الألم الذي لا يراه أحد: حين يعلم الله الغرفة التي انطفأت فيك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
غرفة هادئة مضاءة بمصباح ودفتر قرب نافذة ليلية ترمز إلى الألم الخفي الذي يعلمه الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الألم الذي لا يراه أحد

بعض الآلام لا يضاعف قسوتها مقدارها وحده، بل كونها تحدث في موضع لا يصل إليه أحد.

يراك الناس تمضي في يومك: تجيب حين تُسأل، تنجز ما استطعت، تجلس معهم، وربما ابتسمت في اللحظة المناسبة. فيظنون أنك تجاوزت، أو أن الأمر لم يعد يؤلمك كما كان. لكنك تعرف أن في داخلك غرفة أخرى لا تظهر في وجهك دائمًا؛ غرفة بقي فيها كل شيء على الهيئة التي تركته عليها المصيبة.

فيها كلمات لم تستطع قولها، وخوف لا تعرف كيف تشرحه، وحزن لم يعد مرتبطًا بحادثة واحدة، بل صار يسكن التفاصيل كلها. تدخل إليها حين يهدأ البيت، وحين ينتهي انشغالك، وحين لا يبقى بينك وبين نفسك ما يؤجل اللقاء.

هناك تعرف أنك لم تتعافَ كما يظنون.

وربما لا يؤلمك أن الناس لم يفهموك فقط، بل يبدأ قلبك يتساءل في صمت:

هل يراني الله حقًّا في الصورة التي أنا عليها الآن؟

ليس المقصود أنك تشك في علم الله، فقد تعرف يقينًا أنه سبحانه يعلم كل شيء. لكن المعرفة التي في العقل قد لا تصل دائمًا إلى الموضع الذي يرتجف فيك. تعرف أن الله يعلم السر، ومع ذلك تشعر أن ما يحدث داخلك معقد إلى درجة لا يمكن شرحها، وأنك لا تملك الكلمات التي تجعلك مفهومًا حتى وأنت تدعو.

تدخل في الصلاة محملًا بأشياء كثيرة، ثم لا تقول شيئًا منها.

تريد أن تشكو، لكنك لا تعرف من أين تبدأ. تريد أن تبكي، فلا تأتي الدموع. تريد أن تدعو، فتخرج منك عبارات قليلة باردة أمام ما يضج في صدرك. ثم تقوم من سجودك وأنت تخشى أن يكون عجزك عن الكلام علامة على بعدك، أو أن يكون قلبك قد صار قاسيًا، أو أنك لم تعد تحسن الوقوف بين يدي الله.

وكأنك تظن أن عليك أولًا أن ترتب الغرفة الداخلية، وأن تجمع ما تناثر فيها، وأن تفهم ما حدث لك، ثم تأتي إلى الله بقلب واضح ودعاء مرتب وحزن يمكن وصفه.

هل يعلم الله ما تعجز عن قوله؟

لكن الله لا يحتاج إلى أن تشرح له نفسك حتى يعلم حالك.

قال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].

إنه لم يقل: نعلم ما استطاع الإنسان أن يصوغه في دعائه، أو ما فهمه من نفسه، أو ما نجح في الاعتراف به.

قال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾.

يعلم المعنى قبل أن يصير جملة. يعلم الوجع حين يكون ثقلًا مبهمًا لا اسم له. يعلم لماذا ضاق صدرك في ذلك الصباح مع أنك لم تتذكر شيئًا محددًا، ولماذا أوجعتك كلمة عادية لأنها مرّت على موضع قديم، ولماذا تعبت من موقف صغير لأن قلبك لم يكن يحمل ذلك الموقف وحده، بل كان يحمل فوقه أعوامًا من الصبر الصامت.

يعلم الله الغرفة كلها، لا الجزء الذي استطعت فتحه للناس.

يعلم ما كُسر فيها، وما بقي قائمًا، وما أخفيته حياءً، وما لم تعترف به خوفًا، وما أنكرت وجوده لأنك ظننت أن المؤمن القوي لا ينبغي أن يشعر به.

وهذه المعرفة ليست علمًا مجردًا تقف تحته وحدك؛ فأنت تقف بوجعك بين يدي رب عليم رحيم، لا يخفى عليه ما أصابك، ولا تنفصل رحمته عن كمال علمه بحالك. وهذا المعنى يفتح للقلب بابًا قريبًا من معنى أنك تحت عناية الله حين يثقل البلاء.

رحمة العلم الإلهي

وقد تكون رحمة هذه المعرفة أوسع مما تتصور.

فالإنسان يتعب حين يضطر كل مرة إلى إثبات ألمه. يتعب من الشرح، ومن اختيار الكلمات، ومن الخوف أن يُساء فهمه، ومن سماع نصيحة لم تلمس أصل جرحه. وربما يخرج من حديث طويل وهو أشد وحدة؛ لأن من أمامه عرف القصة، لكنه لم يعرف ما فعلته القصة به.

أما عند الله، فلا تحتاج أن تثبت أن الأمر كان مؤلمًا بما يكفي.

لا تحتاج أن تقارن جرحك بجراح الآخرين حتى تستحق الرحمة. لا تحتاج إلى أن تكون كارثتك ظاهرة للناس، ولا أن تحمل تقريرًا يبرر تعبك، ولا أن تبقى متماسكًا حتى تكون عبدًا صالحًا.

إن الله يعلم كم قاومت قبل أن تتعب، وكم ابتلعت من الكلام حتى لا تجرح أحدًا، وكم حاولت أن تكون طبيعيًا بينما كانت أبسط المهام تحتاج منك إلى قوة لا يراها أحد.

ويعلم أن بعض ما تسميه ضعفًا ليس إلا أثر حملٍ طال، حتى شقّ على قلب بشري أن يحمله وحده.

هذا لا يعني أن كل شعور صحيح، ولا أن كل ما تقوله النفس في ساعة الانكسار ينبغي تصديقه. فقد يضخم التعب المخاوف، وقد يدفع الحزن القلب إلى استنتاجات ظالمة، وقد تحتاج بعض الجراح إلى علاج ومساندة وأخذ بالأسباب.

لكن هناك فرقًا بين أن تحتاج أفكارك إلى تصحيح، وبين أن يكون ألمك غير مرئي.

قد تخطئ في تفسير ما حدث، والله يعلم أنك موجوع.

قد تضعف، والله يعلم مقدار ما بذلته قبل ضعفك.

وقد تعجز عن الدعاء، والله يعلم ما كان قلبك يريد أن يقوله ولم يستطع لسانك حمله.

لا تجعل عجزك عن التعبير حكمًا عليك

لا تجعل عجزك عن التعبير دليلًا على أن صلتك بالله انقطعت. ففي بعض الأيام لا تكون العبادة كلمة بليغة، ولا دمعة غزيرة، ولا طمأنينة تشعر بها فورًا. قد يكون من العبادة أن تقف فقط، وأن تتوجه إلى الله بما بقي منك، ولو لم تستطع إلا أن تقول: يا رب.

وربما كان هذا النداء القصير أصدق من كلام كثير؛ لأنه خرج من الغرفة نفسها، لا من الصورة التي تحاول أن تبدو بها.

لا تطالب قلبك المنهك أن يقدم إلى الله تقريرًا كاملًا عن خراب الداخل. قل ما تعرفه، واترك في علم الله ما لا تعرفه. اشكُ ما تستطيع، واسكت حين تعجز، ولا تظن أن الصمت فراغ بينك وبين ربك؛ فالله يعلم ما يحمله الصمت كما يعلم ما تنطق به الكلمات.

وإذا سألك أحدهم عن حالك فلم تستطع أن تشرح، فلا تعاقب نفسك. وإذا بكيت من شيء يبدو صغيرًا، فلا تهن نفسك؛ فربما لم تكن تبكي ذلك الشيء وحده. وإذا وجدت قلبك متأخرًا عن التعافي الذي ينتظره الناس، فلا تقسه بساعاتهم؛ فالنفوس لا تخرج من الألم في موعد واحد.

وسرعة تعافيك ليست ميزانًا تعرف به منزلتك عند الله، ولا يلزمك أن تخفي ارتباكك حتى يصح وقوفك بين يديه، ولا أن تغلق الغرفة التي تؤلمك حتى تواصل حياتك كأن شيئًا لم يكن.

وهذا هو الميزان الذي يحفظ القلب من القسوة على نفسه: أن يكون أدب الوجع اعترافًا بالألم دون أن يتحول الألم إلى حكم على رحمة الله.

كيف تدخل الغرفة برحمة؟

ما تحتاجه أولًا أن تكف عن الوقوف ضد نفسك داخلها.

أن تجلس إلى ضعفك برحمة، لا باتهام.

أن تقول: هذا ما أستطيع حمله اليوم، وسآخذ بما أقدر عليه دون أن أحتقر ما عجزت عنه.

وأن تفتح لله قلبك، لا بمعنى أن تخبره بما يجهل، تعالى الله عن ذلك، بل بأن تتوقف عن الهرب من حقيقتك وأنت بين يديه.

قل له: يا رب، أنت تعلم ما لا أعرف كيف أقوله. تعلم ما أخفيته حتى عن نفسي. تعلم أنني لم أعد أميز بين التعب والحزن والخوف. فكن لي برحمتك، وأعنّي على أن أحمل يومي، ولا تكلني إلى قوتي.

قد لا تتغير الغرفة في تلك الليلة.

قد تبقى الذكرى في مكانها، ويبقى الغياب غيابًا، وتبقى بعض الأسئلة بلا جواب. لكن شيئًا عميقًا يتغير حين تعرف أن هذه الغرفة ليست موضعًا منسيًا خارج الرحمة.

ليست زاوية مظلمة لا يراها الله إلا حين تصلحها.

وليست عيبًا ينبغي أن تخفيه حتى تستحق القرب.

إنها موضع من قلبك يعلمه خالق قلبك علمًا كاملًا، ويرى ما جرى فيه، ولا تختلط عليه دموعك، ولا تخفى عليه مقاومة لم يصفق لها أحد.

الغرفة ليست خارج الرحمة

أنت لا تحتاج أن تشرح لله الغرفة التي انطفأت فيك؛ هو يعلمها قبل أن تجد لها اسمًا.

فلا تتعب نفسك بمحاولة الظهور أمامه في صورة أقوى منك. تعال كما أنت: بما فهمت وما لم تفهم، بما استطعت قوله وما بقي محبوسًا، بما ثبت فيك وما انهار.

وحين تعود الليلة إلى تلك الغرفة، لا تدخلها بوصفك منسيًا.

ادخلها وأنت تعلم أن الله يعلمها.

وأن الباب الذي عجز الناس عن الوصول إليه لا يحجب علمه.

وأن الفوضى التي أخجلتك لا تمنع رحمته.

وأنك، حتى في أكثر مواضعك انطفاءً، لم تكن يومًا مجهولًا عند ربك.

اللهم آوِ القلوب التي عجزت عن شرح وجعها، وارحم من أتعبهم التماسك أمام الناس، ومن طال عليهم الطريق حتى لم يعودوا يعرفون ماذا يقولون في الدعاء.

اللهم علّمنا أن نأتيك بضعفنا دون خجل، وأن نستند إلى علمك حين تعجز كلماتنا، وأن نوقن أن ما خفي عن الخلق لم يخفَ عليك، وأن ما انطفأ فينا لا يخرج عن سعة رحمتك.

```1[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0