
ولا أسبقكم إلى المناصب.
ولا أكثرَكم قبولًا عند الناس.
ولا أسبقكم إلى الصورة التي يسميها المجتمع نجاحًا.
فالإنسان قد يسبقك في شيء من الدنيا… ولا يعني أنه سبقك عند الله.
وقد تتأخر عنه في باب… ولا يعني أنك تأخرت في كل شيء.
قد يملك ما تتمنى.
وأنت تحمل من الصدق مع الله شيئًا لا يعرفه أحد.
قد يكون عندك بلاء لا يراه الناس.
وصبر لا يصفق له أحد.
ومجاهدة بينك وبين الله لا تظهر في صورة.
ودمعة في سجدة لا يعلم قدرها إلا هو.
وتوبة قاومت بها نفسك سنوات.
وبر خفي.
وصدقة نسيها الناس ولم ينساها الله.
فكيف تختصر كل هذا… لأن بابًا واحدًا لم يفتح؟
لا تجعل جدول الدنيا يبتلع ميزان الآخرة.
ولا تجعل الساعة الاجتماعية أعلى صوتًا في قلبك من ميزان الله.
وربما أكثر ما أتعبك أنك تعيش على جدول لم يكتبه الله لك
في عمر معين… ينبغي أن تكون قد تزوجت.
وفي عمر آخر… ينبغي أن تكون أنجبت.
وفي هذه المرحلة… كان ينبغي أن يكون راتبك هكذا.
وبيتك هكذا.
وعملك هكذا.
وحياتك استقرت هكذا.
هكذا يقول الناس.
وهكذا توحي الصور.
وهكذا تصنع المقارنات اليومية.
ثم تنظر إلى عمرك… وإلى ما لم يحدث… ويخرج الحكم:
لقد تأخرت.
لكن:
تأخرت عن ماذا؟
وعن جدول من؟
ومن قال إن أعمار البشر كلها ينبغي أن تسير بالترتيب نفسه؟
قد يبلغ إنسان شيئًا في الخامسة والعشرين.
ويبلغه آخر في الخامسة والثلاثين.
وقد يأتي ثالث بطريق مختلف تمامًا.
وقد لا يُكتب لإنسان شيء ظل يتمناه… ويفتح الله له أبوابًا أخرى من الخير لم تكن في حسابه.
الحياة ليست سباقًا يقف فيه الجميع عند خط واحد ثم ينطلقون إلى الغايات نفسها.
لكل إنسان قدره.
وامتحانه.
وأسبابه.
وأوقاته.
وأبوابه التي تفتح.
وأبوابه التي لا تفتح.
فلا تجعل الساعة التي صنعها الناس معلقة فوق رأسك… ثم تعاقب نفسك كلما اختلف توقيت حياتك عن توقيتهم.
تأخرك عن توقع الناس لا يعني أنك تأخرت عن قدر الله.
وأحيانًا تنقذك كلمتان: «إلى الآن»
تأمل الفرق.
بين:
أنا لم أتزوج.
وبين:
لم أتزوج إلى الآن.
وبين:
أنا فاشل.
وبين:
لم أنجح في هذه المحاولة.
وبين:
أنا غير مرغوب.
وبين:
هذه العلاقة لم تستمر.
وبين:
أنا لا أصلح.
وبين:
هذه التجربة لم تنجح بالصورة التي أردتها.
ليس هذا تلاعبًا بالألفاظ.
بل عدل في الحكم.
لأن النفس حين تتألم تحب الكلمات المطلقة:
دائمًا.
أبدًا.
لا أحد.
لن يحدث.
أنا هكذا.
حياتي هكذا.
لكن الحدث غالبًا أصغر بكثير من الحكم الذي تصدره.
ربما عندك تجربة فشلت.
لا حياة فاشلة.
وربما انتهت علاقة.
لا قدرتك على أن تُحِبَّ وتُحَبَّ.
وربما أُغلق باب.
لا أبواب الدنيا كلها.
فلا توسّع الحدث حتى يبتلع حياتك.
نعم… قد يكون فيك شيء يحتاج إلى إصلاح
ولا نحتاج حتى نرحم أنفسنا أن نكذب عليها.
ربما عندك مهارة ضعيفة.
أو قرار تكرر خطؤه.
أو طبع يضر علاقاتك.
أو تقصير في سبب.
أو طريقة تعامل تحتاج إلى مراجعة.
أو ذنب يحتاج إلى توبة.
راجع.
وتعلم.
وتب.
وأصلح.
لكن انتبه إلى الفرق بين جملتين:
هناك شيء فيَّ يحتاج إلى إصلاح.
و:
أنا معيب.
وبين:
أخفقت في هذا.
و:
أنا فشل.
وبين:
عندي صفة تحتاج إلى تغيير.
و:
لا أستحق الخير إلا إذا أصبحت إنسانًا آخر.
الإصلاح شيء.
واحتقار النفس شيء آخر.
والمحاسبة عبادة.
أما تحويل كل خطأ إلى دليل على أنك لا تستحق خيرًا، فليس محاسبة.
أنت لا تحتاج إلى كراهية نفسك حتى تصبح أفضل.
تحتاج إلى الصدق.
وإلى التوبة.
وإلى أن ترى العيب بحجمه… لا أن تجعل العيب هو كل ما تراه.
ورفض شخص لك ليس حكمًا على صلاحيتك للحب
هذه من أكثر المواضع التي يتحول فيها الألم إلى حكم على الذات.
لأنك حين تحب إنسانًا ثم يختارك… قد تشعر أن اختياره لم يكن لك فقط.
بل كان تصديقًا على قيمتك.
ثم إذا رحل… كأن التصديق سُحب منك.
فتقول:
ما الذي كان ينقصني؟
لماذا لم أكن كافيًا؟
كيف استطاع أن يتركني؟
ألم أكن جديرًا بأن يبقى؟
لكن اختيار إنسان لك أو عدم اختياره لا يصدر عن معرفة كاملة بك.
تحكمه أشياء كثيرة.
طبعه.
ورغباته.
وظروفه.
وتصوره للحياة.
ومقدار نضجه.
وما يريده.
ومقدار التوافق بينكما.
وقد تكون أخطأت أنت.
وقد يكون أخطأ هو.
وقد لا يكون أحد منكما شريرًا أصلًا… لكن لم يُكتب للطريق أن يستمر.
فكيف تجعل قرار إنسان محدود العلم… حكمًا نهائيًا عليك؟
من أحبك لم يخلق قيمتك.
ومن رحل لا يملك أن يمحوها.
قد يأخذ معه شيئًا كنت تتمناه.
لكن:
لا تدعه يأخذ معه صورتك عن نفسك.
وعدم حصولك على شيء لا يعني أنك «لا تستحق الخير»
كلمة «الاستحقاق» نفسها قد تربك الإنسان.
تقول:
دعوت.
واجتهدت.
وحاولت.
وصبرت.
فلماذا لم يحدث؟
ثم بعد طول التعب ينقلب السؤال:
ربما لأنني لا أستحق.
لكن أقدار الله ليست جدول مكافآت دنيويًا بسيطًا:
الصالح يأخذ كل ما يريد.
والمقصر يُحرم مما يريد.
لو كانت الدنيا كذلك… لما ابتُلي الأنبياء.
ولما وُسِّع على أناس وهم يعصون الله.
الدنيا ليست دار الجزاء النهائي.
قد يفوتك شيء وأنت من أهل الخير.
وقد تحصل على أشياء كثيرة وأنت أحوج ما تكون إلى التوبة.
فلا تجعل النتيجة تقريرًا أخلاقيًا عن نفسك.
لم يحدث ما أردت؟
هذا يؤلم.
لكن لا تضف إليه:
إذن أنا سيئ.
إذن أنا أقل.
إذن لا أستحق الخير.
فأنت مرة أخرى تطلب من الواقعة أن تقول أكثر مما تعرف.
والأشد خطرًا أن تجعل الأمنية مقياس محبة الله لك
بعد مدة من التأخر… قد يتجاوز الأمر نظرتك إلى نفسك.
وتقول:
وهنا ينبغي أن يتوقف القلب.
من أين جاءك هذا العلم؟
من زواج لم يقع؟
من وظيفة تأخرت؟
من مرض طال؟
من شخص غادر؟
هل جعل الله هذه الأشياء مقياسًا مجردًا لمحبة عباده؟
لو كان المنع الدنيوي دليل بغض… فكيف نفسر ابتلاء أحب خلق الله إليه؟
ولو كانت السعة الدنيوية وحدها دليل محبة… فماذا نقول عمن فُتحت لهم الدنيا وهم معرضون عنه؟
فلا تجعل ما يجري لك في باب واحد… ترجمة كاملة لعلاقتك بالله.
نحن لا نعلم مراد الله التفصيلي من كل قدر.
لكننا نعلم أن الدنيا دار ابتلاء.
وأن العطاء والمنع كلاهما امتحان.
فلا تقرأ مقامك عند الله من أمنية واحدة.
ربما لم تتأخر حياتك… وإنما تأخر شيء فيها
أحيانًا تقول:
حياتي متوقفة.
لكن دقق قليلًا.
هل توقفت حياتك فعلًا؟
أم أن بابًا واحدًا فيها هو الذي لم يفتح؟
نعم.
وهذا موجع.
لكن هل توقفت قدرتك على العبادة؟
والتعلم؟
والعمل؟
وبر أهلك؟
وصناعة أثر؟
وصحبة من تحب؟
والنمو؟
تأخر الولد.
وهذا وجع لا يستهان به.
لكن هل يعني أن كل معنى في الحياة اختفى؟
تأخرت الوظيفة التي تريد.
فهل صار عمرك كله فراغًا؟
لا نقلل من الأمنيات الكبيرة.
فبعضها يمس القلب في موضع لا يعوضه كلام.
لكن مهما عظمت الأمنية… ليست أنت كله.
لا تجعل الجزء الذي يؤلمك يبتلع الأجزاء التي ما زالت حية.
ولا تجعل الغصن الخالي يقنعك أن الحديقة كلها ماتت.
انتبه إلى اللغة التي تستخدمها حين تتحدث عن نفسك
إذا قلت كل يوم:
أنا فاشل.
أنا غير مرغوب.
أنا أقل.
أنا متأخر.
أنا محروم.
فمع الوقت لا تبقى هذه الكلمات مجرد تعبير عن الألم.
تصبح بيتًا تسكنه.
ولذلك تحتاج إلى لغة أصدق.
لا أجمل فقط.
أصدق.
قل:
أنا متألم.
ولا تقل:
أنا بلا قيمة.
قل:
هذه التجربة لم تنجح.
ولا تقل:
أنا فاشل.
قل:
تأخر عني شيء أحبه.
ولا تقل:
أنا متأخر عن الحياة.
قل:
هذا الشخص لم يختر الاستمرار معي.
ولا تقل:
لا أحد يمكن أن يحبني.
قل:
هناك جانب من حياتي لم يكتمل كما أتمنى.
ولا تقل:
أنا ناقص.
هذه ليست حيلة نفسية.
إنها عدالة.
كما أنك لا يجوز لك أن تمدح نفسك بما ليس فيها… لا تذمها أيضًا بما لم يثبت عليها.
واسأل أحيانًا: من وضع الميزان أصلًا؟
من قال إن المتزوج أكمل إنسانيًا من غير المتزوج؟
وإن صاحب الأولاد أعلى قدرًا ممن لم يُرزقهم؟
وإن صاحب الوظيفة اللامعة أفضل ممن يعمل في شيء متواضع؟
وإن الذي وصل أسرع صار أعظم ممن تأخر؟
هناك فروق حقيقية بين الناس في النعم.
لكن الفرق بين النعم لا يعني الفرق نفسه في قيمة الإنسان أو كرامته عند الله.
قد ترى شخصًا يملك ما ظللت تدعو به سنوات.
وتظن أن حياته اكتملت.
وأنت لا تعرف شيئًا عن أبوابه الأخرى.
وربما هو نفسه ينظر إلى نعمة عندك ويقول:
ليت عندي منها شيء.
لكن حتى هذه المقارنة لا تحتاجها كي تطمئن.
فأنت لا تحتاج أن تكون حياة غيرك ناقصة حتى تحتمل حياتك.
ولا تحتاج أن تنتقص من نعمته حتى تحفظ نفسك.
يكفي أن تعرف:
نعمته لا تصدر حكمًا عليك.
وإذا كان فيك نقص… فأنت لست استثناءً
نعم.
فيك نقص.
وفيَّ.
وفي كل إنسان.
فيك ضعف.
وأخطاء.
ومواضع تحتاج إلى التوبة والإصلاح.
لكن الآخرين الذين تنظر إليهم ليسوا بشرًا مكتملين وأنت وحدك المعيب.
كلنا عبيد ناقصون.
ولو كان الكمال شرطًا للرحمة والعطاء… لما استحق أحد شيئًا.
فلا تجعل نقصك البشري تفسيرًا جاهزًا لكل باب أُغلق.
ولا تنظر إلى نعمة إنسان آخر ثم تتخيله قد أخذها لأنه بلا عيب… وأنك مُنعت منها لأنك وحدك الذي فيك العيب.
الأقدار أعقد من هذا.
والله أعلم بعباده.
افصل بين: «أريد هذا» و«أحتاجه حتى أحترم نفسي»
هذه من أهم المسافات التي ينبغي أن تحفظها.
قل:
أريد الزواج.
وأدعوه الله.
وأتألم لتأخره.
لكن لا تقل:
لن تكون لي قيمة حتى أتزوج.
قل:
أريد النجاح في عملي.
لكن لا تقل:
لن أحترم نفسي حتى أصبح ناجحًا أمام الناس.
قل:
أشتاق إلى الولد.
وابكِ إن آلمك تأخره.
لكن لا تجعل معنى حياتك كله متوقفًا على شيء لم يُكتب بعد.
قل:
أتمنى أن يحبني هذا الإنسان.
لكن لا تقل:
لن أصدق أنني جدير بالمحبة إلا إذا اختارني هو.
هذا لا يقتل الأمنية.
ولا يطالبك بالزهد فيما تحب.
بل يعيد كل شيء إلى موضعه.
تبقى الأمنية غالية.
وتبقى مطلوبة.
وقد يبقى تأخرها موجعًا.
لكنها تنزل عن عرش هويتك.
أنت أكبر من الشيء الذي تأخر عنك
وليس معنى ذلك أنك مكتفٍ بنفسك عن الله.
ولا أن الحل هو أن تردد كلامًا عن «حب الذات» حتى تنسى حاجتك إلى ربك.
بل المعنى أعمق.
الله لم يخلقك لتُختصر في نعمة واحدة.
أنت عبد لله قبل أن تكون زوجًا أو زوجة.
وقبل أن تكون أبًا أو أمًا.
وقبل أن تصبح موظفًا أو مديرًا أو ناجحًا في أعين الناس.
وقبل أن يختارك أحد.
وقبل أن يتركك أحد.
وقبل أن يصفق لك الناس.
وقبل أن يتجاوزوك.
هويتك الأولى:
أنك عبد لله.
تعرفه.
وتعبده.
وتتوب إليه.
وتسعى.
وتنفع.
وتحسن.
وتعيش ما كتب لك من أيام في عبوديته.
ثم تأتي نعم الدنيا في مواضعها.
عظيمة.
ومحبوبة.
ومؤثرة.
ونحن نسأل الله إياها.
لكنها ليست الأصل الذي يقوم عليه معنى وجودك.
فإذا عاد السؤال: «ماذا فيَّ حتى لم يحدث؟»
لا تسكت السؤال بكلام جميل.
ولا تعاقب نفسك به أيضًا.
قل:
ربما فيَّ أشياء تحتاج إلى إصلاح.
وسأصلح منها ما أستطيع.
وربما قصرت في سبب.
وسآخذ به.
وربما أخطأت.
وسأتعلم.
وربما بذلت ما أستطيع ولم يُكتب الأمر.
وربما لم يأت وقته.
وربما لن يكون لي بهذه الصورة أصلًا.
وربما وراء الأمر من القدر ما لا أعلمه.
لكن هناك قفزة واحدة لن أسمح لنفسي بها:
لن أقول إن عدم حصولي على هذه الأمنية يعني أنني أقل قيمة.
لأنني لا أملك هذا الدليل.
والله لم يجعل هذا ميزانه.
وإذا رأيت الناس يصلون إلى ما ظللت تتمناه…
وشعرت للحظة أنك بقيت خلف الجميع… فلا تدع تلك اللحظة تعيد تسمية نفسك.
لا تقل:
أنا المتأخر.
أنا الفاشل.
أنا غير المرغوب.
أنا الأقل.
قل:
هذا باب تأخر عني.
فقط.
دعه يبقى بابًا.
لا تجعله مرآة.
ولا محكمة.
ولا شهادة هوية.
ولا حكمًا نهائيًا على حياتك.
ثم تذكر الإنسان الذي قال حين ضُيّق عليه:
﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾
فجاء الجواب:
﴿كَلَّا﴾
لا.
ليس كل تضييق إهانة.
وليس كل عطاء شهادة كرامة.
وليس كل تأخر نقصًا فيك.
وليس كل من سبقك أفضل منك.
وليس كل من لم يخترك قد عرف قدرك كله.
ولا كل باب أُغلق يستطيع أن يخبرك من أنت.
فإن عاد قلبك يسأل:
فأين أضع ميزاني إذن؟
فابدأ من حيث وضعه الله:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
ثم اعمل.
وأصلح.
وتب.
واسعَ.
وادعُ.
وتمنَّ.
وابكِ على ما يؤلمك إن احتجت.
فالإيمان لا يطالبك أن تتظاهر بأن الأمنية لا تعني لك شيئًا.
لكن لا تسلّم مفتاح صورتك عن نفسك لشيء من الدنيا.
يا رب…
إن تأخر عنّا ما نحب، فلا تجعل تأخره يحجبنا عنك.
وإن أُغلق باب، فلا تجعلنا نفتح به بابًا لاحتقار أنفسنا.
وإن سبقنا الناس إلى شيء تمنيناه، فلا تجعلنا نفسر اختلاف أقدارنا بأنه اختلاف في كرامتنا عندك.
وإن كان فينا نقص يحتاج إلى إصلاح، فأرنا إياه، وأعنّا على إصلاحه، ولا تجعل محاسبتنا لأنفسنا تتحول إلى ظلم لها.
واجعلنا نقول:
تألمت…
دون أن نقول:
أُهنت.
وأخفقت في شيء…
دون أن نقول:
أنا فاشل.
وتأخر عني ما أحب…
دون أن أقول:
أنا أقل.
وأُغلق في وجهي باب…
دون أن أجعل الباب المغلق مرآة أرى فيها نفسي كلها.
فالأمنية التي تأخرت… قد تخبرني عن باب لم يفتح.
وعن ظرف.
وعن سبب.
وعن توقيت.
وعن قدر لا أعلم سره.
لكنها لا تملك وحدها أن تخبرني من أنا.
فالحدث يخبرك عن الحدث… لا عن قيمتك كلها.
والباب الذي لم يفتح لك يخبرك عن باب… لا عن قيمتك أنت.
فلا تجعل أمنية تأخرت…
تصدر في حقك حكمًا لم يأذن الله لها أن تصدره.