كيف أثق بقدرة الله حين تبدو أزمتي بلا حل؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🕊️ ما يبدو لك معقّدًا إلى حد الاستحالة، قد يكون عند الله أمرًا واحدًا فقط.

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾

القمر: 50

هناك أزمات لا يؤلمك فيها الواقع وحده، بل إحساسك بأن تغييره صار شبه مستحيل.

تنظر إلى الأسباب فتجدها مغلقة. تحسب الاحتمالات فلا ترى مخرجًا. تراجع ما حولك، فتجد أن المشكلة لم تعد بابًا واحدًا يحتاج إلى أن يُفتح، بل أبوابًا متشابكة، وأشخاصًا، وقرارات، وظروفًا، وأسبابًا لا تملك منها شيئًا.

وهنا يبدأ العقل في بناء حكمه: الأمر معقد جدًا. ثم تتحول الجملة من وصف للواقع إلى شعور في القلب: إذن الفرج بعيد جدًا.

وهنا تأتي هذه الآية لتكسر المقياس كله:

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾

القمر: 50

كأنها تقول لقلبك: أنت ترى كثرة الأسباب التي ينبغي أن تتغير. أما الله فلا يحتاج إلى أن يعالج الأمر بالطريقة التي تتخيلها أنت.

أنت ترى سلسلة طويلة: يجب أن يحدث كذا، ثم يتغير كذا، ثم يوافق فلان، ثم ينفتح هذا الباب، ثم تزول هذه العقبة.

لكن قدرة الله لا تسير داخل خريطتك.

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾.

واحدة. ليست محاولات متتابعة. ولا مراحل يعجز بعضها عن بعض. ولا قوة تحتاج إلى وقت حتى تكتمل.

إذا أراد الله شيئًا، فلا تكون صعوبته على قدر تعقيده في عينك. وهذا من أكثر ما يحتاجه الإنسان حين تطول عليه الشدة: أن يفصل بين سؤالين يخلط بينهما كثيرًا:

هل أرى طريقًا؟

و: هل يستطيع الله أن يصنع طريقًا؟

الأول قد تكون إجابته: لا. أما الثاني فلا يتغير مهما أظلم المشهد.

قد لا ترى كيف. وقد لا تعرف من أين. وقد تبدو الحسابات كلها ضدك. لكن عدم معرفتك بالطريق لا يعني عدم وجوده في قدرة الله.

متاهة من الصخور المتشابكة تنفتح على أفق مضيء، تعبيرًا عن أن تعقّد الأسباب لا يعجز قدرة الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أنت تقيس الأشياء بعدد الأسباب… والله لا يعجزه شيء

نحن معتادون أن نقيس صعوبة الأمور بحسب ما تحتاج إليه. مشكلة صغيرة تحتاج اتصالًا واحدًا. مشكلة أكبر تحتاج مالًا. أخرى تحتاج أشخاصًا. وأخرى تحتاج أن تتغير ظروف كاملة.

فكلما كثرت الشروط، ازداد شعورنا بأن الحل أبعد. وهذا صحيح في عالم قدرتنا نحن. لكنه يصبح خطأ حين ننقله إلى تصورنا عن قدرة الله.

فقد تنظر إلى واقعك وتقول: حتى ينتهي هذا الأمر، لا بد أن تتغير أشياء كثيرة جدًا. والجواب:

هي كثيرة عليك، لا على الله.

أنت تحتاج أن تتحرك الأسباب واحدة بعد أخرى. أما الذي خلق الأسباب، فليست الأسباب جدرانًا تحاصره. لهذا قال سبحانه:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

يس: 82

المسألة ليست في حجم ما تطلب. ولا في عدد الأبواب المغلقة. ولا في المدة التي بقيت فيها المشكلة. المسألة كلها تحت إرادة من لا يعجزه شيء.

أخطر ما تفعله الشدة أنها تجعلك تنظر إلى الله من خلال الواقع

في بداية البلاء تقول: الله قادر. ثم تمر الأيام. فتتأخر الإجابة. وتتعقد الظروف. وتفشل المحاولات.

فيحدث شيء خفي في داخلك: لا تقول إن الله غير قادر، لكن شعورك يبدأ يتعامل مع الواقع وكأنه أقوى مما كنت تظن.

تبدأ تراقب الأسباب أكثر مما تراقب يقينك. إن تحركت الأسباب اطمأننت. وإن تعطلت، شعرت أن كل شيء ضاع.

وهنا تحتاج أن تنتبه: الواقع لا يخبرك بحدود قدرة الله. الواقع يخبرك فقط بما أذن الله أن يكون موجودًا في هذه اللحظة. أما ما يستطيع الله أن يفعله بعد لحظة، فلا تستطيع أن تستنتجه من شكل اللحظة الحالية.

وهذه مسافة عظيمة بين الإيمان النظري واليقين الحي. أن تقول:

لا أرى شيئًا يتغير… ومع ذلك أعلم أن الله لا يحتاج إلى مقدمات حتى يغيّره.

تأمل الصورة. لم يقل فقط إن أمره نافذ. بل جاء التعبير بصورة تكاد تُسقط مفهوم الزمن من ذهنك: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. اللمحة التي لا تكاد تشعر بمرورها.

وهنا معنى يربّي القلب: قد تقضي شهورًا أو سنوات وأنت ترى واقعًا ثابتًا، ثم يتغير من حيث لم تكن تتوقع.

ليس لأن صعوبة الأمر كانت تعوق نفاذ إرادة الله ثم زالت، بل لأن الله أذن له أن يتغير في الوقت الذي شاءه.

فالمدة الطويلة التي سبقت الفرج ليست دليلًا على صعوبة الفرج على الله. وهذه نقطة دقيقة جدًا. طول الانتظار لا يعني أن الله يحتاج وقتًا ليصنع المخرج.

قد يكون التأخير لحكمة لا تعلمها. وقد يكون في الطريق تربية لقلبك، أو دفع لشر، أو إعداد لشيء لا تراه. لكن القدرة نفسها لم تكن يومًا موضع انتظار.

الله قادر من اللحظة الأولى. وقادر بعد ألف ليلة. لم تتغير قدرته. الذي تغير فقط هو الوقت الذي أذن فيه للأمر أن يكون.

فلا تجعل طول الأزمة يعلّمك اليأس

من أخطر ما يحدث بعد طول الشدة أن الإنسان يتكيف نفسيًا مع استحالة الفرج. في البداية كان ينتظر. ثم يصبح أكثر حذرًا. ثم تبدأ نفسه تقول له: لا تتعلق كثيرًا… ربما لا يتغير شيء.

وهذا مفهوم من جهة الألم؛ فالإنسان يتعب. لكن المؤمن يحتاج أن يحرس قلبه من شيء آخر: ألا يتحول التعب من الانتظار إلى سوء تقدير لقدرة الله.

يجوز أن تتعب. يجوز أن تحزن. يجوز أن تقول: يا رب لقد طال عليّ الأمر. لكن لا تجعل طول الطريق يقنعك بأن نهايته أصبحت مستحيلة.

فربك الذي كانت قدرته كاملة في أول يوم من البلاء، قدرته كاملة اليوم.

ولكن الآية لا تعطينا موعدًا

وهنا لا بد من ميزان يحفظ اليقين من الوهم. هذه الآية لا تعني أن كل أمر تتمناه سيتغير فورًا. ولا أنها وعد بأن الفرج سيأتي في الموعد الذي رسمته. ولا أن كل باب أغلق سيُفتح بالصورة التي تريدها.

الآية تعلّمك شيئًا أعمق: لا تجعل صعوبة الواقع حجة على قدرة الله. أما ما سيختاره الله لك، ومتى، وكيف، فذلك إلى حكمته.

وهذا هو الفرق بين الرجاء الصحيح والرجاء الذي يحاول أن يفرض على الله سيناريو بعينه. الرجاء الصحيح يقول:

يا رب، أنا لا أعلم ماذا ستفعل، لكنني أعلم أنك قادر على كل شيء.

لا أملك أن أحدد لك الطريق. ولا أملك أن أحدد لك الموعد. ولا أعرف هل الخير في أن تغير هذا الواقع أم أن تحملني خلاله إلى شيء لم أكن أراه.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الأمر الذي يبدو لي جبلًا لا يثقل على قدرتك.

ربما مشكلتك ليست أن الباب مغلق… بل أنك جعلت الباب أكبر من قدرة الله في شعورك

وهذه هي المنطقة التي تحتاج إلى مراجعة. قد لا تقول ذلك بلسانك، لكن قلبك قد يبدأ يتصرف على هذا الأساس.

ومجرد الخوف أو الحزن عند تعطل الأسباب لا يكفي للحكم على يقينك أو موضع اعتماد قلبك؛ إنما تُراجع هذا المعنى حين يتحول السبب في شعورك إلى الحد النهائي لما يمكن أن يقع.

كأن الفرج يحتاج إلى موافقة الناس. كأن الرزق لا يمكن أن يأتي إلا من هذا الطريق. كأن العلاج متعلق بهذا السبب وحده. كأن مستقبلك كله محبوس خلف قرار إنسان. كأن تعقّد ما في الأرض بدأ يحجب عن قلبك حقيقة القدرة التي لا يعجزها شيء.

وهنا أعد ترتيب الأشياء في قلبك: الأسباب مهمة. والأبواب مهمة. والسعي مأمور به. لكنها كلها مخلوقة. وليست هي التي تقرر النهاية.

فوق كل سبب مسبب الأسباب. وفوق كل باب رب الأبواب. وفوق كل حساب بشري إرادة إذا تعلقت بشيء لم تحتج إلى إذن من أحد.


اقرأ أيضًا


إذا ضاقت بك الحسابات، فلا تحاول دائمًا أن تصنع في رأسك ألف طريق للنجاة. ربما ما يحتاجه قلبك أولًا ليس أن يعرف كيف ستُحل المشكلة. بل أن يتذكر من الذي بيده المشكلة والحل معًا.

وحين يخبرك عقلك: الأمر معقد. قل له: نعم، معقد بالنسبة إليّ.

وحين يقول: الأسباب لا تكفي. قل: نعم، لأن الأسباب ليست الله.

وحين يقول: لا أرى طريقًا. قل: أنا لم أؤمر أن أحيط بطرق الله علمًا.

ثم ضع قلبك أمام هذه الآية:

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾

ليس معناها أن تعرف متى يأتي الفرج. بل أن تعرف أن الفرج إذا أراده الله، فلا تقف أمامه الصعوبة التي أرهقت خيالك.

فلا تجعل استحالة الشيء في حساباتك تتحول إلى استحالة في قلبك.

قد تنقطع الطرق التي تعرفها جميعًا. ويبقى فوقها طريق لم تكن أنت مطالبًا أصلًا بأن تعرفه:

إرادة الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0