لماذا أخاف إذا كنت أثق بالله؟ قوة الإيمان لا تعني غياب الخوف

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ربما مررت بيوم كنت فيه مطمئنًا على نحو عجيب. تدعو بثقة. وتقول: الله معي. وسأتوكل عليه.

ثم جاء يوم آخر. الخبر نفسه أخافك. والانتظار نفسه أثقلك. والأمر الذي كنت تتحدث عنه بالأمس بثبات، وجدته اليوم يهز قلبك.

فلم يؤلمك الخوف وحده. ظهر سؤال أشد قسوة: ماذا حدث لإيماني؟ بالأمس كنت قويًا. لماذا أنا اليوم هكذا؟ لماذا أخاف إذا كنت أثق بالله؟ لماذا أضطرب إذا كنت مؤمنًا؟ لماذا أحزن إذا كان قلبي متعلقًا به؟

ثم لا يعود عندك خوف واحد. يصير عندك خوفان: الخوف من الشيء… والخوف من أن خوفك نفسه دليل على ضعف إيمانك. ولا يعود الحزن حزنًا واحدًا. تحزن مما أصابك… ثم تحاكم نفسك لأنك حزنت.

وهكذا يتحول الانفعال البشري من ألم يحتاج إلى احتواء… إلى تهمة دينية ضدك.

تصميم رمزي يعبّر عن اهتزاز المشاعر مع إمكان ثبات الموقف الإيماني، لمقال لماذا أخاف إذا كنت أثق بالله؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الصورة القاسية للمؤمن القوي

ربما صنعت في ذهنك صورة معينة للمؤمن القوي. وجه هادئ دائمًا. قلب لا يرتجف. خبر سيئ لا يربكه. مستقبل مجهول لا يخيفه. مصيبة لا تغير نبرة صوته. دعاء طويل لا يتسلل إليه معه اضطراب.

وكأن قوة الإيمان تعني أن تنتقل من البشر إلى نوع آخر من الخلق. لا يخاف. لا يحزن. لا يضطرب. ولا يتعب.

ثم تقارن نفسك بهذه الصورة. وفي كل مرة لا تشبهها… تخسر المحاكمة.

لكن من قال إن هذه هي صورة الإيمان التي رسمها القرآن؟

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ۝ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾
[طه: 67-68]

أوجس في نفسه خيفة. موسى. كليم الله. نبي واقف في موضع حق. ومع ذلك… خاف.

والقرآن لم يحذف خيفته من القصة حتى يحافظ على صورة مثالية مصطنعة للنبي. ذكرها. ثم ذكر ما جاء بعدها: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾.

الخوف وقع. والوحي ثبته. فوجود الخوف لم يكن حكمًا على إيمان موسى.

الخوف ليس الحكم النهائي على إيمانك

وهذه نقطة تغير أشياء كثيرة. قد يأتي الخوف إلى القلب… دون أن يكون هو الحكم النهائي على القلب. وقد يأتي الحزن… ولا يكون شهادة على فساد يقينك. وقد تضطرب لحظة… ويظل فيك من الإيمان ما يعيدك إلى الله بعدها.

نحن نخلط أحيانًا بين: ما شعر به القلب. و: الموقف الذي اختاره القلب. وهما ليسا شيئًا واحدًا.

قد تخاف… ثم تصلي. قد تحزن… ثم تدعو. قد تضطرب… ثم تمنع لسانك من الاعتراض على الله. قد تضعف لحظة… ثم تعود. قد تقول: يا رب، أنا خائف. بدل أن تقول: إذن لا أثق بك.

وهنا يوجد إيمان قد لا تراه لأنك منشغل بمراقبة الخوف.

نحن نحب قياس الإيمان بما يمكن الشعور به فورًا. هل أنا مطمئن؟ إذن إيماني قوي. هل أنا خائف؟ إذن إيماني ضعيف. هل أشعر بالقرب؟ أنا بخير. هل جف قلبي؟ هناك مشكلة.

فتتحول الحياة الإيمانية إلى جهاز يقيس درجة الشعور كل ساعة. لكن المشاعر متحركة بطبيعتها. يزداد خوفك مع خبر. ويهدأ مع آخر. تتغير حالتك مع التعب. والانتظار. والضغط. والفقد. والأمان. والوحدة.

ثم تريد من شيء متقلب بطبيعته أن يكون المقياس الوحيد لشيء أعمق منه.

الإيمان له أثر في القلب. نعم. والذكر يطمئن القلب. نعم. واليقين يغير طريقة تلقينا للأحداث. نعم.

لكن من هنا إلى القول: المؤمن القوي لا يضطرب أبدًا، مسافة لم يعطنا النص حق قطعها.

ليس كل خوف ضعف إيمان. وليس كل هدوء قوة إيمان. قد يكون إنسان هادئًا لأنه لم يدرك حجم الخطر أصلًا. وقد يكون آخر خائفًا جدًا… لكنه مع خوفه أكثر تمسكًا بما أمر الله. وأبعد عن الحرام. وأسرع رجوعًا إليه.

فالهدوء النفسي شيء. وقوة الإيمان شيء أوسع منه.

زلزال شديد… وإيمان وتسليم

تأمل مشهد الأحزاب. لم يقل القرآن إن المؤمنين مروا بالأزمة كأن شيئًا لم يحدث. بل قال:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾
[الأحزاب: 11]

زُلزلوا. لم يقل: شعروا باضطراب يسير. بل: زلزالًا شديدًا.

ثم قال سبحانه عن المؤمنين حين رأوا الأحزاب:

﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: 22]

فاجمع الآيتين. زلزال شديد. ثم: إيمان وتسليم.

إذن حصول الاضطراب البشري لا يعني وحده انهيار الإيمان. قد يهتز الإنسان من شدة الموقف… ويثبت موقفه من الله.

قد يكون قلبك مضطربًا، ومع ذلك يكون موقفك من الله أكثر ثباتًا مما تظن.

أنت فقط كنت تبحث عن الثبات في المكان الخطأ. كنت تبحث عنه في غياب الرجفة. مع أن الثبات قد يظهر أحيانًا مع الرجفة وبعدها.

ماذا يفعل بك الخوف؟

ليس السؤال دائمًا: هل خفت؟ بل: ماذا فعل بك الخوف؟

هل قطعك عن الله؟ أم جعلك تطرق بابه أكثر؟ هل دفعك إلى الحرام؟ أم قاومت نفسك وأنت خائف؟ هل جعلك تنسب إلى الله ما لا يليق؟ أم قلت: أنا لا أفهم، لكنني لن أتهم ربي؟ هل تركت ما عليك لأنك اضطربت؟ أم بقيت تقيم ما تستطيع من حق الله رغم اضطرابك؟

هنا تظهر وجوه من قوة الإيمان. أقل استعراضًا. وأكثر صدقًا.

لكن هذا يحتاج إلى دقة أخرى. ليس المقصود أن كل خوف بريء من أثر الإيمان. فقد يكون بعض الخوف متغذيًا من سوء ظن. أو تعلق شديد بالأسباب. أو ضعف في التوكل. وقد يبلغ الحزن أو الخوف بالإنسان إلى قنوط أو اعتراض أو ترك لواجب، وهنا توجد أمور تحتاج إلى تصحيح.

إذن نحن لا نقول: كل خوف لا علاقة له بالإيمان. بل نقول: مجرد وجود الخوف لا يكفي وحده للحكم على قوة إيمانك أو ضعفه.

هناك فرق بين وجود الشعور… وبين الاعتقاد الذي يغذيه. وبين السلوك الذي يقودك إليه.

قوة الإيمان ليست استعراضًا نفسيًا. ليست أن تقول: أنا لا أخاف شيئًا. وقد تكون خائفًا في الداخل. وليست أن تخفي دمعتك حتى تبدو ثابتًا. ولا أن تقمع كل انفعال بسرعة كي لا يراك أحد فيتهم يقينك.

قد يكون هذا كله مجرد خوف جديد: الخوف من صورة الضعيف.

وأحيانًا لا تكون مشكلتك أنك ضعيف الإيمان. بل أنك تملك تصورًا قاسيًا عن الإيمان القوي. تصورًا لا يسمح للبشر بأن يكونوا بشرًا.

تقول لنفسك: المؤمن لا يهتز. المؤمن لا يتردد. المؤمن لا يخاف المستقبل. المؤمن لا يحزن كثيرًا.

فإذا وقع شيء من هذا، لم تقل: أنا إنسان أمر بلحظة صعبة. بل قلت: أنا سيئ مع الله.

وهكذا تتحول المعاني الإيمانية التي يفترض أن تأويك… إلى معيار تضرب به نفسك.

لكن القرآن لم يربِّ الإنسان على إنكار بشريته.

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86]

كان هناك حزن. ولم يحتج يعقوب إلى أن ينكر اسمه حتى يكون نبيًا. حزن. وحمل حزنه إلى الله.

فالفرق ليس دائمًا بين: مؤمن لا يحزن. وضعيف يحزن. قد يكون الفرق بين قلب يحمله حزنه بعيدًا عن الله… وقلب يحمل حزنه إلى الله.

وهذه هي النقطة التي تفوتنا. حين تأتي المشاعر الثقيلة، ننشغل بوجودها. لكن وجودها وحده لا يقول كل شيء عنك.

السؤال الأعمق: أين تأخذها؟ إلى من تشكوها؟ ماذا تختار تحت ضغطها؟ ما الذي يبقى منك حين يتغير الشعور؟

تخيل شخصًا يقول: أنا مطمئن تمامًا. لكنه عند أول اختبار يترك ما يعرف أنه حق. وشخصًا آخر يقول: أنا خائف جدًا. ثم يقوم للصلاة. ويحفظ لسانه. ويمتنع عن الحرام. ويقول: يا رب، أعنّي.

هل يكفي أن تقول إن الأول أقوى إيمانًا فقط لأنه أهدأ؟ لا.

السكينة نعمة. لكن الشعور بالسكينة وحده ليس شهادة نهائية على قوة الإيمان. كما أن الخوف وحده ليس شهادة نهائية على ضعفه.

وربما لهذا يكون بعض أقوى مواقف الإيمان غير صاخب. لا يبدو كالشجاعة التي في الخطب.

يبدو أحيانًا كإنسان يجلس وحده ويقول: يا رب، أنا خائف جدًا… لكنني لن أذهب إلى الباب الذي حرمت. أنا متعب… لكنني سأصلي. أنا لا أفهم ما يحدث… لكنني لن أقول عنك ما لا يليق. أنا لا أشعر بالطمأنينة التي كنت أشعر بها بالأمس… لكنني ما زلت هنا. يا رب، ما زلت هنا.

هذه الجملة قد تحمل من الثبات أكثر مما تظن.

الإيمان لا يُختزل في الشعور

لأننا نخطئ حين نظن أن الإيمان لا يكون قويًا إلا عندما يساعده الشعور. أحيانًا تظهر مجاهدتك أوضح حين لا يساعدك الشعور.

حين لا تشعر بالحماس… وتطيع. حين لا تشعر بالسكينة… ولا تترك الدعاء. حين يضغط عليك الخوف… ولا يغير قبلتك. حين يكون الرجوع إلى الله ثقيلًا… وترجع.

ليس المقصود أن الألم هو الذي يجعل الإيمان قويًا. ولا أن عليك أن تبحث عن الاضطراب لتثبت صدقك.

بل المعنى: لا تحتقر طاعتك لأنها خرجت من قلب مرتجف. قد تكون ثقيلة عليك. ولهذا احتاجت منك مجاهدة.

المجاهدة والرجوع حين لا يساعدك الشعور

والمجاهدة جزء من الطريق.

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[العنكبوت: 69]

فأنت لست مطالبًا بأن تصبح كل طاعة سهلة عليك حتى تصح عبوديتك. قد تجاهد خوفًا. وترددًا. وكسلًا. وتعلقًا. وضعفًا.

وقوة الإيمان لا تعني غياب كل ما تجاهد. وإلا، فما معنى المجاهدة؟

وقد تقول: لكن أليس الخوف أحيانًا نتيجة ضعف يقين؟ قد يكون. كما أن بعض صور الحزن والقلق قد تتغذى من أفكار خاطئة، أو ضعف في التوكل، أو تعلق زائد بالأسباب.

ليس المطلوب أن نقول إن كل شعور منفصل تمامًا عن حال القلب. هذا تبسيط آخر.

لكن المطلوب شيء أدق: لا تستطيع أن تحكم على قوة إيمان إنسان من مجرد وجود الخوف أو الحزن فيه.

تحتاج إلى الصورة الأوسع. ما الذي يعتقده؟ ماذا يقول عن الله؟ كيف يعمل؟ إلى أين يعود؟ ماذا يفعل حين يخاف؟ وما الذي يسمح للخوف أن يفعله به؟

قد يكون خوفك محتاجًا إلى تصحيح فكرة. وقد يكون محتاجًا إلى مزيد من الذكر. وقد يكون سببه موقفًا مخيفًا فعلًا. وقد تكون مرهقًا. وقد يكون خليطًا من أشياء كثيرة.

فلماذا تقفز مباشرة إلى أقسى تفسير؟ إيماني ضعيف.

ربما عندك موضع يحتاج إلى تقوية. وكلنا محتاجون إلى الزيادة والثبات. لكن ليس كل اهتزاز انهيارًا.

وهناك فرق بين أن تقول: أريد أن يقوى إيماني حتى يثبتني الله. وبين: لن أقبل نفسي مؤمنًا حتى لا أشعر بالخوف مرة أخرى.

الأولى طلب للزيادة والثبات. والثانية تجعل انعدام الشعور البشري شرطًا لم يجعله الله شرطًا للإيمان.

والإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة، وقد دل القرآن على زيادة الإيمان في مثل قوله عن المؤمنين يوم الأحزاب: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

ولذلك لا نحتاج إلى ادعاء ثبات كامل في كل ساعة. قد تمر بلحظة يكون قلبك فيها حاضرًا جدًا. ثم تمر بلحظة فتحتاج إلى أن تجمعه. قد تكون اليوم أسرع إلى الرجاء. وغدًا أبطأ. وقد تأتيك موعظة فتنتفع. ثم تعود النفس إلى ثقلها.

هذا لا يعني أن الأمر لا يهم. بل يعني أن الإيمان يحتاج إلى غذاء. ذكر. وصلاة. وقرآن. وتوبة. ومجاهدة.

لكنه يعني أيضًا أنك لا تحتاج إلى إعلان انهيار إيمانك كلما تغير شعورك.

ربما من أشد الأخطاء إنهاكًا أن تختزل الإيمان في الشعور. تنتظر أن تشعر بقوة كي تكون قويًا. أن تشعر بيقين كامل كي تتوكل. أن تشعر بحب العبادة كي تعبد. أن تشعر بالطمأنينة كي تدعو.

لكن ماذا لو لم تشعر؟ هل تنتهي العبودية؟ لا.

هنا تبدأ أحيانًا عبودية أخرى: أن تفعل الحق لأنك تعرف أنه حق، ولو لم تكن مشاعرك كلها واقفة خلفك.

قد تقوم للصلاة وقلبك ثقيل. ولا تشعر بتلك اللذة القديمة. لكن قيامك نفسه يقول شيئًا.

قد ترفع يديك وأنت لا تعرف ماذا تقول. ثم تقول فقط: يا رب. وهذه العودة تقول شيئًا.

قد تأتيك فكرة: الله تركني. ثم ترد عليها: لا أملك أن أقول عن الله هذا. وهذه المقاومة تقول شيئًا.

قد تخاف من غدك. ثم تمنع الخوف من دفعك إلى حرام. وهذا الثبات يقول شيئًا.

أحيانًا تبحث عن إيمانك داخل شعورك ولا تجده… لأن شيئًا من إيمانك في تلك اللحظة ظاهر في موقفك. في أنك لم تترك. في أنك عدت. في أنك قاومت. في أنك رغم كل ما فيك ما زلت تعرف أين الباب.

وهذه من أرحم الحقائق: قد تكشف عودتك إلى الله بعد الاهتزاز عن إيمان لم تكن تراه وأنت منشغلًا بالاهتزاز نفسه.

فالإيمان ليس قصة قلب لم يعرف الضعف. بل قصة عبد يعرف أين يرجع حين يضعف.

لا يعني هذا أن نحب التقلب. ولا أن نقول: لا بأس، لا أصلح شيئًا.

بل قوِّ قلبك. تعلم. واذكر الله. وصحح ما تعرف أنه خطأ. وخذ بأسباب السكينة المشروعة.

لكن افعل ذلك من موضع عبد يريد أن ينمو… لا من موضع متهم يحاكم نفسه على كل نبضة خوف.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]

فاطلب الطمأنينة من الله. لكن انتبه: الآية لا تعني أنك إن مررت بلحظة خوف فقد خرج قلبك من الإيمان. وإلا لما ذكر القرآن خوف موسى، وحزن يعقوب، وزلزلة المؤمنين.

الذكر يثبت القلب. ويغذيه. ويرده. لكن وجود حاجتك إلى التثبيت لا يعني أنك بلا إيمان.

من يحتاج إلى التثبيت ليس هو نفسه من لا إيمان له.

ولذلك حين تضطرب، لا تجعل أول سؤال: ما خطبي؟ اجعل قبله: إلى أين أذهب بهذا الاضطراب؟

حين تخاف: لا تسأل فقط: لماذا خفت؟ اسأل: ماذا سأفعل وأنا خائف؟

حين تحزن: لا تتهم إيمانك لأن الحزن جاء. اسأل: هل سيبعدني أم سأحمله إلى الله؟

وهنا تتضح الفروق. التوكل يسأل: كيف أتحرك وأنا لا أضمن النتائج؟ والصبر يسأل: كيف لا يدفعني الألم إلى ما لا يرضي الله؟ أما هذه المسألة فتسأل شيئًا آخر: هل مجرد أنني خفت وحزنت واضطربت يعني أن إيماني ضعيف؟

والجواب: ليس بمجرد ذلك. لا تجعل الشعور وحده قاضيًا. انظر إلى الصورة كلها. إلى اعتقادك. ورجوعك. وعملك. وثباتك على الحق. ومجاهدتك حين يصعب عليك الثبات.

وقد يكون من أعمق ما تحتاجه أن تتوقف عن مقارنة لحظتك الضعيفة بأقوى لحظاتك.

تقول: كنت قبل شهر أدعو بثقة عجيبة. أين ذهبت؟ كنت أقرأ القرآن فأبكي. لماذا لا أبكي الآن؟ كنت إذا حدثت مشكلة أقول فورًا: حسبنا الله. لماذا أخاف اليوم؟

لكن الإنسان لا يعيش في مستوى شعوري واحد. ولا يُختصر تاريخه مع الله في أسوأ ساعة مر بها.

فلا تجعل لحظة اضطراب تمحو سنوات من الرجوع.

وفي المقابل… لا تعش على تاريخك أيضًا. لا تقل: كنت قوي الإيمان، إذن أنا بخير مهما فعلت الآن.

الإيمان يحتاج حاضرًا. لكنه لا يحتاج منك أن تنكر كل خير فيك لأن حاضر شعورك متعب.

العدل أن ترى الأمرين: فيّ ضعف يحتاج إصلاحًا. وفيّ خير لا ينبغي أن أجحده.

وقد تكون في قلب معركة لا يراها أحد. الناس يرونك هادئًا. لكن داخلك مضطرب. وتظن أنك خسرت لأنك لا تشبه الصورة التي يتوقعها الجميع.

لكن الله يعلم ما تخفي الصدور. ويعلم مجاهدتك.

أردت أن تنفلت بالكلمة فسكت. وأردت أن تترك فبقيت. وأردت أن تيأس فقلت: يا رب. وأراد الألم أن يعرّف لك ربك فرفضت.

لا تقل عن كل هذه المعارك: لا قيمة لها لأنني كنت خائفًا وأنا أخوضها.

لا تخلط بين طبعك النفسي ومرتبتك الإيمانية

وربما كانت القوة التي تريدها ليست أن يصبح قلبك حجرًا. الحجر لا يخاف. لكنه لا يحب ولا يرجو أيضًا.

أنت تريد قلبًا حيًا. يتألم. ويحب. ويخاف. ويرجو. ثم يتعلم أن تكون هذه المشاعر تحت عبوديته لله، لا بدلًا عنها.

قوة الإيمان ليست موت الحساسية. وليست برودة الأعصاب. وليست شخصية لا تتأثر.

فقد يكون الإنسان قليل الانفعال بطبعه، ولا يكون ذلك عبادة أصلًا. وقد يكون رقيق القلب سريع التأثر، ثم يكون في موقفه من الله ثابتًا.

لا تخلط بين الطبع النفسي والمرتبة الإيمانية. فالناس مختلفون في طبائعهم. وفي مقدار تأثرهم. وفي طريقة تعبيرهم. والإيمان لا يصنع منهم نسخة شعورية واحدة.

وربما هذا يفسر لماذا تكون المقارنة مؤذية جدًا. ترى شخصًا يمر بمصيبة شبيهة بمصيبتك. يبدو ثابتًا. فتقول: انظر إلى إيمانه. وأنا؟

لكن ماذا تعرف عن داخله؟ وماذا تعرف عن طبعه؟ وماذا تعرف عن ليله؟ وماذا تعرف عما سبق هذه اللحظة؟

أنت تقارن باطنك بظاهر غيرك. ثم تصدر الحكم ضد نفسك.

ليس مطلوبًا منك أن تشبه فلانًا في طريقة حزنه. ولا فلانًا في درجة خوفه.

المطلوب أن تكون صادقًا مع الله في قلبك أنت. أن تسأله الثبات. وأن تصلح ما تستطيع. وأن لا تجعل اختلاف طبيعتك شهادة ضد إيمانك.

كيف تقيس نموك الإيماني؟

وقد تصل إلى يوم تقول فيه: أنا أخاف أقل مما كنت. وهذا خير.

وقد يأتي يوم تخاف فيه مرة أخرى. فلا تقل: عدت إلى الصفر.

الحياة الإيمانية ليست خطًا شعوريًا مستقيمًا لا ينخفض.

وقد يكون تقدمك الحقيقي أنك عندما خفت هذه المرة… عرفت أسرع إلى أين تذهب.

في الماضي كان الخوف يأخذك بعيدًا أيامًا. واليوم رجعت أسرع.

أليس هذا تغيرًا يستحق أن تراه؟

نحن نقيس النمو أحيانًا بالسؤال الخطأ: هل اختفى الخوف؟

وربما السؤال الأصدق: هل تغيرت علاقتي بالخوف؟ هل ما زال يعرّف لي ربي؟ هل ما زال يجعلني أترك كل شيء؟ هل ما زال يحكم قراراتي؟ هل صرت أسرع إلى الدعاء؟ أصدق في طلب العون؟ أشد تمسكًا بما أعرف أنه حق؟

هذه كلها وجوه من النمو قد لا تراها لأنك تنتظر صفر خوف.

وقد يكون أعظم التحول أن تقول: كنت أظن أن قوة الإيمان تعني أن لا أخاف. الآن أعرف أنها قد تعني أحيانًا: أن أخاف، ولا أعطي الخوف سلطة أن يقطعني عن الله.

كنت أظن أن القوة أن لا أحزن. الآن أعرف أنني قد أحزن، وأبقى سليم الموقف من ربي.

كنت أظن أن المؤمن لا يهتز. الآن أعرف أن المؤمن قد يهتز… ثم يعرف أين يثبت قدميه.

وهذا لا يجعلنا نمدح الضعف. بل يجعلنا نفهم القوة فهمًا أصدق.

القوة ليست صورة بلا شقوق. ومن مظاهرها: الرجوع. والتوبة. والمجاهدة. والثبات على الحق مع وجود ما يسحبك بعيدًا عنه.

وربما أجمل ما تقوله لنفسك في لحظة اضطراب: أنا خائف. وهذا حقيقي. لكن خوفي ليس تعريفًا كاملًا لإيماني.

أنا حزين. وهذا حقيقي. لكن حزني ليس حكمًا نهائيًا على يقيني.

أنا مضطرب. لكنني ما زلت أريد الله. وما زلت أدعوه. وما زلت أعرف أني محتاج إليه. وما زلت أقاوم أن يقول ألمي عنه ما لم يقله عن نفسه.

لا تقل: لو كان إيماني قويًا لما احتجت أن أقول: يا رب، ثبتني.

فالقرآن حكى دعاء الراسخين في العلم:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
[آل عمران: 8]

قلب هُدي… ومع ذلك يسأل ربه أن لا يزيغ.

فالحاجة إلى التثبيت ليست فضيحة إيمانية. إنها معرفة بحقيقة العبودية.

قلب يهتز… ولا يضيع طريق الرجوع

فلا تطلب من نفسك قلبًا لا يتحرك. اطلب قلبًا إذا تحرك… لا يضيع.

لا تطلب ألا تأتيك لحظة خوف. اطلب ألا يصبح الخوف قائدك بعيدًا عن الله.

لا تطلب ألا تحزن أبدًا. اطلب أن لا يقطعك الحزن عنه.

لا تطلب حياة شعورية لا تتغير. اطلب في تغيرها قلبًا يعرف طريق الرجوع.

وحين تأتيك المرة القادمة تلك اللحظة التي كنت تخاف منها… وتشعر بقلبك يهتز… لا تضف إليها السوط القديم: إذن إيماني ضعيف.

توقف.

قل: هذا خوف. سأنظر فيما يحتاجه من تصحيح. وسأستعين بالله. لكنني لن أحكم على ديني كله من هذه اللحظة. سأرى ماذا أفعل بهذا الخوف.

قد يهتز الشعور… ويثبت الموقف. قد تبكي العين… ويبقى القلب متعلقًا بالله. قد يضطرب صدرك… وتبقى قدمك على الحق.

وقد تقول وأنت خائف: يا رب. فتكون هذه الـ«يا رب» الخارجة من قلب مرتجف من أصدق ما فيك.

فلا تجعل إيمانك مشروعًا لتحويلك إلى إنسان لا يشعر.

دع الإيمان يفعل شيئًا أعظم: أن يعلمك ماذا تفعل بما تشعر.

قوة الإيمان لا تعني أن قلبك لا يهتز. بل قد تظهر قوته في شيء أدق: أن يهتز… ولا يقطعك الاهتزاز عن الله. أن تخاف… ولا تجعل الخوف يعرّف لك ربك. أن تحزن… ولا تجعل الحزن يسحبك من بابه. أن تضعف… ثم تعرف إلى أين تعود.

وربما كانت الجملة الأصدق التي تحتاجها ليست: المؤمن القوي لا يهتز.

بل: المؤمن قد يهتز، وقوة إيمانه لا تُقاس بغياب الاهتزاز وحده، بل بما يبقى بينه وبين الله حين يهتز.

تعليقات

عدد التعليقات : 0