تبكي، ثم تخاف من بكائك.
تشتاق إلى من فقدت، فتؤلمك تفاصيل صغيرة لم ينتبه إليها أحد. تنظر إلى تقرير المرض، فتعود الرجفة التي ظننت أنك تجاوزتها. تتذكر رجاءً طال دعاؤك به ثم انكسر، أو واقعًا تغيّر ولم يعد في قدرتك أن تعيده كما كان.
ثم لا تكتفي النفس بحمل هذا الألم.
تضع إيمانك نفسه في موضع الاتهام:
لو كنت راضيًا حقًا، فلماذا ما زلت أتألم؟
لماذا أتمنى لو أن هذا لم يقع؟
ولماذا يعود الحزن كلما ظننت أنني هدأت؟
وهكذا ينشأ ألم ثانٍ فوق ألم القضاء: أن تبدأ بمحاكمة نفسك إيمانيًا لأن جرحك لم يتوقف عن الوجع.
كأن الرضا لا يثبت حتى تتوقف النفس عن تسجيل ما خسرته، وكأن بقاء الدمع يعني أن في القلب خصومة خفية مع الله.
لكن هذه المحاكمة تقوم على قياس غير دقيق.
فالسؤال ليس فقط:
كم يؤلمني ما وقع؟
بل السؤال الأدق:
أين يقع هذا الألم في داخلي؟ وماذا سمحت له أن يقول عن الله؟
لأن الألم والرضا لا يقعان في الموضع نفسه من تجربتك.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
ثلاث طبقات في قضاء واحد
حين يقع بك ما يؤلمك، فهناك ثلاث طبقات ينبغي ألا تختلط.
هناك أولًا ما وقع:
فقدٌ، أو مرض، أو خيبة، أو ظلم، أو باب أُغلق، أو واقع تبدل ولم يعد قابلًا للاسترداد.
وهناك ثانيًا ما أحدثه ما وقع فيك:
حزن، ووحشة، وخوف، واشتياق، وانقباض، وألم قد يظهر في جسدك ونومك قبل أن تستطيع أن تصوغه في كلمات.
ثم هناك ثالثًا ما يحكم به قلبك على الله بسبب ما وقع:
ماذا صار يعني هذا القضاء في معرفتك برحمة الله وحكمته وعدله؟
هل صار ألمك عندك دليلًا على أن الله تركك؟
هل صار عجزك عن فهم الحكمة دليلًا على غيابها؟
هل صرت تقيس عناية الله بك بمقدار موافقة الواقع لما كنت تريده؟
هنا تحديدًا تقع المسألة.
فالرضا لا يمحو الطبقة الثانية، لكنه يمنعها من أن تكتب الطبقة الثالثة بدلًا عنك.
الدمعة تقرير عن الجرح، وليست حكمًا على رب الجرح.
والاشتياق يخبرك بقيمة من فقدت، ولا يثبت وحده أنك تعترض على الله.
والخوف الذي يهز جسدك أمام المرض لا يعني بالضرورة أنك تسيء الظن بربك.
الرضا لا يعمل بإلغاء الإحساس، وإنما بتصحيح موقف القلب من الله داخل الإحساس.
ولهذا جاء المشهد النبوي بالغ الدقة حين مات إبراهيم ابن النبي ﷺ، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
رواه البخاري.
تأمل هذا الترتيب.
للعين دمعها.
وللقلب حزنه.
وللفراق ألمه.
ومع ذلك بقي هناك موضع آخر محفوظ: «ولا نقول إلا ما يرضى ربنا».
لم يُطرد الحزن حتى تبقى العبودية، ولم يُسمح للحزن أن يتجاوز موضعه فيتحول إلى اعتراض.
الحزن موجود.
والفراق مؤلم.
والعبودية باقية.
وكذلك يعقوب عليه السلام، بلغ به الحزن على يوسف مبلغًا عظيمًا، حتى قال الله عنه:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾
[يوسف: 84]
ثم قال يعقوب:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86]
لم يكن وجود الحزن هو المشكلة.
بل صار الله هو الجهة التي يحمل إليها حزنه.
وهنا فرق دقيق وعظيم:
أن تشكو ألمك إلى الله شيء، وأن تجعل ألمك شكوى من الله شيء آخر.
الأولى تقول:
يا رب، هذا أوجعني، فأعنّي.
والثانية قد تتحول إلى معنى آخر:
ما دام هذا قد أوجعني، فلا بد أن في تقديرك لي ما يوجب سوء الظن بك.
وهنا يكون الألم قد غادر موضعه.
لم يعد يصف ما حدث فيك، بل بدأ يصدر الأحكام على من قدّر ما حدث لك.
الألم لا يثبت الرضا… ولا ينفيه
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في الطرف الآخر.
ليس كل إنسان متألم راضيًا بالضرورة.
قد يتألم اثنان بالألم نفسه، وتتشابه دموعهما، بينما يختلف موقف القلب اختلافًا بعيدًا.
هذا يتألم، ثم يحوّل ألمه إلى سخط وسوء ظن واتهام.
وذاك يتألم الألم نفسه، لكنه يبقى عارفًا بربه، مسلمًا له، ممتنعًا عن جعل ما لا يفهمه حجة على حكمة الله.
إذن لا تمنح نفسك شهادة الرضا لمجرد أن حزنك طبيعي، كما لا تنفِ الرضا عن نفسك لمجرد أن الحزن ما زال حاضرًا.
راقب الموضع الصحيح.
ليس:
هل سكت الألم؟
بل:
حين تكلم الألم، ماذا قال قلبك عن الله؟
قد يقول الألم:
هذا الفقد أوجعني.
ولا يلزم الرضا أن يجيبه:
ليس موجعًا.
بل يقول:
هو موجع، ومع ذلك لا أجعل وجعي حجة على ربي.
وقد يقول الحزن:
كنت أتمنى غير هذا.
ولا يلزمك أن تكذب على قلبك فتقول:
لم أكن أتمنى شيئًا آخر.
لكن الرضا يمنعك من أن تجعل أمنيتك معيارًا تحاكم به حكمة الله.
وقد تقول:
يا رب، لا أفهم لماذا وقع هذا.
وهذه ليست تهمة.
أما الخطر فيبدأ حين يتحول عدم فهمك للحكمة إلى حكم بأنها غير موجودة.
فالفرق كبير بين:
أنا لا أرى الحكمة.
وبين:
لا حكمة هنا.
الأولى اعتراف بحدود علمك.
والثانية حكم على علم الله.
وقد يعبر في قلبك تحت الصدمة خاطر قاسٍ لم تستدعِه ولم تتبنَّه. فلا تحوّل مراقبة رضاك إلى تفتيش وسواسي لكل فكرة عابرة.
موضع المراجعة الحقيقي ليس كل ما يمر بك، بل ما تحتضنه، وتغذيه، وتعود إليه، وتبني عليه موقفك من الله.
الرضا لا يعني أن تحب الألم
وهنا تمييز شرعي آخر لا غنى عنه.
الرضا بالله وبقدره لا يعني أن تحب المرض من جهة ألمه، ولا الفقد من جهة فراقه، ولا الظلم من جهة كونه ظلمًا.
ولا يعني أن تقف أمام الضرر مكتوف اليدين وتقول: هذا قدر الله.
فالرضا بالقضاء لا يساوي الرضا بكل ما وقع من كل جهة.
إذا ظلمك إنسان، فكون فعله لم يخرج عن قدر الله لا يجعل ظلمه محبوبًا ولا مشروعًا، ولا يسقط مسؤوليته، ولا يمنعك من طلب حقك ودفع ظلمه بالوسائل المشروعة.
ومن ظلمك لا تمنحه عقيدة القدر براءةً من ظلمه.
وإذا مرضت، فتعالج.
وإذا استطعت دفع الضرر، فادفعه.
وإذا كان لك حق، فاطلبه.
وإذا كان الباب يمكن إصلاحه، فاسع في إصلاحه.
وإذا ثقل البلاء، فاسأل الله رفعه.
فـالأخذ بالأسباب ليس خروجًا من الرضا؛ بل قد يكون من تمام عبوديتك لله.
الرضا يضبط موقفك من الله، ولا يعطّل مسؤوليتك أمام الواقع.
أعد كل شيء إلى موضعه
حين تعود موجة الألم، لا تطلب منها أن تختفي أولًا حتى تطمئن إلى إيمانك.
أعد ترتيب الطبقات.
ابدأ بما وقع.
قل:
مات من أحب.
ثبت المرض.
خسرت ما كنت أرجوه.
وقع عليّ الظلم.
انتهت علاقة.
أُغلق الباب.
هذا هو الحدث.
ثم انتبه إلى ما تضيفه النفس إليه:
إذن الله تركني.
إذن لم يرحمني.
إذن لن يأتي خير بعد هذا.
إذن ما وقع لا حكمة فيه.
هذه ليست أجزاء من الحدث.
هذه أحكام أضافها القلب إلى الحدث، ولا يملك عليها دليلًا لمجرد أنه يتألم.
ثم سمِّ شعورك كما هو، بلا تزوير:
أنا حزين.
أنا خائف.
أنا أشتاق.
هذا شديد عليّ.
أنا لا أفهم.
قل ذلك لله.
وابكِ إن غلبك البكاء.
واطلب المساندة حين تحتاجها.
وتعالج إن احتجت إلى العلاج.
لا يلزمك أن تصطنع وجهًا ساكنًا كي تثبت أنك عبد مؤمن.
ثم احرس الموضع الأعمق:
لا تجعل يومك الأشد ألمًا يعيد تعريف الله في قلبك.
أنت تعرف رحمة الله بما عرّفك الله به عن نفسه، لا بمقدار الراحة التي تشعر بها الآن.
وتعرف حكمته لأنها من كماله سبحانه، لا لأنك رأيت الحكمة الخاصة في كل واقعة.
وليس مطلوبًا منك أن تخترع تفسيرًا غيبيًا لما جرى حتى ترضى.
قد لا تعرف لماذا وقع هذا بالذات.
وقد لا يظهر لك وجه الحكمة في حياتك كلها.
العبودية هنا ليست أن تقول كلامًا لا تعلمه عن الغيب، بل أن تعرف حدّك:
أنا لا أعلم لماذا وقع هذا، لكن جهلي بالحكمة لا يساوي غياب الحكمة، وألمي لا يمنحني علمًا بالله فوق ما علّمني الله عن نفسه.
ثم افعل ما تستطيع.
ما يمكن تغييره فله السعي.
وما يحتاج إلى علاج فله العلاج.
وما كان ظلمًا فله دفع الظلم وطلب الحق.
وما ضاع ولا يمكن استرداده فله الحزن والدعاء.
وما لم تعرف حكمته فله التسليم دون اختلاق تفسير.
وقد يعود الألم غدًا.
وقد تعود الذكرى بعد أشهر.
وقد يهزك موقف ظننت أنك تجاوزته.
فلا تبدأ في كل مرة محاكمة إيمانك من الصفر.
عودة الألم لا تعني بالضرورة أن رضا الأمس كان كذبًا؛ قد يعني فقط أن الجرح مُسَّ من جديد.
فأعد كل شيء إلى موضعه مرة أخرى.
للحزن موضعه.
وللدمعة موضعها.
وللدعاء بزوال البلاء موضعه.
وللأخذ بالأسباب موضعه.
وللسؤال الذي لا تعرف جوابه موضعه.
لكن لا تسلّم للألم الموضع الذي تُعرف فيه بالله.
قل، ولو بقلب متعب:
يا رب، هذا يؤلمني.
ولا أفهم كل ما جرى.
وما زلت أسألك أن ترفع عني ما أجد، وأن تبدلني خيرًا، وأن تعينني على ما لا أستطيع تغييره.
لكنني لن أجعل ألمي حجة عليك.
لن أقيس رحمتك براحتي.
ولا حكمتك بفهمي.
ولا عنايتك بي بموافقة القدر لما تمنيت.
دع الألم يبقى ألمًا.
والحزن يبقى حزنًا.
والسعي يتجه إلى ما يمكن تغييره.
ويبقى الله في قلبك منزَّهًا عن اتهام الوجع.
فهذا هو موضع الرضا:
ليس أن يخرج الوجع من قلبك، بل ألا تسمح للوجع أن يعيد تعريف ربك في قلبك.