كيف أطمئن قلبي بالله وأنا لا أعرف ماذا سيحدث؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد تعرف كل الكلام الصحيح، ومع ذلك يبقى قلبك خائفًا.

تعرف أن الله رحيم، وأنه على كل شيء قدير، وأن الأمر كله بيده. تدعو، وتذكر الله، وتحاول أن تحسن الظن به، وربما تقول لنفسك عشرات المرات: توكلت على الله.

ثم، بعد قليل، يعود السؤال من جديد:

لكن ماذا سيحدث؟

هل سينتهي هذا الأمر كما أرجو؟ هل سيبقى ما أخاف فقده؟ هل يفتح الباب؟ هل يأتي الفرج؟ هل يحدث ما أخشاه؟

وهنا قد تظن أن مشكلتك أنك لا تثق بالله بما يكفي، بينما يكون موضع الاستنزاف أحيانًا أدق من ذلك بكثير:

أنت تؤمن بالله، لكن قلبك ما يزال يحاول أن يحصل على الطمأنينة من معرفة النتيجة.

يقول في داخله: لو عرفت فقط أن النهاية ستكون بخير، لهدأت. لو ظهرت علامة واحدة تطمئنني. لو تأكدت أن هذا الذي أخشاه لن يقع، أو أن ما أريده سيأتي، لاستراح صدري.

فتصبح راحتك معلقة على خبر لم يصل، أو باب لم يفتح، أو غيب لم يُكشف لك بعد.

وهنا يظهر السؤال الحقيقي:

هل أريد أن أطمئن بالله، أم أريد من الله أن يكشف لي من المستقبل ما يجعلني مطمئنًا؟

الفرق بين الاثنين أعمق مما يبدو.

مشهد هادئ لطريق متشعب بين الجبال عند الغروب مع عنوان: كيف أطمئن قلبي بالله؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يصبح الغد شرطًا لراحة اليوم

النفس تحب أن تعرف؛ لأن المعرفة تمنحها شيئًا من الإحساس بالسيطرة. ولهذا يكون المجهول ثقيلًا.

أنت لا تعرف ما الذي سيحدث بعد أسبوع، ولا كيف ستنتهي المشكلة، ولا أي الاحتمالات سيتحقق. فتبدأ النفس بمحاولة سد هذه الفجوة: تفكر، وتحلل، وتراقب التفاصيل، وتعيد قراءة الإشارات، وتبني الاحتمالات فوق الاحتمالات.

وقد يكون بعض هذا التفكير نافعًا حين يقودك إلى قرار أو سبب تستطيع فعله. لكن المشكلة تبدأ عندما ينتهي العمل الممكن، ويستمر العقل في الدوران؛ لا لأنه سيصل إلى معلومة جديدة، بل لأنه يحاول أن ينتزع من الغيب قدرًا من اليقين يكفي ليهدأ.

فتراجع الأمر مرة أخرى. ثم مرة أخرى. ثم تقول: ربما فاتني شيء. ثم تبني سيناريو جديدًا.

ومع كل جولة تشعر أنك تبحث عن حل، بينما أنت في الحقيقة تبحث عن ضمان.

لكن الغيب لا ينكشف لأنك فكرت فيه أكثر.

ولهذا قد تتعب كثيرًا وأنت تحاول العثور على الطمأنينة في مكان لم يجعل الله أصل الطمأنينة فيه.

قال سبحانه:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]

لم يربط الله طمأنينة القلب بانكشاف الغيب، ولا باكتمال الأسباب، ولا بأن تأتي الحياة دائمًا بالصورة التي نحبها.

ربطها به سبحانه.

وهذا أعمق من مجرد ترديد كلمات تطمئن النفس لحظات. أن تذكر الله حقًا هو أن يعود إلى مركز رؤيتك للأمر: العليم حين تجهل، والقدير حين تعجز، والرحيم حين يشتد خوفك، والوكيل حين تجد نفسك تحاول أن تحمل بيديك ما لم يُطلب منك أن تحمله.

أنت لا تحتاج أن تعرف النتيجة حتى تعرف أين الأمر

قد لا تستطيع الآن أن تقول: هذا الذي أتمناه سيحدث. ولا تملك دليلًا على ذلك أصلًا.

وقد لا تستطيع أن تقول: هذا الذي أخافه لن يقع.

لكن هناك حقيقة تستطيع أن تقف عليها مهما غابت عنك التفاصيل:

ما تخافه ليس خارجًا عن ملك الله.

الإنسان الذي تنتظر قراره عبد لله. والسبب الذي تخشى سقوطه لا يعمل مستقلًا عن الله. والغد الذي يرهقك التفكير فيه لم يخرج عن علمه. والحدث الذي لا تعرف كيف ستواجهه، إن وقع، فلن يقع في كون غاب الله عنه أو خرج لحظة عن سلطانه.

قال سبحانه:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[هود: 123]

تأمل هذا الترتيب: الغيب لله، والأمر كله يرجع إليه، ثم يأتي التوجيه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾.

لم يقل لك: اكشف الغيب أولًا حتى يطمئن قلبك.

بل دلّك على ما تفعله وأنت لا تعرف.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي: بدل أن يبقى السؤال المسيطر على قلبك: ماذا سيحدث؟، يتعلم أن يسأل:

ومن الذي بيده ما سيحدث؟

هذا السؤال لا يعطيك خريطة الغد، لكنه يعيد الغد إلى مالكه.

الطمأنينة بالله لا تعني أن تختفي إنسانيتك

ومن المهم هنا ألا تظلم نفسك بفهم غير صحيح للطمأنينة.

قد تثق بالله وتخاف. قد تتوكل عليه ثم تبكي. قد تعلم أن الأمر بيده، ومع ذلك يؤلمك احتمال الفقد. وقد يكون قلبك ثابتًا في يوم، ثم يثقله الخوف في يوم آخر.

هذا كله لا يعني تلقائيًا أن إيمانك زائف، ولا أن توكلك معدوم.

فالطمأنينة ليست غياب كل انفعال بشري. ليست أن يصبح المؤمن لا يخاف ولا يحزن ولا يضيق صدره.

إنما معناها أن يبقى تحت هذه المشاعر أصل لا يسقط:

أن الله لم يفقد السيطرة لأنني خفت. وأن رحمته لا تتغير لأنني لم أفهم. وأن جهلي بما سيحدث لا يعني أن ما سيحدث بلا علم أو تدبير.

قد يهتز سطح القلب، لكن لا ينخلع أصله من الله.

وهذا فرق كبير بين إنسان يتألم وهو يعرف إلى أين يعود، وإنسان جعل ألمه نفسه دليلًا على أن كل شيء ضاع.

القلق لا يريد منك جوابًا واحدًا

وهنا سر مهم.

قد تقول: لو عرفت جواب هذا السؤال فقط، لهدأت.

لكن القلق في كثير من الأحيان لا يكتفي بالجواب.

إذا اطمأننت إلى هذا الاحتمال، فتح لك احتمالًا آخر. وإذا تأكدت من هذا السبب، قال لك: وماذا لو سقط السبب؟ وإذا جاءك خبر مطمئن اليوم، بدأ يسأل عن الغد.

لأن القلق لا يطلب دائمًا معلومة؛ أحيانًا يطلب سيطرة كاملة على شيء لا تملكه أصلًا.

ولهذا فإن محاولة إسكاته بمزيد من التفكير قد تتحول إلى دائرة لا تنتهي.

كل إجابة تلد سؤالًا آخر؛ لأن المشكلة لم تعد في السؤال نفسه، بل في الفكرة التي تحته:

لن أسمح لنفسي أن أطمئن حتى أضمن المستقبل.

وهنا يكون العلاج من جنس الخلل.

ليس أن تعطي العقل عشرين جوابًا إضافيًا، بل أن تتوقف عن تكليفه بوظيفة ليست له.

عقلك يستطيع أن يخطط. ويستطيع أن يقارن. ويستطيع أن يتخذ سببًا. لكنه لا يستطيع أن يضمن الغيب.

ماذا تفعل عندما يبدأ قلبك في الدوران؟

حين يشتد عليك القلق، لا تبدأ فورًا بمطاردة كل احتمال.

اسأل نفسك بهدوء:

ما الشيء الذي يطلبه قلبي الآن حتى يسمح لنفسه أن يهدأ؟

هل يريد ضمان بقاء مال؟ موافقة إنسان؟ نتيجة تحليل؟ نجاح خطة؟ فتح باب بعينه؟ تأكدًا أن ما تخشاه لن يقع؟

سمِّه.

فمجرد تسميته يكشف موضع التعلق.

ثم قل لنفسك: أنا أريد هذا الأمر، وسأسعى إليه، وسأدعو الله به، لكنني لن أجعله المصدر النهائي لأماني.

بعد ذلك افصل بين أمرين اختلطا عليك: ما عليك، وما ليس إليك.

ما عليك افعله.

إن كان هناك سبب، فخذه. إن احتجت إلى طبيب، فاذهب. إن احتجت إلى عمل، فاعمل. إن احتجت إلى سؤال أو تخطيط أو استشارة، فافعل ذلك.

أما ما ليس إليك، فلا تحاول أن تحمله بكثرة التفكير.

التفكير في الغيب لا يحول الغيب إلى يدك.

ثم ارجع إلى الله من نفس الباب الذي دخل منه خوفك.

إذا أخافك المجهول، فتذكر أنه سبحانه عليم. إذا أخافك العجز، فتذكر أنه قدير. إذا أقلقك الرزق، فتذكر أنه الرزاق. إذا شعرت أن الأمر أكبر من تدبيرك، فتذكر أنه الوكيل.

لا تجعل أسماء الله مجرد كلمات تقولها لتخدير القلق؛ اجعلها حقائق تصحح بها رؤيتك.

أنت لا تعرف؛ والله يعلم. أنت لا تملك كل الأسباب؛ والله لا يعجزه شيء. أنت لا تستطيع أن تضمن الغد؛ والغد في ملكه.

وهكذا يتعلم القلب الطمأنينة.

ليس دائمًا في لحظة واحدة.

قد يقلق ثم يعود. قد يسرح في الاحتمالات ثم ينتبه ويعود. قد يتعلق بسبب، ثم يذكر نفسه أن السبب ليس ربًا، فيعيده إلى حجمه ويعود.

ومع الوقت يصبح الرجوع إلى الله أقرب طريق يعرفه القلب حين يخاف.

لا تجعل الشعور شرطًا للتوكل

قد تفعل كل هذا وتبقى في صدرك بقية خوف.

لا تجعلها حكمًا عليك.

من أخطاء الإنسان أن يقول: ما دمت لا أشعر بالسكينة الكاملة، فلا بد أنني لم أتوكل حقًا.

ليس بالضرورة.

أحيانًا يعرف القلب الحق، لكنه يحتاج إلى مجاهدة حتى يستقر عليه.

وأحيانًا تكون الطمأنينة نفسها ليست غياب الخوف، بل رفضك أن تجعل الخوف قائدًا لك.

أن تقول:

أنا خائف، لكنني لن أكتب من خوفي حكمًا على الله.

أنا لا أعرف، لكنني لن أجعل جهلي دليلًا على غياب التدبير.

أنا أحب نتيجة بعينها، وسأدعو الله بها، لكنني لن أزعم أن الخير لا يكون إلا فيها.

أنا سأفعل ما أستطيع، ولن أستنزف نفسي بمحاولة حمل ما ليس في قدرتي.

وهنا تتحول الطمأنينة من شعور تنتظره إلى موقف قلبي تمارسه.

لا تنتظر أن يصبح صدرك خاليًا من القلق حتى ترجع إلى الله.

ارجع إليه بالقلق نفسه.

وربما هذا ما يحتاج قلبك أن يتعلمه

ليس كل مجهول يحتاج إلى أن ينكشف حتى تعيش.

وليس كل سؤال عن الغد مطلوبًا منك أن تجد له جوابًا اليوم.

بعض الأسئلة ليس علاجها مزيدًا من المعلومات، بل إعادة القلب إلى حدوده:

أنا لا أعلم.
ولا أملك.
ولا أرى الطريق كله.

لكنني لست في كون بلا رب.
ولست في غد خرج من ملك الله.
ولست مطالبًا أن أحمل بعقلي ما استأثر الله بعلمه.

خذ بالأسباب. ادع الله بما تحب. اطلب منه العافية والفرج. ابك إن أثقلك الأمر. وتمنَّ ما تشاء من فضله.

لكن حين يقول لك قلبك:

لن أطمئن حتى أعرف ماذا سيحدث…

ذكّره بما هو أثبت من كل توقع:

لست بحاجة إلى أن أعرف كل ما سيحدث حتى أطمئن؛ يكفيني أن أعرف من بيده ما سيحدث.

تعليقات

عدد التعليقات : 0