غياب علامات الفرج: الفرج لا يحتاج أن يرسل أمامه إشعارًا

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

أحيانًا لا تتعب لأن الفرج تأخر فقط.

تتعب لأنك لا ترى في المشهد شيئًا يقول لك إنه يمكن أن يقترب.

غياب علامات الفرج نفسه قد يصبح جزءًا من تعب الانتظار.

المشكلة كما هي. السبب الذي تنتظره لم يظهر. الأبواب التي تعرفها ما زالت مغلقة. والأيام تتشابه حتى يبدأ قلبك في قراءة هذا التشابه كأنه خبر عن الغد.

شخص يقف أمام أفق ساكن قبل الفجر يرمز إلى غياب علامات الفرج مع بقاء الرجاء بالله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تبحث عن إشعار يسبق الفرج

وهنا يقع شيء دقيق جدًا:

أنت لا تعود تبحث عن الفرج نفسه فقط، بل تبحث عن إشعار يسبقه.

شيء صغير يقول لك: استعد، الأمور بدأت تتحرك.

انفراجة أولية. خبر مختلف. سبب يظهر فجأة. شعور بالسكينة. رؤيا. مصادفة تلفت انتباهك. كلمة تتكرر أمامك.

ليس لأنك تريد التنبؤ بالغيب بالضرورة، بل لأن النفس المتعبة تريد أن تعرف: هل ما أتحمله الآن له نهاية قريبة، أم أن علي أن أستعد للمزيد؟

فالذي أنهكك ليس الألم وحده.

إنها مجهولية المسافة.

لو عرفت أن الطريق بقي منه يومان، ربما استطعت أن تجمع نفسك ليومين. لكنك تمشي ولا تعرف أين النهاية، ولذلك تبدأ النفس تلقائيًا في البحث عن العلامات على جانبي الطريق.

غياب العلامة ليس حكمًا على الغد

وهنا قد تنشأ قاعدة لم يقلها الله:

إذا اقترب الفرج، فلا بد أن أشعر بشيء.

لا بد أن يتغير شيء.

لا بد أن تظهر مقدمة.

ثم تمر الأيام، ولا يظهر شيء من ذلك.

فتقول في داخلك:

إذن لم يقترب شيء.

وهذه ليست معلومة.

إنها محاولة من القلب أن يستنتج الغيب من شكل الحاضر.

غياب العلامة لا يخبرك بشيء عن موعد الفرج.

لا يخبرك أنه قريب، ولا يخبرك أنه بعيد.

وهذه المساحة بالذات هي التي يصعب احتمالها: أن تبقى عبدًا لله من غير أن يمنحك الغيب تقريرًا مسبقًا عما سيحدث بعد قليل.

نحن اعتدنا أن الأشياء الكبيرة تأتي بمقدمات.

المطر تسبقه غيوم.

المرض قد تسبقه أعراض.

الخبر قد تسبقه ترتيبات.

والمشروعات تنمو مرحلة بعد مرحلة.

فتتسلل هذه القاعدة من عالم الأسباب إلى علاقتنا بقدر الله، وننسى أن الأسباب التي نراها ليست حدودًا لقدرة الله.

الله لا يحتاج إلى أن يجعل المشهد يتحسن أمام عينيك تدريجيًا حتى يقدر على تغييره.

ولا يحتاج أن يضع في قلبك إحساسًا مخصوصًا قبل أن يفتح ما شاء.

ولا أن يرسل إليك علامة تطمئنك أن تدبيره يعمل.

تدبير الله ليس متوقفًا على قدرتك على ملاحظته.

حين يكسر مشهد البحر قاعدة المقدمات

ولهذا كان مشهد البحر أمام موسى عليه السلام وأصحابه من أبلغ المشاهد في كسر هذه القاعدة النفسية.

قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].

انظر إلى المشهد قبل أن تعرف بقيته.

بحر أمامهم.

وجيش وراءهم.

لا ممر ظاهرًا.

لا مقدمة حسية تقول إن البحر بعد قليل سيكون طريقًا.

ولو حكم الإنسان بما تراه عيناه في تلك اللحظة وحدها، لقال ما قال أصحاب موسى:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

ثم جاء الأمر بعد ذلك:

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63].

هذه القصة لا تعطيك وعدًا بأن مشكلتك ستنتهي بالطريقة نفسها، ولا تحدد لك موعدًا، ولا تسمح لأحد أن يقول لك: أنت الآن في اللحظة التي تسبق الفرج.

لكنها تهدم وهمًا واحدًا مهمًا:

أن عدم ظهور الطريق أمامك يعني أن قدرة الله تحتاج أولًا إلى طريق ظاهر.

وهذا هو موضع السكينة.

ليس أن تقنع نفسك بأن الفرج غدًا.

ولا أن تجمع من حولك إشارات وتقول: يبدو أن الأمر اقترب.

ولا أن تجعل كل انشراح بشارة، وكل ضيق نذيرًا، وكل مصادفة رسالة خاصة عن الغيب.

السكينة الأصدق أعمق من ذلك:

أن تعرف أنك لا تعرف.

وأن يبقى الله قادرًا وإن لم تعرف.

أن تقول:

يا رب، لا أرى تغيرًا.

ولا أعرف متى يتغير هذا.

ولا أملك من الغيب شيئًا أطمئن به نفسي.

لكن جهلي بما ستفعله لا يغيّر شيئًا من قدرتك.

كيف تتوقف عن مراقبة إشعارات الغيب؟

هنا يتحرر القلب من وظيفة مرهقة لم يكلَّف بها:

مراقبة لوحة الإشعارات القادمة من الغيب.

فليس عليك أن تستيقظ كل صباح وتسأل مشاعرك:

هل أشعر اليوم أن شيئًا سيحدث؟

ولا أن تفحص الأحداث الصغيرة:

هل هذه بداية؟

هل تلك بشارة؟

هل هذا التيسير يعني أن النهاية قريبة؟

ولا أن تقلق إذا لم تجد شيئًا.

خذ بالأسباب التي تستطيعها.

ادع الله.

اسأله الفرج والعافية.

أخبره أنك تعبت.

وابك إن غلبك البكاء.

لكن لا تجعل طمأنينتك معلقة على أن يعطيك الله معاينة مسبقة لما كتب لك.

لأنك إن فعلت، فقد يتحول انتظار الفرج إلى مراقبة مستمرة للمشهد، وكل يوم لا يحمل جديدًا يصبح عندك دليلًا إضافيًا على أن شيئًا لا يحدث.

مع أنه في الحقيقة لا يثبت إلا أمرًا واحدًا:

أنك لم تر جديدًا اليوم.

فقط.

حقيقة اليوم ليست حكمًا على الغد

لا تحوّل المعلومة الصغيرة إلى حكم كبير.

ما زالت المشكلة قائمة: هذه حقيقة.

لم يظهر لك مخرج بعد: هذه حقيقة.

أنت متعب من طول الانتظار: هذه حقيقة.

أما أن تقول:

إذن لا شيء يمكن أن يتغير.

أو:

لو كان الفرج قريبًا لظهرت مقدماته.

أو:

لو كان الله سيفتح لي لرأيت علامة.

فهنا غادرت ما تعرفه إلى ما لا تعرفه.

والإيمان لا يطلب منك أن تنكر المشهد.

بل يمنع المشهد من أن يدّعي أنه يعرف الغيب.

قد تتغير بعض الأمور بالتدرج، وترى مقدماتها.

وقد يقع تغير لم تكن تملك قبل لحظات ما يدل عليه.

وقد يستمر بعض ما يؤلمك مدة لا تعرفها.

ولا أحد يملك أن يكتب لك السيناريو.

لكن في الحالات كلها، يبقى الأصل واحدًا:

الله لا يصبح أقدر حين ترى الأسباب، ولا تقل قدرته حين تختفي عنك.

وهذه ليست جملة لتخدير الألم.

ربما تستيقظ غدًا وتجد الحال كما هو، ويؤلمك ذلك فعلًا.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تقول:

«ما زال الحال كما هو اليوم».

وبين أن تقول:

«إذن لن يتغير».

الأولى شهادة عن يومك.

والثانية ادعاء على غدك.

وأنت لست مطالبًا بأن تعرف غدك كي تعبد ربك اليوم.

دع الغيب لله

لهذا، حين يرهقك السؤال: أين العلامات؟

لا تبحث بالضرورة عن علامة جديدة.

أعد السؤال إلى حجمه:

ومن قال إن الفرج يحتاج أن يرسل أمامه إشعارًا؟

الله سبحانه قادر أن يفتح ما شاء بالطريقة التي شاءها وفي الوقت الذي شاءه، ولا يلزم من ذلك أن يكشف لك مقدماته.

فلا تجعل هدوء المشهد حجة على المستقبل.

ولا تجعل تأخر الخبر خبرًا آخر لم يقله الله.

دع الغيب لله.

وخذ من يومك ما كُلّفت به.

وادع ربك من موضع العبد الذي يرجو، لا من موضع من يطلب كشف الستار قبل أن يواصل السير.

وإذا لم تر شيئًا يطمئنك من حولك، فليس مطلوبًا أن تخترع شيئًا.

يكفي أن تقول:

يا رب، أنا لا أعلم ما وراء هذا اليوم، وأنت تعلم.

لا أطلب أن أعرف الغيب حتى أثق بك.

ولا أريد أن أجعل غياب العلامات دليلًا على ما لم تخبرني به.

احفظ قلبي من أن يسبق قدرك بتفسيره.

وأعنّي أن أعبدك في المسافة التي لا أعرف طولها.

فالفرج، إن جاء، لا يحتاج أن يستأذن توقعاتك أولًا… ولا أن يرسل أمامه إشعارًا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0