هل رحمة الله تشملني بعد تكرار الذنب؟ الحاشية التي لم يكتبها الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل رحمة الله تشملني بعد تكرار الذنب؟ قد يتحول هذا السؤال في القلب إلى حاشية صامتة تضع اسمك خارج وعد الرحمة، مع أن الله لم يكتب هذا الاستثناء.

مصحف مفتوح ودفتر عليه عبارة إلا أنا مشطوبة بجوار تذكير بعدم القنوط من رحمة الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الحاشية التي لم يكتبها الله

تقرأ قول الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

يمر النداء على قلبك دافئًا للحظة.

ثم تتحرك في داخلك كلمة صغيرة، تكاد لا تُسمع:

نعم… لكن ليس مثلي.

كأنك تقرأ الآية، ثم تمد يدك إلى هامشها، وتكتب حاشية لم يكتبها الله:

هذا الوعد لمن أخطؤوا ثم توقفوا مبكرًا، أما أنا فقد عدت.
لمن كانت زلاتهم عابرة، أما أنا فقد طال مني الطريق.
لمن بقي في ماضيهم ما يطمئنون إليه، أما أنا فقد عرفت من نفسي ما لا يعرفه الناس.
لمن يستطيعون أن يرفعوا أيديهم برجاء، أما أنا فأستحي حتى من الاستغفار.

وهكذا لا تنكر رحمة الله من أصلها، ولا تقول إنها ضيقة، ولا تجحد أنه سبحانه الغفور الرحيم.

بل تصدق أنها واسعة، ثم تكتب اسمك وحده خارجها.

تؤمن بأن الله يغفر، ثم تتعامل مع ماضيك كأنه أقوى من مغفرته. وتؤمن بأن رحمته وسعت كل شيء، ثم تتوهم أن حقيقتك أنت هي الشيء الوحيد الذي لا تتسع له.

وهذه من أخطر صور سوء الظن بالله:

أن يبقى إيمانك برحمته قائمًا في لسانك، بينما يكتب اليأس في قلبك استثناءً لم ينزل به وحي.

ربما بدأت الحاشية من ذنب لا يغادر ذاكرتك، مع أنك تبت منه مرارًا.

وربما من عادة غلبتك؛ كلما ظننت أنك نجوت منها عدت إليها، حتى لم تعد ترى في عودتك ضعفًا يحتاج إلى مجاهدة، بل صرت تراها شهادة نهائية بأنك فاسد من الداخل.

وربما من عهد قطعته ثم نقضته، ومن دموع بكيتها ثم جف قلبك بعدها، ومن صلوات وقفت فيها بجسد حاضر وقلب غائب، حتى صار حياؤك من الله لا يقودك إليه، بل يجلس بك بعيدًا عنه.

وربما تحمل ماضيًا لو عرفه الناس لتغيرت نظرتهم إليك، فتوهمت أن ستر الله عليك في الدنيا لا يعني أن لك عنده سبيلًا إلى المغفرة.

تتذكر كم مرة قلت: لن أعود.
ثم عدت.

وكم مرة شعرت أن هذه توبتك الأخيرة.
ثم غلبتك نفسك.

وكم مرة اقتربت، ثم فترت، حتى لم تعد تقرأ تكرار السقوط على أنه معركة لم تنتهِ، بل على أنه حكم نهائي صدر في حقك:

أنت لا تصلح لأن تكون من العائدين.

من أعطاك حق الاستثناء من وعد الله؟

لكن السؤال الكاشف ليس: هل ذنبك كبير؟

فقد يكون كبيرًا حقًّا، والصدق لا يحتاج إلى تصغير المعصية حتى يثبت سعة الرحمة.

السؤال هو:

من أعطاك الحق أن تضيف إلى كلام الله استثناءً لم يضعه الله؟

الله لم يقل: يا عبادي الذين زلوا زلة خفيفة.

ولم يقل: الذين أسرفوا، إلا من تكرر منه الإسراف.

ولم يقل: لا تقنطوا ما دمتم قادرين على الشعور بأنكم أهل للرحمة.

بل وجّه النداء إلى المسرفين أنفسهم؛ إلى الذين تجاوزوا الحد، وأكثروا على أنفسهم، وحملوا من آثار ذنوبهم ما يجعل القنوط أقرب إلى قلوبهم من الرجاء.

لم يبدأ الخطاب بتخفيف وصف ما فعلوا، بل سماه إسرافًا.

أثبت قبح الذنب، لكنه لم يسمح للذنب أن يكتب خاتمة صاحبه.

ثم قال لهم: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾.

لم يقل: يا من كنتم عبادي قبل أن تذنبوا.

ولم يجعل إسرافهم يلغي عنهم افتقار العبودية إليه.

ناداهم وهو يعلم ما فعلوا، ويعلم ما أخفوه، ويعلم كم مرة ضعفوا، ثم نهاهم عن القنوط.

كأن الآية تنتزع القلم من يد اليأس، وتقول للعبد:

لا تجعل خطيئتك تمنعك من الطريق الذي تُصلح فيه خطيئتك.

فالذنب يخبرك بما فعلت، لكنه لا يخبرك بما يفعله الله بمن تاب.

والصحيفة شيء، ورب الصحيفة شيء آخر.

أنت تنظر إلى صفحتك، فترى فيها سوادًا كثيرًا، ثم تتوهم أن هذا السواد انتقل من الصفحة إلى قدرة من يملك محوه.

تنظر إلى كثرة ما كتبت، فتجعل معرفتك بما صنعت أوسع من يقينك بمن قال عن نفسه إنه الغفور الرحيم.

لكن الذنب، مهما عظم، لا يملك أن يعيد تعريف صفات الله.

لا يجعل الغفور أقل مغفرة.
ولا يجعل الرحيم أقل رحمة.
ولا يحوّل وعدًا فتحه الله للتائبين إلى وعد مغلق لمجرد أنك تقف أمامه مثقلًا بالخجل.

حين يرتدي القنوط ثوب التواضع

وقد ترتدي الحاشية ثوب التواضع.

تقول:

أنا لا أحسن الظن بنفسي.
أنا أعرف حقيقتي.
أنا لا أريد أن أغتر برحمة الله.

وهذا كلام قد يبدو ورعًا، لكنه قد يخفي خللًا دقيقًا؛ لأن التواضع ليس أن تستعظم فسادك حتى تستصغر مغفرة الله، وليس الصدق مع النفس أن تجعل معرفتك بذنوبك أوسع من علم الله بها.

الله يعلم عنك ما تعلم، ويعلم ما خفي عليك أيضًا.

يعلم ضعفك قبل أن تعترف به، وتكرارك قبل أن تخجل منه، وترددك قبل أن تنطق به.

أنت لا تفاجئ الله بذنب لم يكن في علمه.

ولا تأتيه بحقيقة عن نفسك لم يكن يعلمها حين دعا المسرفين إلى رحمته.

نعم، أنت لا تستحق على الله رحمة تفرضها عليه، ولا يملك أحد بسيرته حقًّا يلزم به ربه.

لكن اعترافك بأنك لا تستحق لا يعني أن تنكر أن الله يتفضل.

العبد المتواضع لا يقول: لأنني لا أستحق، فلن يرحمني الله.

بل يقول: أنا لا أملك على الله حقًّا، لكنني فقير إلى فضله، وقد أمرني أن أعود، ووعد التائبين بالمغفرة، فلن أجعل فقري إلى رحمته سببًا لليأس منها.

فالرحمة ليست جائزة لا يدخلها إلا من قدم سيرة نقية.

ولو كان العبد لا يطلبها إلا بعد أن يصبح جديرًا بها من نفسه، لما احتاج إليها أحد؛ لأن الحاجة إلى الرحمة تبدأ من موضع الذنب والنقص والعجز.

أنت لا تأتي لأنك صالح بما يكفي.

بل تأتي لأنك محتاج.

ولا تأتي مستندًا إلى قوة استحقاقك، بل إلى صدق افتقارك إلى الله.

الفرق بين الندم والقنوط

وهنا يظهر الفرق بين الندم والقنوط.

الندم يقول: لقد أسأت، ولا نجاة لي إلا أن أرجع.

أما القنوط فيقول: لقد أسأت، فلا فائدة من الرجوع.

الندم يرى الذنب عظيمًا، فيدفع صاحبه إلى التوبة.

والقنوط يرى الذنب عظيمًا، فيجعله حجة لترك التوبة.

الندم يبقي السطر المظلم في موضعه: ذنبًا يحتاج إلى محو وإصلاح.

أما القنوط فيمد ذلك السطر حتى يغطي الصفحة كلها، ثم يقنعك أن أسوأ ما فعلت هو التعريف الكامل بك.

فلا تعود تقول: أنا عبد وقع في معصية.
بل تقول: أنا المعصية نفسها.

ولا تقول: ضعفت مرة أخرى.
بل تقول: أنا لا أصلح إلا للضعف.

ولا تقول: تأخرت توبتي.
بل تقول: لم يعد لي موضع بين التائبين.

وحين تختصر نفسك في أسوأ ما فعلت، يصعب عليك أن تصدق أن الله قد يعاملك بما هو أوسع من نظرتك إلى نفسك.

لكن معرفتك بنفسك لا تمنحك علمًا بالغيب.

ووقوعك مرة أخرى لا يحوّل اليأس إلى عبادة.

تكرار الذنب لا يغلق طريق التوبة

إن كنت صادقًا في توبتك حين تبت، ثم غلبتك نفسك بعد ذلك، فالواجب توبة جديدة، لا كتابة حكم غيبي على خاتمتك.

وإن اكتشفت أن توبتك السابقة كانت ناقصة، فصححها الآن.

وإن كان الذنب قد تكرر، فتعلم من موضع السقوط، وأغلق الطريق الذي يعيدك إليه، ولا تكتفِ بتكرار الندم مع إبقاء أسبابه قائمة.

فليس كل من عاد إلى الذنب مستهزئًا بالتوبة؛ قد يكون عبدًا صدق حين تاب، ثم غلبه ضعفه، والواجب عليه أن يعود صادقًا كلما غُلب، لا أن يمنح الشيطان من يأسه ما لم ينله من معصيته.

الرجاء الذي يقود إلى الإنابة

ومع ذلك، فالرجاء ليس أن تمحو من النص أمر الله، وتبقي فقط ما يريحك من الوعد.

فقد جاء بعد نداء الرحمة:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54].

فالآية لا تمنح الذنب شرعية، بل تمنح المذنب طريقًا.

لا تقول له: ابقَ حيث أنت فلن يضرك شيء.

بل تقول: لا تجعل ما صنعت مانعًا من أن تعود.

رحمة الله لا تعني الاستهانة بالمعصية، ولا تحويل المغفرة إلى ذريعة للإصرار، ولا تأجيل التوبة مع القدرة عليها، ولا إسقاط حقوق العباد.

من صدق في رجائه، حمله الرجاء إلى الإنابة.

يترك الذنب الذي يستطيع تركه، ويقطع السبب الذي يعيده إليه، ويصلح الفرض الذي ضيعه، ويرد الحقوق إلى أهلها، ويطلب العون الصالح إن كان ضعفه يحتاج إلى بيئة تحميه أو صحبة تعينه أو سبب يحول بينه وبين ما يغلبه.

ليس المطلوب أن تخفف جرم الذنب حتى تقدر على الرجوع، بل أن تعظّم الله حتى لا تعجزك ضخامة الذنب عن الرجوع إليه.

وليس المطلوب أن تنسى ما فعلت، ولا أن تقنع نفسك أنك صالح، ولا أن تمنحها براءة لم يمنحها الشرع.

المطلوب أن تنزع من هامش قلبك العبارة التي لم يأذن الله بها:

إلا أنا.

امحُ الاستثناء بفعل

ثم تنزعها بفعل، لا بشعور عابر.

سمِّ ذنبك دون أن تجعله اسمك.
اعترف به دون أن تجعله تعريفك.
استغفر بصدق.
اترك ما تستطيع تركه الآن.
وأصلح ما تستطيع إصلاحه اليوم.
وصلِّ ولو كان قلبك مثقلًا.
وافعل الخير ولو قال لك ماضيك إنك لا تستحق أن تكون من أهله.

فالطاعة ليست شهادة بأنك لم تخطئ، بل قد تكون أول سطر جديد تكتبه بعد الخطأ.

لا تنتظر أن تشعر أنك جدير بالعودة؛ فالجدارة ليست شرطًا للتوبة.

ولا تنتظر أن تثق بأنك لن تسقط أبدًا؛ فأنت لا تتوب اعتمادًا على قوتك المقبلة، بل امتثالًا لربك في لحظتك الحاضرة.

ولا تجعل قبول توبتك حكمًا تستخرجه من تقلّب مشاعرك.

قد تتوب وتبقى في صدرك وحشة من أثر ما فعلت.

وقد تستغفر ولا تشعر فورًا بالخفة التي تمنيتها.

وقد تصلي ولا تذوق في أول الطريق لذة القرب.

فلا تجعل تأخر الشعور دليلًا على أن الطريق مغلق.

صدق التوبة يُعرف بتحققها والسعي في مقتضاها، لا بمقدار الراحة التي تنزل على القلب في اللحظة نفسها.

رحمة الله ليست شعورًا يجب أن تحسه أولًا حتى يسمح لك بالرجوع، بل حقيقة أخبرك الله بها، ثم أمرك أن تسلك طريقها.

فلا تنتظر حتى تشعر أنك مقبول لتتوب.

تب إلى الله لأنك محتاج إلى قبوله.

ولا تنتظر حتى تصفو صفحتك لتدخل في النداء؛ فالنداء جاء لأن الصفحة لم تعد كما ينبغي.

لا تضع اسمك خارج النداء

اقرأ الآية مرة أخرى، لكن هذه المرة لا تقف خارجها:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

لقد ذكرت إسرافك.

ولم تجهل حالك.

ولم تخاطب قومًا يشبهونك من بعيد، ثم تنساك.

فلا تكتب تحتها:

إلا أنا.

قل بقلبك:

وأنا يا رب من عبادك الذين أسرفوا على أنفسهم.

وأنا المحتاج إلى ألا أقنط من رحمتك.

وأنا الذي لا يملك أن يمحو ماضيه، لكنه يستطيع أن يعود إليك به، نادمًا، منيبًا، مستغفرًا، آخذًا بأسباب الإصلاح.

قد تبقى في الصفحة آثار مما فعلت.

وقد تحتاج إلى زمن طويل لتصلح ما أفسدت.

وقد تطول مجاهدتك قبل أن تستقيم بعض سطورك.

لكن لا تجعل الأثر حاشية تلغي أصل الخطاب.

دع الذنب في موضعه الصحيح:

ذنبًا تتوب منه، لا حكمًا بأن الرحمة لا تشمل صاحبه.

ودع الندم يقودك إلى الله، لا أن يجلس بك بعيدًا عنه.

واجعل معرفتك بنفسك باب افتقار، لا ميزانًا تقيس به صفات ربك؛ فأنت أعرف بضعفك، لكنك لست أعلم بالله من كلامه عن نفسه.

فأخطر ما يفعله الذنب ليس دائمًا أنه كتب سطرًا مظلمًا في صفحتك، بل أن يقنعك بعد ذلك أن تكتب في هامش وعد الله:

هذا النداء للجميع… إلا أنا.

وما دمت تسمع قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، فلا تضع اسمك في حاشية لم يكتبها الله.

امحُ الاستثناء.

واترك السطر المظلم في موضعه: ذنبًا يُتاب منه.

ثم عد إليه كما أنت:

معترفًا لا محتجًّا، منكسرًا لا قانطًا، عاملًا لا متمنيًا؛ لأن النداء الذي بدأ بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لم ينسَ أمثالك.

بل جاء إليهم.

```2[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0