هل الحزن ينافي الرضا بقضاء الله؟ كيف يبدأ الرضا قبل السكينة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك لحظة في البلاء لا يكون أصعب ما فيها هو ما أصابك، بل ما يحدث في قلبك بعد أن تصاب. أن تنظر إلى واقع لم تختره، ولا تعرف لماذا وقع، ولا متى ينتهي، ولا كيف ستعيش معه إن طال.

مرض جاء بغير موعد. باب رزق أُغلق وأنت أحوج ما تكون إليه. إنسان فقدته، ولم تكن تتخيل يومًا أنك ستكمل الحياة من دونه. أو أمر دعوت الله طويلًا ألا يحدث، ثم حدث.

فتجد نفسك أمام سؤال لم تكن مستعدًا له:

يا رب، كيف أرضى بشيء كنت أدعوك ألا تكتبه عليّ؟

أنت لا تنكر أن الله حكيم، ولا تشك في أنه أرحم بك من نفسك. لكن هناك مسافة مؤلمة بين أن تعرف هذه الحقيقة بعقلك، وأن يستطيع قلبك أن يسكن إليها وهو يتألم. وقد تكون هذه المسافة أشد ما يتعبك.

فأنت تريد أن ترضى، لكن قلبك لم يهدأ بعد. وتريد أن تسلّم، لكنك كلما نظرت إلى ما حدث شعرت بثقل لا تعرف كيف تتجاوزه.

وربما حاولت أن تقنع نفسك بأن عليك أن تكون أقوى من ذلك: ألا تبكي كثيرًا، وألا تخاف من الغد، وألا تتمنى لو أن الأمور جرت على نحو آخر.

ثم حين تعجز عن منع هذه المشاعر، تبدأ في لوم نفسك. تخشى أن تكون دموعك اعتراضًا، وأن يكون خوفك ضعفًا في اليقين، وأن يكون حزنك دليلًا على أنك لم ترضَ بقضاء الله كما ينبغي.

فتصبح مثقلًا بشيئين: البلاء الذي أصابك، والشعور بالذنب لأنك لم تستطع أن ترضى به.

وربما لا تحتاج في هذه اللحظة إلى من يطالبك بأن تتوقف عن الحزن، بقدر ما تحتاج إلى أن تعرف أن الحزن نفسه ليس دليلًا على فساد إيمانك، وأن الله يعلم ضعفك، ويعلم ما تحمله في صدرك، ولا يخفى عليه شيء من تعبك.

فهل معنى الرضا أن يتحول الألم إلى راحة، وأن تختفي الأسئلة من صدرك، وأن تقول إنك راضٍ بينما قلبك لا يزال يرتجف؟ ليس الأمر كذلك.

طريق صخري مبتل بعد المطر، وضوء فجر هادئ يلامس الأفق بين الغيوم.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

🌧️ الرضا لا يبدأ دائمًا من سكينة تشعر بها

قد تبدأ أول خطوة في طريق الرضا وأنت تبكي. قد تبدأ وأنت خائف من الغد. قد تبدأ وأنت لا تزال تتمنى بكل قلبك أن يتغير ما حدث.

فليس الرضا أن تحب المرض، أو تستطيب الفقد، أو تتوقف عن طلب الفرج. وليس التسليم أن تقنع نفسك بأن ما يؤلمك لا يؤلمك.

وقد يكون أقرب ما تستطيع إليه اليوم أن ترفع قلبك إلى الله وتقول:

يا رب، أنا أتألم، وأنت تعلم. وأخاف، وأنت تعلم. وأتمنى أن يتغير هذا الواقع، وأنت تعلم. ولا أخفي عليك أنني لم أستطع بعد أن أجد السكينة التي أتمناها.

لكنني لا أريد أن يجعلني ألمي أسيء الظن بك. ولا أن يجعلني جهلي بالحكمة أتهم حكمتك. ولا أن يتحول عجزي عن فهم ما حدث إلى خصومة مع قضائك.

يا رب، لم أستطع بعد أن أطمئن إلى ما حدث، لكنني أريد أن أبقى مطمئنًا إليك.

تأمل ما في هذه المناجاة من صدق. أنت لم تدّعِ شعورًا لا تملكه، ولم تُجبر قلبك على ابتسامة لا يستطيعها، ولم تقل إن البلاء جميل لمجرد أنك تؤمن بالله.

بل جئت إلى الله بما في قلبك كما هو: بخوفك ورجائك، بحزنك وأملك، برغبتك في الفرج، ورغبتك في ألا يبعدك البلاء عن ربك.

ولعل هذه بداية الطريق الذي كنت تظن أنك لا تستطيع دخوله حتى يهدأ قلبك: أن تسلّم لله، حتى وأنت تسأله أن يرفع عنك ما أصابك.

🕯️ ربما كنت تنتظر السكينة حتى ترضى… مع أن الطريق قد يبدأ قبل السكينة

حين يطول البلاء، قد يصبح الإنسان شديد الحاجة إلى أن يعرف ما ينتظره. يريد أن يطمئن إلى أن هذا الألم لن يستمر طويلًا، وأن دعاءه لن يبقى معلقًا في انتظاره، وأن الأيام المقبلة تحمل شيئًا يخفف عنه ما يحمله اليوم.

وربما يقول في نفسه:

يا رب، لو عرفت لماذا حدث هذا، لهان عليّ قبوله. ولو عرفت كيف ستكون النهاية، لاستطعت أن أصبر. ولو رأيت شيئًا من العوض، لاطمأن قلبي.

وهذه رغبة مفهومة. فالإنسان حين يتألم يبحث عما يسند قلبه، وليس كل طلب للفهم دليلًا على ضعف الثقة بالله.

لكن قد يحدث أن نربط قدرتنا على التسليم بمعرفة ما لا سبيل لنا إلى معرفته. فنظل ننتظر تفسيرًا كاملًا لما وقع، أو ضمانًا لما سيأتي، حتى نستطيع أن نطمئن.

وهنا يفتح الإيمان أمام القلب بابًا أوسع: أن يتعلم الاستناد إلى علم الله وحكمته، حتى حين لا يعرف هو ما الذي ينتظره.

فقد تمر بك أقدار لا تعرف حكمتها إلى آخر عمرك. وقد تدعو طويلًا، ولا ترى الإجابة بالصورة التي تمنيتها. وقد تفقد شيئًا عزيزًا، ويبقى السؤال عن سبب فقده حاضرًا في نفسك.

وليس معنى ذلك أن عليك أن تمنع نفسك من السؤال أو التفكير، لكن لا تجعل عدم عثورك على الجواب سببًا لحرمان قلبك من الثقة بالله.

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

وقد وردت الآية في سياق القتال، وفي خاتمتها تذكير عظيم بمحدودية علم الإنسان أمام علم الله.

تأمل خاتمة الآية. لم يعدك الله بأنك ستعرف دائمًا الحكمة مما تكره، ولم يعدك بأن كل شيء ستفهم حكمته في الدنيا. بل أعادك إلى الحقيقة التي ينبغي أن يستند إليها قلبك حين تعجز معرفتك:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ولعل في هذه الحقيقة راحة لقلب أنهكه البحث عن تفسير لكل شيء. ليس مطلوبًا منك أن تعرف ما يعلمه الله، ولا أن ترى من الغيب ما حجبه عنك. وإنما أن تأخذ بما تستطيع من الأسباب، وتسأله الهداية والعافية، وتثق بأن علمه لا يحده ما تراه أنت من المشهد.

فقد تعجز عن فهم ما حدث، دون أن يعني ذلك أن ما حدث خارج عن علم الله وحكمته.

🪞 ربما لا تؤلمك المصيبة وحدها… بل الحياة التي لم تحدث

هناك نوع من الحزن قد لا تستطيع تفسيره بسهولة؛ لأنك لا تحزن على ما فقدته وحده، بل على أشياء كثيرة كنت تتخيل أنها ستأتي معه.

ربما كنت ترى نفسك بعد سنوات في بيت معين، أو في عمل تحبه، أو مع إنسان كنت تظن أنه سيبقى حاضرًا في تفاصيل عمرك. ربما كنت قد رتبت أحلامًا صغيرة وكبيرة على أمر واحد، ثم تغير ذلك الأمر.

وفجأة، لم تعد تتألم من الواقع الذي تعيشه فحسب، بل من المستقبل الذي كنت تنتظره ولم يأتِ.

وهذا وجع حقيقي. فليس سهلًا أن يودع الإنسان حلمًا عاش معه طويلًا، حتى لو لم يتحقق يومًا. وليس غريبًا أن يحتاج قلبه إلى وقت حتى يستوعب أن الحياة قد مضت في طريق آخر.

وربما وجدت نفسك، دون أن تشعر، تقارن بين حياتين: الحياة التي كتبها الله لك، والحياة التي كنت تتمنى أن تكون. كلما حاولت أن تعيش يومك، عادت إليك صورة ما كان يمكن أن يحدث.

لو لم أمرض. لو لم أفقد ذلك الإنسان. لو فُتح ذلك الباب. لو جاءت الإجابة كما تمنيت.

ولا يلزم أن يكون تذكرك لهذه الاحتمالات اعتراضًا على الله. فقد يكون حزنًا طبيعيًا على أمر أحببته.

لكن إذا أصبحت الصورة التي لم تتحقق هي المقياس الوحيد الذي تحكم به على حياتك، فقد يزيد ذلك من ألمك، ويجعلك عاجزًا عن رؤية ما بقي أمامك من أبواب.

وليس المطلوب أن تمحو أحلامك، أو أن تتظاهر بأن ما فاتك لم يكن عزيزًا، ولا أن تتوقف عن الدعاء بأن يرزقك الله ما لا يزال ممكنًا من الخير.

ولكن أن ترفق بقلبك وهو يتعلم العيش مع واقع لم يكن مستعدًا له، وأن تتذكر أن ما تمنّيته، مهما أحببته، لم يكن وعدًا من الله بأن يقع كما رسمته.

وأن تعثر طريقك لا يعني أن حياتك فقدت معناها. وأن التسليم لا يقتضي أن تقول إن الصورة التي تمنيتها لم تكن جميلة، بل أن تقر بأنها لم تكن الصورة الوحيدة التي يمكن أن تعيش فيها عبدًا لله، راجيًا رحمته، ساعيًا فيما ينفعك.

فقد لا يكون أصعب ما في الرضا أن تقبل ما حدث، بل أن تتوقف عن محاكمة كل يوم جديد بمقياس يوم قديم لم يأتِ. ولعل قلبك يحتاج إلى وقت حتى يتعلم ذلك.

فلا تستعجله، ولا تتركه أسيرًا لما فات.

🌿 لا تجعل الرضا صفقة مع الفرج

حين يشتد البلاء، قد يتعلق القلب بأي شيء يرجو أن يكون سببًا في انتهائه. فتكثر من الدعاء، وتحاول أن تصبر، وتجاهد نفسك حتى ترضى.

وقد تجد في داخلك أملًا يقول: لعل الله إذا رأى مني الرضا رفع عني ما أصابني.

وليس غريبًا أن ترجو الفرج من الله. ولا حرج أن تسأله أن يعجل لك بالعافية، وأن يفتح لك الأبواب المغلقة، وأن يجبر ما انكسر في قلبك.

لكن ربما يحدث شيء آخر دون أن تنتبه: أن تبدأ في النظر إلى الرضا وكأنه طريق مضمون للحصول على النتيجة التي تنتظرها.

فإذا طال البلاء، وجدت نفسك تسأل بحزن:

يا رب، لقد حاولت أن أرضى، فلماذا لم يتغير شيء؟

وربما تكتشف حينها أنك كنت ترجو من رضاك أن يكون بداية لتغير الواقع.

وهذا شعور يمكن فهمه؛ فالإنسان حين يتألم يتمنى أن يرى أثر صبره في حياته. لكن الله يفتح لنا في عبادة الرضا معنى أوسع من انتظار تغير الظروف: أن نبقى عبيدًا له، راجين فضله، حتى حين لا تأتي الحياة بالصورة التي تمنيناها.

فلا تلم نفسك لمجرد أنك تمنيت أن يعقب صبرك فرج قريب. ولكن لا تجعل استمرار البلاء سببًا للظن بأن صبرك قد ضاع، أو أن دعاءك لم يكن له قدر عند الله.

فالعبادة ليست صفقة نحدد نحن موعد ثمرتها وصورتها. وقد يفتح الله لك بابًا كنت تنتظره، وقد يصرف عنك شرًا لا تعلمه، وقد يرزقك من السكينة ما يعينك على حمل أمر لم يتغير بعد، وقد تبقى بعض الأسئلة بلا جواب تعرفه في هذه الحياة.

ولا يجوز لنا أن نجزم بأن مرضًا معينًا وقع لينجيك من حادث، أو أن فقدًا محددًا وقع ليمنع عنك مصيبة أعظم. هذه احتمالات لا نملك علمها.

لكننا نعلم أن علم الله أوسع من علمنا، وأن حكمته لا تتوقف على قدرتنا على اكتشافها. فلا تجعل إيمانك بحكمة الله رهينًا بأن تنجح في تفسير كل ما أصابك.

💔 «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»… ولكن ماذا لو ضعفت؟

قال النبي ﷺ:

«إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى».

متفق عليه.

وقد يقرأ الإنسان هذا الحديث وهو يتذكر أول لحظة نزلت به فيها مصيبته. يتذكر بكاءه واضطرابه، وكيف عجز عن استيعاب ما حدث. ثم يخشى أن يكون قد ضيع الصبر لأنه لم يكن ثابتًا كما كان يتمنى.

لكن ليس معنى الحديث أن الإنسان إذا بكى عند أول المصيبة فقد فشل في الصبر، ولا أن من اضطرب قلبه في اللحظة الأولى ضاعت عليه فرصة الرضا إلى الأبد.

إنما تظهر قيمة الصبر حين تفاجئك المصيبة، وتشتد دواعي الجزع. ولهذا كان الصبر عند الصدمة الأولى عظيمًا.

وتأمل رحمة النبي ﷺ في موقف آخر. حين مات إبراهيم ابن النبي ﷺ، دمعت عيناه، وقال:

«إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا».

رواه البخاري.

يا لها من تربية للقلب: العين تدمع، والقلب يحزن، ومع ذلك، يبقى اللسان منضبطًا بما يرضي الله.

لم يُطلب من القلب أن يتوقف عن الحزن حتى يكون صابرًا، ولم تصبح الدموع نقيضًا للتسليم. فلا تقسُ على نفسك لأن عينيك لم تستطيعا حبس الدموع، ولا تظن أن قلبك حين يرتجف قد خرج من طريق الصابرين.

لقد بكى رسول الله ﷺ وحزن، وهو أكمل الناس إيمانًا وتسليمًا. وقد يكون قلبك اليوم أحوج إلى أن يتذكر رحمة الله من أن تضيف إلى وجعه لومًا جديدًا.

قد يكون من صبرك اليوم أنك قاومت اليأس من رحمة الله، وقد يكون أنك قاومت كلمة اعتراض كانت على طرف لسانك، وقد يكون أنك قمت للصلاة رغم ثقل قلبك، وقد يكون أنك قلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وأنت لا تزال تحاول استيعاب ما حدث.

لا تحتقر الخطوة الصغيرة التي تخطوها نحو الله لمجرد أن الألم ما زال كبيرًا.

🫂 هناك فرق بين أن تتألم من القدر… وأن تتهم الله فيه

قد تمر بك أيام تقول فيها: لم أعد أحتمل هذا التعب. لا أعرف كيف سأكمل. أتمنى لو أن الأمر لم يحدث.

وربما تخاف من هذه الكلمات نفسها، وتخشى أن يكون مجرد اعترافك بالتعب علامة على أنك لم تصبر كما ينبغي.

لكن هذه الكلمات لا تكفي وحدها للحكم بأنك ساخط على قضاء الله. فالإنسان ضعيف، والبلاء قد يشتد، والنفس قد تضيق.

وقد شكا يعقوب عليه السلام حزنه إلى الله فقال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].

لم يكن حزنه اعتراضًا على ربه، ولم يكن اعترافه بألمه ضعفًا في نبوته أو يقينه.

وهنا فرق يستحق أن يطمئن إليه قلبك: أن تقول: يا رب، هذا يؤلمني، فارحمني. وأن تجعل ألمك دليلًا على أن الله ظلمك أو تخلى عنك. الأول افتقار إلى الله، والثاني اتهام ينبغي أن يحذر منه المؤمن.

ولذلك، حين يشتد عليك البلاء، لا تجعل أول همك أن تثبت لنفسك أنك لا تتألم، بل اجعل همك ألا يقطعك الألم عن الله.

ابكِ بين يديه. اشكُ إليه. اسأله العافية. خذ بالأسباب التي تقدر عليها. واطلب العون ممن يستطيع مساعدتك.

فليس من الرضا أن تترك العلاج، ولا من التسليم أن تستسلم للظلم، ولا من التوكل أن تمتنع عن دفع الضرر.

الرضا بقضاء الله لا يعني الرضا بكل ظلم يفعله الناس، ولا ترك السعي لتغيير ما يمكن تغييره. وليس عليك أن تختار بين الثقة بالله وبين محاولة تخفيف ما أصابك.

يمكنك أن تجمع بين الأمرين: أن ترضى بالله ربًا، وتؤمن بحكمته، وتسأله في الوقت نفسه أن يبدل حالك إلى ما هو أيسر عليك.

🌙 قد لا يتغير البلاء… لكن لا تظن أن عون الله غائب

أحيانًا ننظر إلى الإنسان الصابر فنتعجب: كيف استطاع أن يحتمل؟ كيف وقفت تلك الأم بعد مصيبتها؟ كيف واصل ذلك المريض حياته؟ كيف بقي ذلك الإنسان يدعو، مع أن ما يتمناه لم يحدث؟

وننسى أننا ننظر إلى التجربة من خارجها، ونقيس قدرة الإنسان على الاحتمال بما نتخيل أننا سنشعر به لو أصابنا ما أصابه.

لكن الله قد يرزق عبده من الصبر والمعونة ما لم يكن يتصور أنه يملكه. وقد يجد الإنسان في قلبه سكينة لم تكن حاضرة قبل البلاء.

وقد لا يجد هذه السكينة سريعًا، ويظل محتاجًا إلى وقت ومساندة وعلاج ودعاء. ولا يعني تأخر شعوره بالطمأنينة أن الله حرمه عونه، أو أنه أخفق في اختبار الإيمان.

﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6].

تأمل كلمة «مع». لم يقل: إن كل عسر سينتهي فورًا حين ترضى، ولم يجعل اليسر مشروطًا بأن تختفي منك مشاعر الخوف والحزن، بل أخبر عن اليسر مع العسر.

وقد يكون من اليسر أن تتيسر لك أسباب العلاج، أو تجد من يقف معك، أو تُعان على أداء ما يجب عليك، أو يفتح الله لك بابًا لم تكن تحتسبه.

ولا نملك أن نحدد لكل مبتلى متى يأتيه اليسر، ولا بأي صورة يظهر في حياته. لكننا نملك أن نذكّر القلب بأن العسر الذي يراه ليس كل ما في علم الله وقدره.

وربما كنت اليوم لا ترى إلا ما فقدته، لأن وجعك لا يزال قريبًا. ولا بأس أن تحتاج إلى وقت حتى تستطيع أن تنظر إلى ما بقي في حياتك.

فليس المطلوب أن تنكر شدة العسر، وإنما ألا تجعل شدته دليلًا على انقطاع رحمة الله.

🕊️ الخطوة الأولى ليست أن تقول: أنا راضٍ… بل أن تصدق مع الله

ربما كنت تنتظر لحظة عظيمة؛ لحظة تستيقظ فيها فلا تجد في قلبك اعتراضًا ولا خوفًا ولا حزنًا، لحظة تستطيع فيها أن تقول بثبات كامل: يا رب، أنا راضٍ عن كل شيء.

لكن ماذا لو لم تأتِ تلك اللحظة الآن؟ هل تتوقف عن السير إلى الله؟ هل تحكم على نفسك بأنك لم تنجح؟

لا. ابدأ بما تستطيع.

وإن لم تستطع اليوم إلا الدعاء بأن يعينك الله على الصبر، فادعه. وإن لم تجد في قلبك الرضا الذي تتمناه، فاسأله أن يرزقك إياه. ولا تجعل عجزك عن بلوغ مقام رفيع سببًا لليأس من رحمة الله.

قل:

يا رب، أنا لا أفهم لماذا وقع هذا، ولا أعرف كم سيبقى، ولا أخفي عليك أنني أتمنى زواله. وأنت تعلم أن في نفسي خوفًا، وفي قلبي حزنًا، وفي صدري أسئلة كثيرة.

لكنني أعلم أنك ربي، وأعلم أنك لا تظلمني، وأعلم أن جهلي بحكمتك ليس دليلًا على غيابها.

فأعني على الصبر، واهدِ قلبي، وارزقني الرضا، ولا تجعل ما أصابني سببًا لبعدي عنك.

قد لا يزول الألم بعد هذا الدعاء، وقد لا تنفتح الأبواب في الغد، وقد تحتاج أن تعيد هذه المناجاة مرات كثيرة، لأن قلبك يتعب ثم يحاول النهوض.

وهذا لا يعني أن دعاءك بلا أثر، ولا أن محاولاتك لا قيمة لها. فالرضا ليس كلمة تقولها مرة واحدة ثم تُعفى من مجاهدة نفسك، وليس مقامًا يُقاس بعدد الدموع التي لم تنزل.

إنه عبودية قلبية عظيمة، يُسأل الله أن يرزقنا إياها، ويجاهد الإنسان نفسه في تحصيلها، دون أن يدّعي ما لم يبلغه.

والصبر واجب، أما الرضا بالمصيبة نفسها ففي وجوبه خلاف معروف بين أهل العلم، وهو على كل حال مقام رفيع. فلا تحمل نفسك حكمًا شرعيًا أشد مما أوجبه الله عليك، ولا تجعل حرصك على بلوغ الرضا سببًا في قسوتك على قلب أنهكه البلاء.

اقرأ أيضًا

هندسة الرضا: كيف ترضى عن قضاء الله وأنت تتألم؟

🤍 وأخيرًا… لا تنتظر أن تفهم كل شيء حتى تعود إلى الله

ربما لن تعرف لماذا أُغلق ذلك الباب، وربما لن تعرف لماذا تأخر ما دعوت به، وربما ستبقى بعض الأقدار مؤلمة كلما تذكرتها.

وقد يمر عليك وقت طويل قبل أن تستطيع الحديث عما حدث دون أن يتجدد حزنك. وليس معنى ذلك أن الطريق إلى الله مغلق أمامك حتى تتعافى من كل هذا الألم.

فالله الذي تدعوه في أيام قوتك هو ربك في أيام ضعفك أيضًا. والله الذي ترجوه حين تكون مطمئنًا هو الذي تفتقر إليه حين يشتد خوفك. ولا تحتاج أن تصنع لنفسك قلبًا آخر حتى تقف بين يديه.

تعال إليه بما تستطيع من صدق وافتقار. فإن جاء الفرج، حمدت الله. وإن طال البلاء، استعنت بالله. وإن ضعفت، عدت إليه. وإن بكيت، فلا تظن أن دموعك أخرجتك من طريق الصابرين.

لا تحتاج أن تكذب على قلبك لتقترب من الله، ولا تحتاج أن تحب الألم حتى تكون مؤمنًا بحكمته، ولا تحتاج أن تعرف نهاية الطريق حتى تخطو فيه مستعينًا به.

يكفي أن تبدأ من صدقك، لا من ادعاء قوتك، وأن تقول في اللحظة التي لا تعرف فيها كيف ترضى:

يا رب، إن لم أبلغ الرضا بعد، فلا تحرمني السعي إليه. وإن ضاق صدري بما أصابني، فوسّعه بالصبر وحسن الظن بك. وإن عجزت عن فهم حكمتك، فلا تجعل عجزي بابًا لسوء الظن بك.

وإن طال عليّ الطريق، فلا تكلني إلى نفسي. وإن أثقلني الحزن، فأعنّي على حمله، وارزقني من رحمتك ما يثبت قلبي ويقويني على ما أنا فيه.

يا رب، لا أسألك أن تجعلني أحب الوجع، وإنما أسألك ألا يجعلني الوجع أبتعد عنك. ولا أسألك أن أعرف كل ما غاب عني، وإنما أسألك أن تهدي قلبي إلى الثقة بك فيما لا أعلم.

وارزقني العافية والفرج، واجعلني من عبادك الصابرين الشاكرين.

فليس أعظم ما في التسليم أن تتوقف عن سؤال الله أن يغيّر ما يؤلمك، بل أن تظل تسأله وأنت لا تجعل محبتك له وثقتك به مشروطتين بأن يعطيك ما تريد.

وربما تكون أول خطوة حقيقية نحو الرضا هي هذه: أن تكف عن مطالبة نفسك بأن تشعر بالسكينة فورًا، وأن تبدأ في عبادة الله بقلبك المتعب كما هو، راجيًا أن يرزقك السكينة والرضا من فضله.

فإن لم تستطع اليوم أن تقول: يا رب، أنا راضٍ، فلا تحرم نفسك من أن تقول:

يا رب، أريد أن أرضى، فأعنّي.

تعليقات

عدد التعليقات : 0