كيف أرضى وأنا ما زلت أتمنى؟ الرضا لا يعني قتل الأمنية

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🕊️ أن ترضى… دون أن تكذب على قلبك

هناك نوع من الصراع لا يحدث لأنك ترفض الله، بل لأنك لا تعرف ماذا تفعل بشيء ما زلت تريده بشدة.

كيف أرضى وأنا ما زلت أتمنى؟

دعوتَ لأمر، وتعلّق به قلبك، وبنيت عليه أمنيات كثيرة. ثم جرى الحاضر على غير ما كنت تريد. فتقول لنفسك: ينبغي أن أرضى. ثم تنظر إلى قلبك فتجده ما زال يتمنى.

وهنا يبدأ الاتهام الداخلي: لعل رضاي ناقص. لعل التسليم الحقيقي يعني ألا أريد شيئًا آخر. لعل عليّ أن أطفئ الأمنية حتى أكون عبدًا راضيًا. فتحاول أن تنتزع الرغبة من صدرك بالقوة، لا لأنها محرمة، بل لأنك تخشى أن يكون بقاؤها خصومة مع الله.

طريق يتفرع بين باب مضيء ومسار يغيب في الضباب مع فانوس عند المفترق، تعبيرًا عن الرضا مع بقاء الأمنية.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الرضا لا يقتل الرغبة

لكن القرآن يضع أمامك صورة أدق بكثير.

قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59].

تأمل اجتماع المعنيين في آية واحدة:

﴿رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾
ثم:
﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
ثم:
﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.

رضا… ورغبة. قبول لما في اليد الآن… وتطلع إلى فضل الله فيما بعد. لم يقل الرضا: لم نعد نريد شيئًا. ولم تقل الرغبة: لن نرضى حتى نحصل على ما نريد.

وهنا يظهر أحد أدق الفروق التي يحتاجها القلب حين يخالف الواقع أمنيته:

الرضا لا يقتل الرغبة؛ بل يمنع الرغبة من أن تتحول إلى خصومة.

قد تتمنى أمرًا بكل قلبك، وتسأل الله إياه، وتأخذ بأسبابه المشروعة، وتحزن إن فاتك، ثم يبقى في داخلك معنى أعمق يقول:

يا رب، هذه رغبتي… لكنها ليست الميزان الذي أقيس به فضلك عليّ.

متى تتحول الأمنية إلى حكم؟

وهذا هو الموضع الذي يختلط فيه الأمر على النفس. فالرغبة في أصلها ليست المشكلة. المشكلة تبدأ حين تتسلل إليها سلطة لم تُعطَ لها. حين لا يعود القلب يقول: «أتمنى هذا»، بل يبدأ في داخله معنى آخر:

«لا ينبغي أن تكون حياتي إلا هكذا».
«لا أستطيع أن أتصور الخير إلا في هذا».
«إن لم يقع هذا، فماذا بقي من كل ما دعوت؟»

هنا انتقلت الأمنية من شيء ترجوه… إلى حكم تصدره على ما ينبغي أن يقع. وهذا الانتقال دقيق جدًا.

لأنك قد تظل تدعو، وتصلي، وتقول إن الأمر لله، بينما يكون قلبك قد رسم في الخفاء صورة واحدة للخير، ثم صار يراقب القدر من خلالها. فإن اقترب الواقع منها اطمأن. وإن ابتعد عنها اضطرب معنى الله في قلبه، لا مجرد خطته. وهنا لا يعود الألم ألم فقد المطلوب وحده؛ بل يصبح امتحانًا لطريقة قراءتك لعلاقتك بالله.

هل فضل الله عندك أوسع من الصورة التي تمنيتها؟
أم أن الأمنية، من حيث لا تشعر، أصبحت هي المترجم الوحيد لكلمة «الخير»؟

قد يكون من أصعب أعمال القلب أن تقول بصدق:

أنا ما زلت أريد.
وما زلت أدعو.
وربما ما زلت أتألم.
لكنني لن أجعل شدة رغبتي حجة على الله، ولن أجعل عدم حصولي عليها تفسيرًا لمكانتي عنده، ولن أحوّل جهلي بالغيب إلى حكم على فضله.

هذا ليس برودًا. وليس قتلًا للأمل. إنه إعادة الأمنية إلى حجمها الصحيح. أمنية عزيزة… لا إلهًا صغيرًا تدور حوله طمأنينتك كلها.

أن يكون الله أكبر من العطاء

ولهذا كان في ختام الآية معنى بالغ الدقة:

﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.

لم يقل: إلى العطاء وحده راغبون. بل أعاد وجهة الرغبة نفسها إلى الله. فقد تريد شيئًا من فضل الله، لكن يبقى الله أكبر في قلبك من الشيء الذي تريده منه.

وهذا فرق هائل. لأن من تعلّق بعطاء بعينه قد يشعر أن علاقته بالله ترتفع وتنخفض بحسب اقترابه منه. أما من كانت رغبته إلى الله، فإنه يسأل، ويرجو، ويسعى، لكنه لا يجعل مطلوبًا واحدًا يختصر له معنى الربوبية كلها.

الرغبة لا تنافس حكم الله

ثم تأتي الآية الأخرى لترسم حدًا آخر لا يجوز للرغبة أن تتجاوزه:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

وهذه الآية في مقام حكم الله ورسوله وأمرهما؛ فإذا ثبت حكم الله ورسوله، لم تعد رغبة الإنسان خيارًا تشريعيًا موازيًا يضعه أمام الوحي ثم ينتقي بينهما.

قد تميل نفسك إلى غيره.
قد يشق عليك الامتثال.
قد تحتاج إلى مجاهدة طويلة.
لكن المؤمن لا يجعل ميله الشخصي مرجعًا أعلى من حكم الله.

وهنا يكتمل المعنى بين الآيتين بصورة عجيبة:

فيما شرعه الله ورسوله: لا تجعل رغبتك منافسًا للوحي.
وفيما تطلبه من فضل الله: لا تجعل رغبتك شرطًا للرضا.

فليست العبودية أن تصبح إنسانًا بلا أمنيات. بل أن تبقى أمنياتك تحت مقام العبودية، لا فوقه. أن تستطيع أن تقول: «أريده» دون أن يتحول ذلك في داخلك إلى «يجب أن يقع». وأن تقول: «يحزنني فقده» دون أن يتحول الحزن إلى «إذن لم يُرَد بي خير». وأن تقول: «سأظل أسأل الله من فضله» دون أن تتحول المسألة إلى عقد خفي: دعوتُ، إذن ينبغي أن تأتي الإجابة بالصورة التي كتبتها.

المسافة بين الرغبة والاستحقاق

هذه المسافة الصغيرة بين الرغبة والاستحقاق قد تكون هي المسافة التي تحفظ القلب. لأن الاستحقاق الخفي يجعل الإنسان يراقب الله من نافذة أمنيته. أما الرغبة إلى الله فتجعله يحمل أمنيته نفسها بين يدي الله. والفرق بينهما يظهر حين لا يحدث ما أردت.

في الأولى، تبدأ محاكمة المعنى كله: لماذا؟ ماذا يعني هذا؟ أين فضل الله؟ هل ذهبت دعواتي؟

وفي الثانية، قد تبكي أيضًا، وقد يشتد عليك الأمر، لكنك تعرف حدّ ما تعلم:

أنا أعرف أنني كنت أريد هذا.
وأعرف أن فقده يؤلمني.
أما الغيب الذي لم يكشفه الله لي، فلن أملأه باتهامات صنعها الوجع.

وهذا من أرحم ما يمكن أن يفعله الإنسان بقلبه. فأنت لست مطالبًا بأن تدّعي أن ما يؤلمك لا يؤلمك. ولا بأن تسمي الحرمان عطاءً وأنت لا تعلم حكمته الخاصة. ولا بأن تجزم أن شيئًا أفضل منه سيأتيك في الدنيا. كل ذلك غيب.

لكن أمامك شيء تستطيع فعله الآن:

ألا تسمح للألم أن يفسر الله لك.

تعرف الله من وحيه وأسمائه وصفاته، لا من نتيجة واحدة كنت تنتظرها. وتقرأ ما وقع على أنه ما وقع، لا على أنه رسالة خفية عن قيمتك عند الله لم يأذن لك الله أن تستخرجها.

أمنيتي عند الله

ثم تبقى راغبًا. تدعو إن بقي الدعاء مشروعًا. تسعى إن بقي السبب مشروعًا. وتحزن إذا كان في القلب حزن.

لكن في أعمق موضع فيك يستقر هذا الترتيب:

أمنيتي عند الله… وليست معرفتي بالله رهينة أمنيتي.

وهنا يصبح قولك: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أعمق من عبارة تقال عند انسداد الأسباب. إنها إعادة ترتيب لمركز القلب. ليس معناها أن كل ما تتمناه سيأتي بالصورة التي تتمناها؛ فالآية لا تعطينا حق كتابة الغيب. ومعناها ليس أنك لا تطلب المزيد؛ ففي الآية نفسها: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ و﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. لكنها تعلم القلب ألا يجعل ما في يد الله أكبر عنده من الله.

فاسأل.
وارغب.
وتمنَّ.

ولا تعاقب نفسك لأن قلبك ما زال يريد أمرًا حلالًا عزيزًا عليه.

إنما راقب الموضع الأدق:

هل ما زالت الأمنية دعاءً في يد عبد…
أم تحولت إلى حكم تريد من الحياة أن تنفذه حتى تطمئن إلى ربك؟

إذا بقيت عبدًا وأنت تريد، فقد تعلمت معنى بالغًا من معاني التسليم:

أن يكون لك مراد…
دون أن تجعل مرادك ربًّا على قلبك.
وأن تبقى إلى الله راغبًا، حتى حين لا تكون يدك ممتلئة بما رغبت فيه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0