لا تحتاج أن تفهم الحكمة حتى تطمئن: معرفة الله قبل التفسير

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
كتاب مفتوح بصفحاته البيضاء على طاولة خشبية، وخلفه كتب أخرى خارج التركيز؛ صورة ترمز إلى رؤية صفحة واحدة من الطريق دون معرفة بقيته.

نحن نحاول كثيرًا أن نهدئ قلوبنا بهذه الجملة: سيأتي يوم وتفهم لماذا حدث هذا. قد تفهم لماذا أُغلق ذلك الباب، وقد تعرف بعد سنوات لماذا لم يتم الأمر الذي دعوت الله به طويلًا، وقد ترى خيرًا خرج من شيء كنت تظنه يومًا خسارة خالصة.

لكن ماذا لو لم تفهم؟ ماذا لو مرّت السنوات وبقي السؤال بلا جواب؟ ماذا لو لم تر الصورة الكاملة في الدنيا أصلًا؟ هل يعني هذا أن قلبك سيبقى معلّقًا إلى أن تظهر له الحكمة؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

معرفة الله قبل فهم الحكمة

هنا توجد منزلة أعمق من أن تفهم: أن تعرف مَن الذي قدّر. أحيانًا لا يحتاج قلبك إلى تفسير القدر، بل إلى أن يتذكر مَن قدّره.

أنت لا تتعامل مع أحداث خرجت من يد عمياء، ولا مع حياة انفلتت من علم الله، ولا مع مستقبل يديره من لا يعرف ضعفك ولا حاجتك ولا ما يصلحك. الذي قدّر هو الله؛ الله الذي يعلم ما كان وما يكون، وما تراه وما لا تراه.

يعلم الباب الذي تبكي لأنه أُغلق، ويعلم ما وراءه. يعلم الشيء الذي تتعلق به، ويعلم أثره عليك لو جاء. ويعلم التوقيت الذي تستعجله، وما لا تعلمه عن نفسك وعن الناس وعن الغد.

ولهذا فطمأنينة المؤمن لا ينبغي أن تبقى رهينة أن يُشرح له كل شيء.

﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ سورة البقرة، الآية ٢١٦

تأمل ختام الآية. لم يقل: وسيأتي يوم فتعلمون كل شيء. قال: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. وكأن في هذا وحده كفاية للقلب: الله يعلم، وأنت لا تعلم.

ولا مشكلة في أن تبقى بعض صفحات حياتك غير مفهومة لك، ما دمت تعرف أن الذي كتبها لم يغب عنه شيء.

طمأنينة لا تنتظر شرح القدر

نحن أحيانًا نريد أن نطمئن إلى الله، لكننا نضع شرطًا خفيًا لهذه الطمأنينة: يا رب، سأطمئن عندما أفهم لماذا فعلت هذا.

فإذا ظهر لنا بعد سنوات أن الباب المغلق كان حماية، قلنا: الآن فهمت. وإذا اكتشفنا أن التأخير قاد إلى خير آخر، قلنا: الآن ارتاح قلبي. وهذا جميل، لكن هناك إيمانًا أعمق: أن يسكن قلبك قبل أن تعرف.

أن تقول:

يا رب، لا أعرف لماذا جرى الأمر بهذه الصورة، لكنني أعرفك.
لا أعرف لماذا تأخر ما دعوت به.
لا أعرف لماذا سقط الطريق الذي ظننته نجاتي.
لا أعرف لماذا جاء اختيارك مخالفًا لما رجوت.
لكنني أعرف أنك أنت الله.

وهذه المعرفة أكبر من معرفتي بسبب واحد من أسباب القدر. فإن لم تطمئن إلا بعدما ظهرت لك الحكمة، فقد اطمأن قلبك إلى التفسير. أما إذا استطعت أن تسكن والحكمة ما تزال غائبة عنك، فقد بدأ قلبك يتعلم الطمأنينة إلى الله نفسه.

حين تأتي النتيجة على غير ما أردت

دعوت الله بشيء تحبه، ورجوته طويلًا، ورسمت في قلبك كيف ستكون الحياة إذا تحقق. ثم جاءت النتيجة على غير ما أردت. وهنا يبدأ السؤال المؤلم: لماذا يا رب؟

وليس في السؤال وحده عيب؛ فقد يتساءل الإنسان لأنه يتألم ويريد أن يفهم. لكن الخطر أن يتحول السؤال من طلب للفهم إلى شرط للرضا: لن أهدأ حتى أعرف لماذا، ولن أحسن الظن حتى أرى الخير بعيني، ولن أطمئن حتى تثبت لي الأيام أن ما حدث كان أفضل.

وهنا يحتاج القلب إلى أن يعود إلى أصل القضية: ما الذي تغيّر في الله حين جاءت النتيجة على خلاف ما أحببت؟ هل نقص علمه؟ هل غابت عنه حاجتك؟ هل توقفت رحمته؟ هل انقلب كرمه؟ هل خرج شيء من تدبيره؟

لا.

إذن لماذا تجعل اختلاف النتيجة عن رغبتك سببًا لاختلاف ظنك بربك؟ كنت تقول إن الله حكيم حين فتحت لك الأبواب؛ فهل صار أقل حكمة حين أغلق بابًا؟ كنت ترى رحمته حين أعطاك؛ فهل الرحمة لا تكون إلا في الصورة التي تختارها أنت؟ كنت تقول: الحمد لله حين جاء الأمر كما أردت؛ فهل ينتهي الحمد عندما يختلف اختيار الله عن اختيارك؟

أن تدعو وتبقى عارفًا أن الله أعلم

من أجمل ما يمكن أن يتعلمه العبد أن يقول:

يا رب، أنا لا أعبدك لأن كل أقدارك توافق رغبتي، وإنما أعبدك لأنك ربي.

وهذه كلمة ثقيلة جدًا على النفس؛ لأن النفس تريد أن يكون رضاها عن تدبير الله مرتبطًا بمدى قربه من خطتها.

تدعو، ثم تتخيل شكل الإجابة. تسأل الرزق، ثم تختار الباب الذي يجب أن يأتي منه. تطلب الفرج، ثم تحدد موعده. تطلب الخير، ثم ترسم صورته. ثم إذا جاء تدبير الله بطريقة أخرى اضطرب القلب، كأن الله كان مطالبًا أن يسير داخل الخريطة التي رسمها العبد.

لكن العبودية ليست أن تقول لله: اختر لي، ثم لا ترضى إلا إذا اختار ما اخترته أنت. العبودية أن تدعو بما تريد، وتسعى بما تستطيع، وتتمنى من أعماقك، ثم يبقى في قلبك موضع يقول:

وأنت يا رب أعلم.

هذا الموضع الصغير في القلب هو الذي يحميك حين تنهار الخطة كلها.

الحمد مع بقاء الألم والدعاء

ولهذا فهناك نوع من الحمد لا نقوله كثيرًا:

الحمد لله أن حياتي لم تُترك لي وحدي.
الحمد لله أن رغبتي ليست هي الحاكم الأخير على مستقبلي.
الحمد لله أنني أطلب، لكن الله يختار.
الحمد لله أنني أرى اللحظة، وهو يعلم امتداد العمر.
الحمد لله أنني قد أتعلق بشيء بكل قلبي، ومع ذلك لا يستطيع تعلقي أن ينتزعني من تدبير ربي.

وهذا الحمد لا يعني أنك سعيد بالألم، ولا يعني أنك لا تتمنى زوال البلاء، ولا يعني أن تتوقف عن الدعاء، ولا أن يصبح الألم جميلًا، ولا أن تحب كل ما وقع لك. قد تبكي، وتدعو، وتتمنى، وتسعى، وتقول من أعماقك: يا رب فرّج عني. لكن تحت كل ذلك يبقى شيء أعمق:

يا رب، وإن لم أفهم، فأنا لا أتهمك.

وهذه منزلة عظيمة: أن تتألم ولا تسيء الظن، وأن تحزن ولا تنقطع عن الله، وألا تجعل جهلك بالحكمة دليلًا على غيابها.

قد لا تظهر الحكمة في الدنيا

وقد يفتح الله لك بعد سنوات باب الفهم، فتنظر إلى الوراء وتقول: الآن فهمت. وقد لا يفتح لك، وقد تبقى بعض الأشياء في حياتك أسرارًا لا تعرف لماذا جاءت، ولا لماذا تأخرت، ولا لماذا انتهت بالطريقة التي انتهت بها. ولا بأس.

ليس مطلوبًا منك أن تحيط بحكمة الله حتى تثق بالله. يكفيك أن تعرف أنه سبحانه العليم الحكيم.

﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ سورة الأنبياء، الآية ٢٣

ليس لأن أفعاله سبحانه مجردة عن الحكمة، حاشاه، بل لكمال ملكه وحكمته وعلمه، ولأن عقل الإنسان المحدود ليس ميزانًا يُحاكم به تدبير رب العالمين.

وأنت ترى صفحة، والله يعلم الكتاب كله. أنت تعيش اللحظة، والله يعلم ما قبلها وما بعدها. أنت ترى ما فقدت، والله يعلم ما صرف، وما أبقى، وما سيأتي، وما كان سيحدث لو جرت الأمور بالصورة التي كنت تريدها.

اسأل: من الذي قدّر؟

لذلك، حين يشتد عليك شيء لا تفهمه، لا ترهق قلبك دائمًا بالسؤال: أين الحكمة؟ اسأل أحيانًا سؤالًا آخر:

من الذي قدّر؟

فإذا كان الجواب: الله، فتذكر من هو الله: ربك، العليم بك، الرحيم بك، الحكيم الذي لا يعبث، الكريم الذي لا تنفد خزائنه، الذي لا يغيب عنه دعاؤك، ولا دمعتك، ولا خوفك، ولا تلك الليالي التي ظللت فيها تنتظر.

عندها قد لا يصبح الألم لذيذًا، وقد لا تختفي الحيرة كلها، لكن شيئًا في الداخل يتغير: لم تعد تحتاج أن تفهم كل شيء حتى تثق.

وهذه من أعمق صور السكينة. أن تقول:

يا رب، أنا ما زلت أتمنى ما دعوتك به، وما زلت أتألم مما حدث، وما زلت لا أفهم لماذا جرت الأمور هكذا، لكن يكفيني أنك أنت الذي قدّرت.
فأنا لا أعرف الغيب، وأنت تعلم. ولا أعرف النهاية، وأنت تعلم. ولا أعرف أي الأبواب خير لي، وأنت تعلم.
ولهذا سأدعوك بما أحب، وأسعى فيما أستطيع، وأرجوك حتى آخر الطريق. ثم إذا جاء اختيارك مخالفًا لاختياري، فلن أجعل اختلاف الطريق سببًا لأن يتغير ظني بك.

فأحيانًا لا يحتاج قلبك إلى تفسير القدر، بل إلى تذكّر مَن قدّره.

وقد لا تعرف لماذا، وقد لا تعرف متى، وقد لا ترى الحكمة في هذه الدنيا أصلًا. لكن يبقى أمامك يقين واحد يكفي قلب المؤمن:

أن الذي اختار لك هو الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0