حين لا تحتاج إلى أن تعرف ماذا سيحدث… بل إلى ألا تجعل ألم اليوم يكتب حكم الغد
أحيانا لا يأتي اليأس لأن الإنسان لم يسمع ما يكفي من الكلام عن الأمل. بل يأتي لأنه أمل كثيرا. دعا كثيرا. انتظر كثيرا. طرق أبوابا ظن أنها ستفتح. أعاد المحاولة بعد الخيبة. وقال لنفسه مرات: لعلها تفرج.
ثم مضت الأيام، وربما الشهور والسنوات، ولم يحدث الشيء الذي كان ينتظره.
وهنا يبدأ في القلب شيء أدق من الحزن. لا يعود الإنسان يقول فقط:
أنا متعب مما يحدث.
بل يبدأ يقول:
لن يتغير شيء.
وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تنتبه إليها.
لأن التعب يصف حالك الآن. والحزن يصف أثر ما مررت به. أما اليأس فيفعل شيئا آخر: يأخذ ما حدث بالأمس، ويجعله دليلا على ما سيحدث غدا.
كأن قلبك يقول:
تأخر الفرج من قبل، إذن سيتأخر دائما.
أغلقت أبواب كثيرة، إذن لن يفتح باب.
دعوت ولم أر ما كنت أريد، إذن لا شيء ينتظرني إلا امتداد ما أنا فيه.
وهكذا يتحول الألم من تجربة تعيشها… إلى نبوءة تصدقها.
وهنا يبدأ الطريق إلى استعادة الأمل.
ليس بأن تقنع نفسك أن كل شيء سيتغير غدا. ولا بأن تردد لنفسك أن ما تتمناه سيقع حتما.
بل بأن تسحب من ألمك سلطة لم يعطها الله له: سلطة أن يخبرك بالمستقبل.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- اليأس كثيرا ما يبدأ من خطأ خفي
- الأمل ليس أن تقول: سيحدث ما أريد
- انظر إلى يعقوب عليه السلام
- ربما أنت لا تحتاج إلى أمل أكبر… بل إلى حكم أقل
- ولا تجعل طول الانتظار حجة على الله
- وقد يكون باب الأمل الذي تحتاجه مختلفا
- كيف أستعيد الأمل إذن؟
- لا تطلب من نفسك أن ترى الفجر من داخل الليل
- عندما يعود اليأس
- وفي النهاية…
اليأس كثيرا ما يبدأ من خطأ خفي
حين تتكرر الخيبة، يفعل العقل شيئا مفهوما: يحاول حماية الإنسان من صدمة أخرى.
فيقول له:
لا تتوقع شيئا.
لا تنتظر شيئا.
لا تفتح قلبك لاحتمال جديد.
احسم الأمر من الآن: لن يحدث شيء.
ويبدو هذا أحيانا كأنه واقعية. لكنه ليس دائما كذلك.
لأن هناك فرقا بين أن تقول:
لا أعرف ماذا سيحدث.
وبين أن تقول:
أعرف أنه لن يحدث خير.
الأولى اعتراف بحدود علمك. والثانية حكم على غيب لا تملكه.
قد تكون أسبابك ضعيفة. وقد تكون الأبواب التي أمامك مغلقة. وقد لا ترى في واقعك الآن ما يدعوك إلى التفاؤل. كل هذا قد يكون صحيحا.
لكن الشيء الذي لا تعرفه هو:
هل انتهت القصة عند الصورة التي تراها الآن؟
وأنت لا تملك أن تجيب عن هذا السؤال.
ولهذا فاستعادة الأمل لا تبدأ من معرفة المستقبل. بل من التوقف عن الادعاء أنك عرفته من شدة ما تألمت.
الأمل ليس أن تقول: سيحدث ما أريد
وهذه من أهم الفروق.
بعض الناس لا يستطيع أن يستعيد الأمل لأنه يظن أن الأمل يعني أن يقنع نفسه:
سأتزوج الشخص الذي أريده.
سأشفى بالطريقة التي أتخيلها.
سأحصل على هذا العمل.
سيعود ما فقدته.
ستنتهي مشكلتي قريبا.
فإذا لم يستطع ضمان هذه الأشياء، قال:
إذن لا أستطيع أن آمل.
لكن هذا يربط الأمل بسيناريو واحد. فإذا سقط السيناريو، سقط معه القلب.
أما الأمل بالله فأوسع من ذلك.
الأمل ليس أن تقول: أنا أعرف ماذا سيفعل الله. بل أن تقول: أنا لا أعرف ماذا سيفعل الله، ولذلك لن أجعل جهلي دليلا على أنه لن يأتي بخير.
فرق كبير.
الأمل ليس علما بالغيب. وليس ضمانا لنتيجة دنيوية بعينها. وليس إنكارا لاحتمال استمرار بعض الألم.
إنه ألا تغلق بقلبك كل الأبواب التي لم يغلقها الله بعلم منك.
أن تترك مساحة تقول فيها:
ما أراه ليس كل ما يعلمه الله.
وما أستطيع تصوره ليس كل ما يستطيع الله أن يقدره.
انظر إلى يعقوب عليه السلام
حين فقد يوسف، لم يكن ألمه قصيرا. ومع مرور الزمن، لم تكن الوقائع الظاهرة أمامه تقول إن يوسف سيعود إليه قريبا. ثم فقد أخاه أيضا.
ومع ذلك قال لأبنائه:
﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله﴾.
تأمل: لم يكن رجاؤه قائما على مشهد مريح أمام عينيه. بل جاءت كلماته في وقت كان فيه الواقع شديدا.
وهذا لا يعني أن المؤمن لا يحزن. في القصة نفسها حزن يعقوب حزنا عظيما. فالقرآن لم يجعل الحزن نقيض الرجاء. ولم يجعل الألم دليلا على ضعف الإيمان.
لكن الحزن شيء، وأن تجعل حزنك يحكم بأن رحمة الله قد انتهت إليك شيء آخر.
يمكن أن تبكي وتبقى راجيا. يمكن أن تتعب وتبقى راجيا. يمكن أن تقول: لا أعرف كيف ستنفرج هذه العقدة، وتبقى راجيا.
لأن الرجاء ليس غياب الوجع. الرجاء هو ألا تجعل الوجع يتكلم باسم الله عن مستقبل لا يعلمه إلا الله.
ربما أنت لا تحتاج إلى أمل أكبر… بل إلى حكم أقل
نحن كثيرا ما نحاول علاج اليأس بإنتاج مشاعر قوية. نريد أن نستيقظ فجأة ونحن مملوؤون بالحماس. نريد أن نشعر أن الفرج قريب. نريد يقينا داخليا بأن الأمر سيتغير.
لكن ربما لا تحتاج إلى كل ذلك. ربما يكفي في البداية أن تتوقف عن إصدار الأحكام.
بدلا من:
لن يتغير شيء.
قل:
لا أعرف ماذا سيحدث.
وبدلا من:
انتهت فرصتي.
قل:
انتهت بعض الطرق التي كنت أعرفها.
وبدلا من:
لن يأتي خير بعد هذا.
قل:
أنا الآن لا أرى الخير الذي يمكن أن يأتي بعد هذا.
قد تبدو الفروق صغيرة. لكنها ليست كذلك.
أنت في الجملة الأولى تغلق المستقبل. وفي الثانية تتركه لله.
وهذه المسافة الصغيرة بين:
لن يحدث
و
لا أعرف
قد تكون أول نافذة يدخل منها الأمل إلى قلبك من جديد.
ولا تجعل طول الانتظار حجة على الله
من أكثر ما يرهق القلب أنه يبدأ بعد مدة في جمع الأدلة. دعوت ولم يحدث. حاولت ولم يحدث. انتظرت ولم يحدث. ثم يبني منها نتيجة: إذن لن يحدث.
لكن تكرار الماضي لا يحولك إلى عالم بالغيب. ألف يوم مضى بطريقة معينة لا يخبرك يقينا بما كتبه الله في اليوم التالي.
ولا يعني هذا أن اليوم التالي سيحمل بالضرورة ما تتمناه. هذه ليست الرسالة.
الرسالة أدق: أنت لا تعرف.
واليأس يريد منك أن تنسى هذه الحقيقة. يريد أن يحول الاحتمال إلى يقين. والخوف إلى معرفة. والماضي إلى قدر مكتوب على المستقبل.
فلا تعط ألمك هذه المكانة.
وقد يكون باب الأمل الذي تحتاجه مختلفا
أحيانا نستعيد الأمل بالطريقة الخطأ. نقول: لا بد أن أصدق أن مشكلتي ستنتهي كما أريد.
لكن ماذا لو كان الأمل الأعمق هو أن تعلم أن حياتك ليست معلقة كلها على حل واحد؟
وأن الله قادر أن يفتح لك من المعاني والطرق والخيرات ما لا يوجد الآن في خريطتك؟
نحن نتألم أحيانا مرتين: مرة من الواقع. ومرة لأننا حصرنا النجاة في صورة واحدة. فإذا تعطلت الصورة قلنا:
انتهى كل شيء.
ولم ينته كل شيء.
الذي انتهى ربما تصور من تصوراتك. والذي أغلق ربما باب من الأبواب التي كنت تعرفها. أما تدبير الله فلا تملك خريطته حتى تحكم أنه انتهى.
كيف أستعيد الأمل إذن؟
ابدأ من مكان أكثر صدقا من التفاؤل المصطنع.
لا تقل لنفسك ما لا تعرفه.
لا تقل:
كل شيء سيكون كما أريد.
ولكن لا تقل أيضا:
لن يأتي شيء.
قل:
يا رب، أنا لا أعرف ماذا بقي في الطريق، لكنني لا أريد أن أجعل ألمي أعلم بمستقبلي منك.
ثم افعل ما تستطيع فعله اليوم. دعاء تستطيع أن تدعوه. بابا مشروعا تستطيع أن تطرقه. قرارا تستطيع إصلاحه. خطوة صغيرة تستطيع القيام بها.
وربما يكون كل ما تستطيع فعله اليوم أن تنهض وتكمل يومك دون أن تصدر حكما نهائيا على حياتك. وهذا أيضا شيء.
فالأمل لا يعود دائما كضوء عظيم يملأ القلب دفعة واحدة.
أحيانا يعود كنافذة صغيرة:
ربما لست أعرف النهاية بعد.
ثم تتسع النافذة.
لا تطلب من نفسك أن ترى الفجر من داخل الليل
الليل لا يقدم لك دليلا بصريا على الصباح. لو حكمت بما تراه فقط، فكل ما حولك يقول: ظلام.
لكن نقص رؤيتك لا يعني نقص الحقيقة. وكذلك بعض مراحل حياتك.
قد لا يكون أمامك الآن شيء واضح. لا علامة مؤكدة. لا باب مفتوح. لا جواب يفسر لك لماذا تأخر الأمر.
وهنا لا يطلب منك الإيمان أن تخترع جوابا. ولا أن تسمي كل ألم خيرا قبل أن تعرف حكمته. ولا أن تدعي أنك سعيد بما يؤلمك.
لكن يطلب منك ألا تجعل الجزء الذي تراه هو كل الحقيقة.
قال تعالى:
﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾.
وليس معنى هذا أن كل عسر سينتهي في اللحظة التي تختارها، أو بالصورة التي رسمتها. لكن العسر ليس إلها يحكم مصيرك. ولا الواقع المغلق أمام عينيك يحيط بتدبير الله.
عندما يعود اليأس
سيعود أحيانا. قد تستيقظ يوما وأنت أثقل مما كنت بالأمس. وقد ترى شخصا حصل على ما تنتظره، فيوجعك ذلك. وقد تمر ذكرى تعيد إليك الخيبة كلها.
فلا تجعل عودة الحزن دليلا على أنك عدت إلى نقطة الصفر. ولا تحاسب نفسك لأنك لم تصبح إنسانا لا يتألم. فالقلب ليس آلة.
لكن كلما قال لك اليأس:
لقد انتهت القصة.
اسأله:
من أين عرفت؟
وكلما قال:
لن يأتي خير.
قل له:
هذه مخاوفي، وليست علما بالغيب.
وكلما حاول الماضي أن يكتب لك المستقبل، تذكر:
لقد عشت الماضي.
أما الغد، فلم تصل إليه بعد.
اقرأ أيضا: كيف أصبر على تأخر الفرج دون أن يفسد الانتظار قلبي؟
وفي النهاية…
ربما لا تحتاج اليوم إلى أن تعرف أن أمنيتك ستتحقق. ولا أن تحصل على علامة تخبرك أن الفرج قريب. ولا أن تشعر بطاقة كبيرة.
ربما يكفيك شيء أهدأ وأصدق:
أن تعيد المستقبل إلى صاحبه.
أن تقول:
يا رب، تعبت، وقد ضاقت رؤيتي، لكنني لن أجعل ضيق رؤيتي حكما على سعة قدرتك، ولن أجعل ما لم يحدث إلى الآن دليلا على ما لن يحدث أبدا.
ثم تمضي.
لا لأنك تعرف ماذا ينتظرك. بل لأنك عرفت أخيرا أن عدم معرفتك بما ينتظرك ليس دليلا على أن لا شيء ينتظرك.
وهذه إحدى أصدق صور الأمل:
أن يكون الطريق أمامك غامضا… ومع ذلك لا تسمح للألم أن يكتب كلمة:
النهاية.
في موضع لم يكتبها الله لك.