قد لا يكون أصعب ما في البلاء هو الألم نفسه. قد يكون الأصعب أنك لا تعرف:
متى ينتهي؟
لو قيل لك: بقي أسبوع، ربما شددت قلبك على الأسبوع. ولو قيل لك: بقي شهر، ربما قلت: سأصبر هذا الشهر.
لكن أن تستيقظ كل يوم ولا تعرف كم بقي من الطريق، وأن تدعو ولا تعرف متى يتغير المشهد، وأن تنتظر دون أن تملك تاريخًا تضعه في نهاية الانتظار… فهنا يبدأ نوع آخر من التعب.
ليس تعب البلاء وحده.
بل تعب الغيب.
ومن هذا التعب يولد سؤال مفهوم جدًا:
هل توجد علامات تدل على أن الفرج قريب؟
فتبدأ في التفتيش. بكيت في الدعاء أكثر من المعتاد… هل هذه علامة؟ شعرت بسكينة مفاجئة… هل اقترب الفرج؟ رأيت رؤيا طيبة… هل هي بشارة؟
سمعت أكثر من مرة كلامًا عن الفرج… هل يريد الله أن يطمئنني بأن النهاية اقتربت؟ تيسر أمر صغير بعد تعسر طويل… هل بدأت الأمور تتحرك؟ اشتد الأمر فجأة… أليست الشدة أحيانًا قبل الفرج؟
وأنت لا تفعل ذلك بالضرورة لأنك ضعيف الإيمان. أحيانًا تفعل ذلك لأنك تعبت؛ لأن قلبك لا يريد دائمًا أن يعرف الغيب بقدر ما يريد شيئًا يسنده.
شيئًا صغيرًا يقول له:
اصبر قليلًا آخر.
لعل الطريق أوشك أن ينتهي.
وهذا شعور مفهوم.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول كل ما حولك إلى رسالة محتملة عن المستقبل. كل موقف يصبح إشارة. كل شعور يصبح علامة. كل مصادفة تستوقفك.
وكلما ظننت أنك وجدت شيئًا يطمئنك، تعلق قلبك به قليلًا. ثم إن لم يتغير شيء، لم يؤلمك البلاء وحده… بل آلمك أيضًا سقوط التفسير الذي بنيت عليه رجاءك.
وهنا ربما يحتاج قلبك إلى معنى أرحم:
ليس مطلوبًا منك أن تعرف موعد الفرج حتى تستطيع أن ترجوه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين يبحث القلب عن إشارة
- هل توجد علامات شرعية تحدد موعد الفرج؟
- السكينة نعمة حاضرة لا موعد للمستقبل
- لا تجعل القرب من الله وعدًا بموعد دنيوي
- الرجاء لا يعني التنبؤ
- كيف تمضي حين لا تعرف موعد الفرج؟
- اعبر اليوم الذي بين يديك
- لا تؤجل حياتك حتى يأتي الفرج
- دعاء حين لا تعرف موعد الفرج
- رجاء واسع دون تعليق القلب بالتوقيت
حين يبحث القلب عن إشارة
نحن نحب أن نعرف. ليس لأننا فضوليون دائمًا، بل لأن المعرفة تخفف عنا ثقل الانتظار.
القلب يقول:
لا أطلب أن ينتهي البلاء الآن… فقط أريد شيئًا يطمئنني بأن النهاية قريبة.
علامة. إشارة. موعدًا تقريبيًا. شيئًا أستند إليه وأنا أكمل الطريق.
فالإنسان يحتمل كثيرًا حين يعرف أن للألم نهاية. أما حين لا يعرف، فإنه لا يحمل الألم وحده، بل يحمل معه جهله بمدته.
ومن معاني التوكل أن تمضي أحيانًا دون أن تُعطى الخريطة كاملة. أن تدعو وأنت لا تعرف متى، وأن تصبر وأنت لا تعرف إلى متى، وأن تأخذ بالأسباب دون أن تعرف أيها سيفتح الباب، وأن تحسن الظن بالله حتى حين لا ترى في الأحداث ما يخبرك بموعد ما تنتظره.
وهذا ليس سهلًا، بل قد يكون من أشق صور التوكل على القلب؛ لأن التوكل لا يظهر فقط عندما تغيب الأسباب، قد يظهر أيضًا عندما تغيب المعلومات.
هل توجد علامات شرعية تحدد موعد الفرج؟
ولا نعرف في الشرع قائمة تقول:
إذا حدث لك كذا فالفرج بعد أيام.
إذا بكيت كثيرًا فقد اقتربت الإجابة.
إذا شعرت بالسكينة فالمطلوب الذي تدعو به سيحدث قريبًا.
إذا اشتد البلاء فهذه علامة مؤكدة على أن نهايته أصبحت وشيكة.
نعم، الله يقول:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
سورة الشرح، الآيتان ٥–٦
ويقول:
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
سورة الطلاق، الآية ٧
وهذه وعود عظيمة تفتح باب الرجاء، لكنها لا تعطينا موعدًا محددًا لكل بلاء.
نؤمن بأن الله يجعل مع العسر يسرًا، ونرجو فرجه، وندعوه أن يعجل به. لكن موعد فرجك بعينه، وصورته، والطريق الذي سيأتي منه… قد يبقى غيبًا عنك حتى يقع.
وليس عليك أن تعرفه حتى تحسن الظن بالله.
السكينة نعمة حاضرة لا موعد للمستقبل
وقد تقول:
لكنني أشعر بأن شيئًا ما تغير داخلي.
بعد شهور من الخوف أصبحت أهدأ. بعد أن كنت أنهار عند كل خبر، صرت أقول: يا رب، اختر لي. بعد أن كان كل دعائي: أعطني ما أريد… أصبحت أقول: يا رب، إن كان خيرًا فقربه، وإن لم يكن خيرًا فاصرف عني ما يضرني، ولا تكلني إلى نفسي.
هل هذا يعني أن الفرج قريب؟
لا نستطيع أن نجزم بذلك. قد يكون قريبًا، وقد يتأخر. لكن هناك نعمة حدثت بالفعل: قلبك لم يعد في المكان نفسه.
وهذا وحده شيء يستحق أن تحمد الله عليه؛ لا لأنه يخبرك كم بقي من الطريق، بل لأنه خير وقع فيك الآن.
هناك فرق بين أن تقول: «هدوئي يعني أن ما أريده سيحدث قريبًا»، وبين أن تقول: «الحمد لله، بعد أن كان البلاء يكاد يبتلع قلبي، رزقني الله قدرًا من السكينة».
الأولى تجعل السكينة خبرًا عن المستقبل، والثانية تراها نعمة حاضرة. وهذا أرحم بقلبك؛ لأن السكينة يمكن أن تكون نعمة… دون أن تكون تقويمًا زمنيًا.
ربما يرزقك الله سكينة حقيقية. وقد يفتح لك باب دعاء لم يكن مفتوحًا، وقد يرد قلبك إليه بعد طول اضطراب، وقد ترى رؤيا طيبة تسرك، وقد تسمع كلمة في اللحظة التي كنت تحتاجها، وقد يأتيك تيسير صغير بعد تعسر طويل.
فاستبشر بالخير، وافرح بما يفرح قلبك، لكن لا تُحمّل كل نعمة أكثر مما تحتمل. لا تجعل كل شيء جميل يحدث لك معلومة مؤكدة عن الغد.
فيمكن للرؤيا الطيبة أن تسرك، دون أن تصبح جدولًا تحدد به متى وكيف يقع ما تتمناه. ويمكن للدعاء أن يكون من أعظم ما يحدث لك في البلاء، حتى لو لم تر أثره بالسرعة التي كنت ترجوها. ويمكن للسكينة أن تكون رحمة حقيقية، دون أن تكون وعدًا بأن المشهد سيتغير غدًا.
أحيانًا تكون النعمة نعمة وحسب. لا تحتاج إلى أن نستخرج منها أكثر مما أعطتنا.
ومن أرحم ما يمكن أن يتعلمه القلب أن يأخذ من السكينة سكينتها، ومن الدعاء قربه، ومن الكلمة الطيبة عزاءها، ومن التيسير شكره، دون أن يضع كل ذلك تحت سؤال واحد:
ماذا يعني هذا عن الغد؟
لأن السؤال المستمر عن الغد قد يحرمك أحيانًا من نعمة اليوم. قد يرزقك الله هدوءًا، فتترك الحمد عليه، وتبدأ فورًا في تحليله: هل يعني أن الأمر انتهى؟ هل هذه بداية الفرج؟ هل ما أتمناه سيحدث الآن؟
وربما كان الأرحم أن تقول:
الحمد لله.
هدأ قلبي اليوم.
وهذه وحدها نعمة كبيرة.
لا تجعل القرب من الله وعدًا بموعد دنيوي
ومن أكثر ما يرهق الإنسان أن يربط كل قرب من الله بنتيجة دنيوية ينتظرها.
تقول: أنا أدعو أكثر، أبكي بين يدي الله، أقوم الليل، أشعر بأن قلبي تغير. إذن لعل الفرج أصبح قريبًا جدًا.
ثم تمر الأيام، ولا يقع ما انتظرته، فتأتيك أسئلة مؤلمة:
لماذا شعرت بكل تلك السكينة إذن؟
لماذا ازداد قربي من الله ثم لم يتغير الأمر؟
هل كنت مخطئًا حين فرحت بما حدث في قلبي؟
وهنا لا تظلم تلك النعم. قربك من الله لم يكن بلا قيمة، وسكينتك لم تكن بلا معنى، ودعاؤك لم يكن ضائعًا.
لكن الأثر الإيماني لا يلزم أن يكون وعدًا بأن تأتي النتيجة الدنيوية في الوقت أو الصورة التي تمنيتها. السكينة نعمة حتى لو لم يتغير المشهد غدًا، والدعاء عبادة حتى لو طال الانتظار، والقرب من الله خير في ذاته، لا تقل قيمته لأن الحياة لم تسر بعد كما كنت تريد.
الرجاء لا يعني التنبؤ
وهنا يوجد فرق مهم بين الرجاء والتنبؤ.
الرجاء يقول: لعل الله يفرجها قريبًا، وأسأله ذلك من كل قلبي.
أما التنبؤ فيقول: أنا أشعر بأن الفرج سيأتي خلال أيام.
الرجاء يترك الباب مفتوحًا، أما التنبؤ فقد يصنع لك موعدًا لم يُعط لك.
الرجاء يقول: يا رب، أتمنى أن يكون قريبًا جدًا. أما التنبؤ فيحاول أن يستخرج من المشاعر والأحداث تاريخًا للمستقبل.
ولذلك ليس المطلوب أن تطفئ رجاءك، بل أن تحميه.
يا رب، أرجو أن يكون الفرج قريبًا.
وأتمنى ذلك جدًا.
وأحب أن أستيقظ غدًا وقد تغير كل شيء.
لكنني لا أعلم.
وهذه الجملة لا تقتل الرجاء، بل تجعله أرحم بقلبك.
وربما تحتاج إلى أن تسمع هذه العبارة بهدوء:
ليس كل ما يطمئن قلبك معلومة عن المستقبل.
قد يرزقك الله سكينة في أثناء البلاء، فاشكره عليها، واستند إليها، واستعن بها، لكن لا تستجوبها. لا تسألها فورًا: ماذا تعنين عن الغد؟ ولا تجعلها وعدًا بموعد لم تعرفه، ولا تجعلها مطالبة للحياة بأن تتغير فورًا. خذ منها رحمتها اليوم.
كيف تمضي حين لا تعرف موعد الفرج؟
وقد تقول:
لكنني لا أبحث عن الغيب.
أنا فقط أريد أن أعرف أنني لن أبقى هكذا طويلًا.
وهنا يلامس السؤال موضعه الحقيقي. أنت لا تريد، في كثير من الأحيان، معرفة المستقبل لذاته؛ أنت تريد راحة في الحاضر. تريد شيئًا يخفف عنك ثقل هذه الليلة، شيئًا يقول لك إن الطريق ليس بلا نهاية.
ولهذا قد تقول: لو عرفت أن الفرج بعد شهر، لهان عليّ هذا الشهر. ولو تأكدت أن دعائي سيُجاب قريبًا، لهدأ قلبي. ولو رأيت علامة واضحة، لاستطعت أن أتحمل أكثر.
وهذا مفهوم.
لكن ماذا إذا لم تُعط هذه المعلومة؟ ماذا إذا بقي الموعد مستورًا؟
هنا يظهر معنى عميق من معاني التوكل: أن تمضي مع الله دون أن تعرف كل ما سيحدث لك.
يا رب، أنا لا أعرف.
لا أعرف كيف ستفرجها، ولا متى، ولا من أي باب، ولا أعرف هل تأتي الإجابة بالصورة نفسها التي أطلبها.
لكنني أعرف أن علمي محدود، وأن جهلي لا يعني غياب علمك، وأن الطريق الذي لا أراه ليس خافيًا عليك، وأنني مأمور بالدعاء والأخذ بالأسباب والصبر.
فأعنّي على ما أستطيع… وتولَّ عني ما لا أستطيع.
أنا لا أرى الصفحة القادمة، لكنني أعرف أن الغيب كله في علمك.
وليس المطلوب أن تصبح بلا رغبة، ولا أن تتظاهر بأن الانتظار سهل، ولا أن تقول إن البلاء جميل، ولا أن تمنع قلبك من أن يقول: يا رب، متى؟
فأنت بشر، والتعب حقيقي، والانتظار قد يكون قاسيًا جدًا. ولا حرج أن تقول: يا رب، لقد تعبت، فارحمني وفرّج عني. ولا حرج أن تتمنى أن يكون الفرج قريبًا، ولا حرج أن تشتاق إلى اليوم الذي ينتهي فيه ما يؤلمك، ولا حرج أن تقول: يا رب، عجّل لي الفرج.
ادع الله بكل ما فيك، وألح عليه، وابك إن ضاق صدرك. لكن ارحم قلبك من أن يفتش في كل شيء عن دليل، ومن أن يحلل كل شعور، ويربط كل رؤيا، ويجمع كل مصادفة، ثم يعيش معلقًا بما استنتجه.
فربما لم تكن تبحث عن الغيب بقدر ما كنت تبحث عن شيء يسند قلبًا متعبًا. والله لا يطلب منك أن تعرف الغيب حتى تلجأ إليه. يكفيك أن تأتيه بتعبك نفسه.
وقد يبدو قول «لا أعلم متى» قاسيًا في البداية، لكنه قد يصبح مع الوقت من أكثر الجمل التي تحمي قلبك.
لأنك حين تقول: لا أعلم متى… تتوقف عن إرهاق نفسك بمحاولة استخراج الموعد من كل شيء. لا تعود مضطرًا إلى تفسير كل شعور، ولا كل رؤيا، ولا كل جملة تمر أمامك، ولا كل تغير طفيف في الظروف.
لا أعلم، لكنني أرجو.
لا أعلم، لكنني أدعو.
لا أعلم، لكنني آخذ بالأسباب.
لا أعلم، لكنني لن أجعل جهلي حجة على رحمة الله.
اعبر اليوم الذي بين يديك
وأحيانًا لا نريد العلامة إلا لأن العلامة تجعل الصبر أيسر. حين تظن أن النهاية قريبة، تستطيع أن تتحمل قليلًا آخر. لكن ماذا لو لم تعرف؟
هنا يصبح السؤال أكثر هدوءًا:
هل أستطيع أن أكمل اليوم فقط؟
لا الشهر كله، ولا السنة كلها، ولا بقية الطريق. اليوم.
- هل أستطيع أن أدعو اليوم؟
- وآخذ بالأسباب اليوم؟
- وأحفظ قلبي من اليأس اليوم؟
- وأرتاح حين أتعب اليوم؟
- وأتحدث إلى شخص أثق به إذا أثقلني الأمر؟
- وأتعلم شيئًا؟
- وأفعل خيرًا صغيرًا؟
- وأضحك إن جاءني ما يضحكني، دون أن أشعر بأنني أخون حزني؟
هذه ليست أمورًا قليلة، هذه طريقة أخرى لعبور البلاء.
لا تؤجل حياتك حتى يأتي الفرج
لأن الانتظار الطويل قد يجعل الإنسان يؤجل حياته كلها.
يقول:
- عندما أُشفى سأعيش.
- عندما أتزوج سأعيش.
- عندما يأتي العمل سأبدأ.
- عندما ينتهي الدين سأرتاح.
- عندما يعود الغائب سأفرح.
- عندما تُحل هذه المشكلة سأصبح بخير.
ثم تتحول الأيام شيئًا فشيئًا إلى غرفة انتظار، وكأن حياتك الحقيقية موجودة في الجهة الأخرى من الفرج.
مع أن حياتك لم تتوقف. أنت تستطيع أن تعبد الله الآن، وتتعلم الآن، وتفعل خيرًا الآن، وتأخذ بالأسباب الآن، وتستريح حين تحتاج إلى الراحة الآن، وتفرح بشيء جميل إن جاءك الآن.
ليس لأن البلاء صغير، ولا لأنك مطالب بأن تنساه، بل لأن البلاء لا ينبغي أن يأخذ منك كل الحياة قبل أن يرحل.
وربما هنا يتغير السؤال. بدل أن تسأل فقط: هل ظهرت علامات قرب الفرج؟ اسأل أيضًا:
كيف أحفظ قلبي إلى أن يأتي الفرج؟
وهذا سؤال لا يقل أهمية؛ لأن موعد الفرج ليس في يدك، أما الطريقة التي تعبر بها يومك، ففيها مساحة من العمل.
قد لا تستطيع أن تعرف كم بقي من الطريق، لكن تستطيع أن تسأل: كيف لا أضيع نفسي وأنا أمشيه؟ كيف أبقى قريبًا من الله؟ كيف آخذ بالأسباب دون أن أستهلك نفسي؟ كيف أرجو دون أن أتحول إلى مراقب لكل إشارة؟ كيف أعيش دون أن أؤجل حياتي كلها إلى يوم لا أعرف موعده؟
دعاء حين لا تعرف موعد الفرج
وهنا يمكن أن يتغير دعاؤك قليلًا.
بدل أن تقول فقط: يا رب، أعطني علامة أن الفرج قريب. يمكن أن تقول:
يا رب، إن كان الفرج قريبًا فعجله لي برحمتك، وإن بقي من الطريق شيء، فارزقني قلبًا يستطيع أن يمضي معك دون أن ينكسر.
يا رب، إن لم تكشف لي الموعد، فأعطني من العون ما يغنيني عن معرفة الموعد.
وإن ضاق صدري، فوسعه بقربك.
وإن خفت، فاحمل خوفي إليك.
وإن أخطأت في فهم بعض ما يحدث لي، فلا تجعل خطئي يقطع رجائي بك.
هذا الدعاء لا يقتل الرجاء، بل يوسعه؛ لأنك ما زلت تريد الفرج، وتسأل الله أن يعجله، لكن طمأنينتك لم تعد معلقة بمعرفة موعده.
رجاء واسع دون تعليق القلب بالتوقيت
وربما يكون أجمل ما يصل إليه القلب في نهاية هذا الطريق ليس أن يقول:
لقد عرفت أن الفرج قريب.
بل أن يقول:
ما زلت أتمنى أن يكون قريبًا جدًا، لكنني لم أعد محتاجًا إلى معرفة الموعد كي أطرق باب الله.
هذه ليست لا مبالاة، ولا برودًا، ولا استسلامًا للألم، بل راحة من نوع آخر: أن تريد الفرج بكل قلبك… دون أن تجعل قلبك رهينة للتوقيت.
فإن جاء الفرج قريبًا، فالحمد لله. وإن امتد الطريق، فاسأل الله أن يحمل قلبك فيه. وإن جاء الجواب بصورة لم تخطر لك، فالله يعلم وأنت لا تعلم.
وإن لم تفهم الآن لماذا طال الطريق، فلا تجعل عدم الفهم دليلًا على أنك متروك. ولا تجعل سكون الأحداث دليلًا على غياب العناية. ولا تجعل غياب العلامات غيابًا للرجاء. ولا تجعل ما تظنه علامة وعدًا يرهقك إن لم يتحقق كما توقعت.
وإن جاءتك سكينة، فخذها برفق. لا تستجوبها. لا تسألها فورًا: ماذا تعنين عن الغد؟ قل فقط:
الحمد لله.
رحمة جاءتني اليوم.
ابق بين أمرين جميلين:
رجاء واسع… وقلب لا يطالب الغيب بأن يكشف له موعده.
ادع الله بكل ما فيك، واطلب الفرج، وابك إن تعبت، وكرر الدعاء ما احتاج قلبك إلى تكراره، وخذ بالأسباب التي تستطيعها. لكن لا تجعل طمأنينتك كلها معلقة بأن تعرف:
متى سينتهي هذا؟
فربما كانت الطمأنينة الأرحم أن تقول:
يا رب، أنا أتمنى أن يكون الفرج قريبًا.
وأنت تعلم كم تعبت.
ولا أريد من جهلي بالموعد أن يجعلني أسيء الظن بك.
فإن كان قريبًا، فعجله لي.
وإن بقي من الطريق شيء، فأعنّي عليه.
أنا لا أعرف متى ينتهي… لكنني أعرف أنني أستطيع أن آتيك اليوم بكل تعبي.
وعندها لا تكون قد عرفت موعد الفرج، لكنك لم تعد تحتاج إلى موعد حتى تستمر.