الحزن على الحياة التي لم نعشها: حين تتحول حياة متخيلة إلى شيء نحزن عليه كأننا فقدناه فعلًا
هناك حزن غريب لا يأتي من شيء كان في يدك ثم ضاع. بل من شيء لم يحدث أصلًا.
تنظر أحيانًا إلى حياتك الحالية، ثم يفتح ذهنك بابًا قديمًا:
ماذا لو قبلت تلك الفرصة؟
ماذا لو لم أتزوج في ذلك الوقت؟
ماذا لو اخترت تخصصًا آخر؟
ماذا لو سافرت؟
ماذا لو بقي ذلك الشخص؟
ماذا لو بدأت قبل خمس سنوات؟
وفجأة لا تعود تفكر في قرار قديم فقط. تبدأ في بناء حياة كاملة خلفه.
ترى الوظيفة التي كنت ستصل إليها. والبيت الذي ربما كنت ستسكنه. والمال الذي كان يمكن أن تملكه. والشخصية التي كنت ستصبحها. والراحة التي تتخيل أنها كانت ستملأ أيامك.
ثم تعود إلى حياتك الحالية… فتشعر أنك فقدت شيئًا. مع أن الشيء الذي تبكيه لم يوجد قط إلا في الاحتمال.
وهنا يأتي السؤال الأصدق:
هل تحزن على حياة فقدتها فعلًا… أم على حياة افترضت أنها كانت ستصبح أجمل لو أنك اخترت طريقًا آخر؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- الماضي الذي نعرف نصفه
- الحزن على الممكن
- حين تصبح الحياة المتخيلة خصمًا لحياتك
- ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾؟
- ليست كل حياة لم نعشها خسارة
- لا تجعل المجهول شاهدًا على أن الله حرمك الخير
- ما الذي يمكن إنقاذه اليوم؟
- ليس مطلوبًا أن تحب كل ما حدث
- الحياة التي بقيت ليست أقل حقيقة
الماضي الذي نعرف نصفه
حين تنظر إلى قرار قديم، فأنت تعرف ما حدث بعد اختيارك الحالي. تعرف التعب. والأخطاء. والأبواب التي أغلقت. والسنوات التي لم تسر كما كنت تريد.
لكنك حين تنظر إلى الطريق الآخر الذي لم تسلكه، لا ترى منه إلا الجزء الذي اخترعه خيالك. لا ترى مشكلاته. ولا خسائره. ولا الأشخاص الذين ربما كانوا سيؤذونك فيه. ولا أخطاءك أنت داخله. ولا الأبواب التي كان يمكن أن تغلق هناك أيضًا.
أنت تقارن أحيانًا بين شيئين غير متكافئين:
حياتك الحقيقية بكل عيوبها… وحياة متخيلة حذفتَ منها كل ما كان يمكن أن يؤلمك.
ولهذا تنتصر الحياة التي لم تعشها دائمًا. كيف لا تنتصر؟ أنت كاتبها. وتملك حق حذف كل مشهد سيئ منها.
تقول:
لو دخلت ذلك التخصص لكنت الآن في مكان أفضل.
لكن من قال؟ ربما. وقد لا يكون.
لو تزوجت ذلك الشخص لكنت أسعد. ربما. وقد تكون دخلت ألمًا آخر لا تعرفه.
لو بدأت المشروع حينها لكنت اليوم غنيًا. ربما. وقد يكون المشروع قد فشل، أو نجح ثم أتعبك، أو أخذك إلى طريق آخر تمامًا.
المشكلة ليست في كلمة «لو» حين تستخدمها للتعلم. المشكلة حين تتحول «لو» إلى آلة تصنع لك ماضيًا مثاليًا… ثم تجعلك تكره حاضرك لأنه لم يشبهه.
الحزن على الممكن
بعض ما يؤلمك حقيقي. هناك فرص ضاعت بسبب تقصير. وقرارات تتمنى بصدق لو أنك اتخذتها بطريقة مختلفة. وأخطاء دفعت ثمنها.
والإيمان بالقدر لا يلغي المسؤولية، ولا يمنعك من أن تقول:
أخطأت.
كان يمكن أن أتصرف أفضل.
تعلمت.
لكن الندم النافع له نهاية. يعلمك شيئًا… ثم يعيدك إلى الحياة.
أما الندم الذي يستنزفك، فيأخذ الواقعة القديمة نفسها ويعيد محاكمتها كل ليلة، كأن الحكم الجديد سيغير ما حدث.
وهنا يصبح الحزن على الماضي طريقة للهروب من الحاضر.
بدل أن تسأل:
ماذا أستطيع أن أفعل الآن بما بقي لي؟
تسأل:
ماذا كان سيحدث لو أنني فعلت شيئًا آخر قبل سبع سنوات؟
السؤال الأول يفتح بابًا. والثاني، إذا استُرسل معه، قد يبني غرفة مغلقة لا تستطيع العيش خارجها.
حين تصبح الحياة المتخيلة خصمًا لحياتك
الخطر الأشد ليس أنك تتذكر الماضي. بل أن تبدأ في استخدام الحياة التي لم تعشها معيارًا للحياة التي تعيشها الآن.
كل شيء في الحاضر يبدو ناقصًا. لأن في رأسك نسخة أخرى لا تتعب. زوج آخر كان سيفهمك أكثر. عمل آخر كان سيقدرك أكثر. مدينة أخرى كانت ستمنحك حياة أجمل. نسخة أخرى منك كانت ستكون أكثر نجاحًا، وأكثر ثقة، وأقل ندمًا.
لكن هذه النسخة لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام الواقع لأنها لم توجد. لم تُختبر. لم تمرض. لم تفشل. لم تُخذل. لم تتخذ قرارًا سيئًا. لم تتغير الظروف من حولها.
ولهذا تبدو دائمًا أجمل منك.
إنك لا تنافس إنسانًا حقيقيًا. أنت تنافس احتمالًا لم يُسمح له قط بأن يخطئ.
ولا يستطيع أحد أن ينتصر في هذه المقارنة.
ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾؟
قال الله تعالى:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾
[الحديد: 23]
ليس معنى الآية أن المؤمن لا يحزن. ولا أن فقد الأشياء لا يؤلم. ولا أن الإنسان يجب أن يتحول إلى قلب بارد لا يتأثر.
لكن الإيمان بالقدر يضع حدًا لطغيان الفوات.
ما فاتك لم يعد ميدان تكليفك. وما بين يديك الآن هو الميدان.
يمكنك أن تتعلم من الأمس. يمكنك أن تتوب من خطئك. يمكنك أن تصلح أثر قرار سيئ ما استطعت. لكن لا يمكنك أن تعيش المسار الذي لم يقع ثم تعود لتقارن نتائجه بمسارك الحقيقي.
أنت لا تعرفه.
وهذا من رحمة العبودية بك: أن الله لم يكلفك بإدارة الاحتمالات التي لم تقع.
ليست كل حياة لم نعشها خسارة
أحيانًا تقول:
ضيعت عشر سنوات.
وهذا وصف قد يكون مفهومًا إذا كنت تتحدث عن تقصير واضح أو فرصة أهدرتها. لكن انتبه ألا يتحول الوصف إلى حكم كامل على حياتك.
فربما أخطأت في بعضها، وتعلمت في بعضها، ونضجت في بعضها، وصبرت في بعضها، وأصلحت أشياء أخرى لم تكن تراها لأنك منشغل بصورة الحياة التي لم تأتك.
الإنسان حين يندم يملك عدسة قاسية. تضخم ما فاته. وتصغر ما بقي معه.
فتبدو الحياة وكأنها انقسمت إلى نسختين:
الحياة التي كان ينبغي أن أعيشها.
وهذه البقية التي أعيشها الآن.
وهذا ظلم للحاضر.
حياتك الحالية ليست «الخطة الرديئة» التي بقيت لك بعد فشل الخطة الأصلية. هي حياتك التي أنت مسؤول عنها الآن.
وهذه وحدها كافية لتستحق أن تحضر فيها بقلبك.
لا تجعل المجهول شاهدًا على أن الله حرمك الخير
ومن أخطر ما قد يفعله هذا الحزن أن يتحول من ندم على قرار إلى تفسير لعلاقة الإنسان بالله.
يقول في نفسه:
لو أن ذلك الباب لم يغلق…
لو أن الله أعطاني ما أردت…
لو أن الأمور سارت كما دعوت…
لكانت حياتي أفضل.
هنا ينبغي التوقف.
أنت تعرف أنك كنت تريد شيئًا. وتعرف أنه لم يقع. لكن لا تعرف الحياة الكاملة التي كانت ستأتي معه.
ولا تملك أن تجعل مجهولًا لم يقع دليلًا على أن الخير كان هناك حتمًا وأن حياتك الحالية أقل خيرًا في ميزان الله.
لا نحتاج إلى اختراع قصة مقابلة تقول إن كل ما فاتك كان سيؤذيك. هذا أيضًا جزم بما لا نعلم.
يكفي أن تقول:
لا أعرف.
وهذه الكلمة قد تكون عبادة.
لا أعرف ماذا كان سيحدث. لا أعرف كيف كان ذلك الطريق سينتهي. ولا أحتاج أن أعرف حتى أطيع الله في الطريق الذي أنا فيه الآن.
ما الذي يمكن إنقاذه اليوم؟
العلاج ليس أن تقنع نفسك بأنك راضٍ عن كل قرار اتخذته. بعض القرارات كانت سيئة. وبعضها يحتاج إلى توبة. وبعضها يحتاج إلى إصلاح آثار.
لكن بدل أن تستخدم الماضي لإدانة نفسك، استخدمه لتحديد ما تحتاج إلى تغييره اليوم.
إن ندمت لأنك لم تتعلم، فتعلم الآن. إن ندمت لأنك أهملت صحتك، فابدأ بما تستطيع الآن. إن ندمت لأنك لم تصل رحمًا، فاتصل اليوم. إن ندمت لأنك أضعت وقتًا، فلا تضيع اليوم أيضًا وأنت تحزن على الوقت الذي أضعته.
وهنا المفارقة المؤلمة:
قد يسرق منك الحزن على السنوات الضائعة… سنوات جديدة.
وتجد بعد خمس سنوات أنك لا تحزن فقط على الماضي الأول. بل على السنوات التي قضيتها في الحزن عليه.
لذلك لا تطلب من الماضي أن يعطيك حياة أخرى. خذ منه درسًا واحدًا واضحًا.
ثم عد.
ليس مطلوبًا أن تحب كل ما حدث
يمكنك أن تقول:
كنت أتمنى لو أن الأمر كان مختلفًا.
وتبقى مؤمنًا.
يمكنك أن تحزن على فرصة. وأن تتألم من خطأ. وأن تشعر أحيانًا بأن العمر مضى أسرع مما كنت تتوقع. هذه مشاعر بشرية.
المشكلة ليست أن تزورك. المشكلة أن تسلمها مفاتيح تعريف حياتك كلها.
أن تقول:
لأنني لم أعش تلك الحياة، فلا قيمة لهذه.
أو:
لأنني لم أصبح الشخص الذي تخيلته، فقد انتهى ما يستحق أن يُبنى.
هذا ليس حكمًا صادرًا من القدر. هذا تفسير صنعه الحزن.
ويمكنك أن ترفضه.
الحياة التي بقيت ليست أقل حقيقة
ربما لن تحصل على بعض ما كنت تريده. وربما فات وقت بعض الأشياء فعلًا. وهذا مؤلم.
لكن ما دام في العمر يوم، فهناك عبودية لم تُعش بعد. خير لم يُفعل بعد. علاقة يمكن إصلاح شيء منها. علم يمكن تعلمه. ذنب يمكن تركه. قلب يمكن أن ينضج. وشيء من الدنيا يمكن أن يُبنى دون أن يحتاج إلى استعادة عشرين سنة مضت.
لا تجعل ما لم تعشه يسرق منك ما تستطيع أن تعيشه.
ولا تجعل طريقًا مجهول النهاية يبدو في ذاكرتك وكأنه الجنة التي أُغلقت في وجهك.
تعلم من قرارك. اعترف بخطئك إن أخطأت. أصلح ما تستطيع. ثم اترك لله ما لا تستطيع إعادته.
فالحياة التي لم نعشها ليست دائمًا حياة فقدناها؛ كثيرًا ما تكون احتمالًا جمّلناه بعد فواته، ثم سمحنا له أن يحاكم الحياة الوحيدة التي ما زالت بين أيدينا.
وما بين يديك الآن…
هو المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تعبد الله، وتصلح، وتبدأ، وتعود.