فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تتحول الأمنية من دعاء إلى قاضٍ
في البداية، كانت أمنية تحملها إلى الله.
كنت تعرف موضعها: حاجة في قلب عبد، يرفعها إلى رب يملكها، ويرجو أن يكتبها له.
تقول: يا رب اشفني، يا رب ارزقني، يا رب اجمعني بمن أحب، يا رب أصلح ما انكسر، يا رب أخرجني من هذا الضيق.
كانت الأمنية تقف معك بين يدي الله.
ثم طال انتظارها.
ومع مرور الأيام، حدث في قلبك تحول لم تنتبه إليه.
لم تعد تحمل الأمنية إلى الله كما كنت، بل جلست الأمنية في موضع أعلى، وبدأت تحمل إليها كل شيء لتحكم عليه.
تعرض عليها يومك، فتقول: ما دام المطلوب لم يقع، فلا شيء يستحق الفرح.
وتعرض عليها ما بقي في حياتك من نعم، فتقول: لا قيمة لها ما دام الشيء الأهم غائبًا.
وتعرض عليها دعاءك وصلاتك وصبرك، فتقول: كل هذا لم يوصلك إلى ما تريد.
ثم تعرض عليها رحمة الله نفسها، فتطلب منها أن تصدر حكمها:
إن تحققت الأمنية، فالله رحمني.
وإن تأخرت، فهناك شيء في رحمته لا يصل إليّ.
وهكذا تحولت الحاجة التي كان ينبغي أن تقف بين يدي الله، إلى قاضٍ تجلس أمامه أنت، ويجلس أمامه واقعك، ويُستدعى إليه تدبير الله كله.
وهنا ينكشف السؤال الذي يقلب موضع الخلل:
كيف منحت أمنية واحدة حق الحكم على رحمة الله كلها؟
ليست المشكلة أنك تريدها بشدة.
قد تكون حاجتك إليها شديدة حقًّا، وقد يكون غيابها قد أخذ من نومك وطمأنينتك وقدرتك على الاحتمال أكثر مما يعرفه أحد.
ولست مطالبًا بأن تتظاهر بأنها صغيرة، ولا بأن تقنع نفسك أنك لا تبالي، ولا بأن تسمي الألم رضا حتى تكون مؤمنًا.
الله يعلم أنك تريدها.
ويعلم كم مرة تخيلت حياتك بعدها، وكم مرة قلت في نفسك إن وصولها سيعيد الأشياء إلى مواضعها، وكم مرة قاومت انكسارك حين انصرف عنك سبب ظننته أقرب الأسباب.
الأمنية لا تعرف إلا صفحة واحدة
لكن الأمنية، مهما عظمت، لا تعرف إلا ملفًّا واحدًا من حياتك.
تعرف ألم غيابها، لكنها لا تعرف كل ما وراء حضورها.
تعرف ما تريده الآن، لكنها لا تحيط بما ستكون عليه بعد عام أو أعوام.
تعرف الصورة التي رسمتها للسعادة، لكنها لا تعلم ما يصلح دينك وقلبك وعاقبتك.
تعرف الجرح الذي تصرخ منه، لكنها لا ترى إلا من داخل الجرح.
فكيف يجلس ما لا يعلم إلا صفحة واحدة على كرسي القضاء، ثم يحكم على كتاب لم يقرأه؟
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
الآية لا تطلب منك أن تسمي كل ما تكرهه خيرًا ظاهرًا، ولا أن تزعم أنك عرفت الحكمة من تأخيره، ولا أن تنكر أن محبوبك قد يكون خيرًا ترجوه بحق.
إنها تعيد ترتيب مواضع المعرفة.
أنت تحب، لكنك لا تحيط.
وأنت تتألم، لكن ألمك لا يكشف لك الغيب.
وأنت ترى جزءًا من القضية، والله يعلمها كلها.
فالمشكلة ليست في أن تقول: يا رب، أنا أريد هذا.
المشكلة أن تضيف في أعماقك: ولا أقبل دليلًا على رحمتك بي سواه.
حين تختصر الرحمة في صورة واحدة
عندها لا تعود تطلب من الله عطاء، بل تطلب منه أن يثبت صحة تعريفك للرحمة.
كأنك كتبت الحكم مسبقًا، ولم يبق إلا أن يوافقه القدر:
الرحمة أن يحدث هذا.
والخير أن يأتي من هذا الطريق.
والعناية أن ينتهي الأمر في هذا الوقت.
وأي تدبير لا يطابق هذه الصيغة يبقى في قلبك موضع اتهام، ولو لم تنطق بذلك بلسانك.
وهذا من أشد ما يفعله طول البلاء بالقلب؛ لا يجعله ينكر أن الله رحيم، بل يجعله يضيق معنى الرحمة حتى لا يتسع إلا لشيء واحد.
فتقرأ عن ستر الله، ولا تشعر أن الكلام يعنيك؛ لأنك تنتظر فرجًا.
وترى أن الله حفظ عليك إيمانك في أيام كان يمكن للألم أن يبعثرك، فلا تعد ذلك رحمة؛ لأن المشكلة ما زالت قائمة.
وتدرك أنك اجتزت ما كنت تظن أنك لن تستطيع اجتيازه، فلا ترى في ذلك عناية؛ لأنك لم تطلب قوة على الحمل، بل طلبت أن يوضع الحمل.
وتفتح لك أبواب خير، وتحاط بألطاف صغيرة، ويصرف عنك ما لا تعلم، لكن الأمنية الجالسة على كرسي القضاء ترفض سماع كل الشهود.
لديها حكم واحد:
لم يقع المطلوب، إذن لم تصل الرحمة بعد.
لكن رحمة الله لا تأتي إلى محكمة أمنيتك لتدافع عن نفسها.
رحمة الله هي التي تكشف ضيق المحكمة، ونقص الأدلة، وعجز القاضي الذي نصبته في قلبك.
فالله لم يعدك أن كل ما تحبه سيقع، ولا أن رحمته ستتجلى دائمًا بالصورة التي تتعرف إليها بسرعة.
لكنه عرّفك بنفسه قبل أن تعرف أمنيتك، وكان ربًّا لك قبل أن تتكون حاجتك، ورحمك في مواضع لم تكن تملك فيها حتى القدرة على الطلب.
رحمته بك ليست استجابة لحجتك المقنعة، ولا مكافأة على حسن صياغة دعائك، ولا نتيجة لكونك استطعت الصبر كما ينبغي.
إنها صفة ربك.
أما أمنيتك فحادثة في عمرك، بدأت في وقت، وقد تتحقق أو تتغير أو يفنى تعلقك بها.
فلا تجعل أمنية حادثة في عمرك مقياسًا للرحمة التي عرّفك الله بها عن نفسه.
ولا تجعل ما لا تعلم عاقبته مقياسًا لمن يعلم السر وأخفى.
وهذا المعنى هو جوهر حسن الظن بتدبير الله: ألا تحصر الخير والفرج في الطريق الوحيد الذي رسمته أنت.
أعد الأمنية إلى موضع الدعاء
أنت لا تحتاج إلى تصغير الأمنية حتى تصحح موضعها.
بل تحتاج إلى إنزالها عن كرسي القضاء، وإعادتها إلى موضع الدعاء.
أن تقول:
يا رب، هذه حاجتي، وليست حجتي عليك.
هذه رغبتي، وليست معرفتي بالغيب.
هذا ما أراه خيرًا لي، لكن رؤيتي لا تحيط بما يحيط به علمك.
أنا لا أطلب منك أن تطابق تصوري حتى أصدق رحمتك؛ أنا أطلب منك أن ترحمني في أمري كله، لا في الجزء الذي استطعت أن أراه وحده.
قد تكون الرحمة أن تعطيك الأمنية.
وقد تأتيك كاملة، بعد أن ظننت أن كل أبوابها أغلقت.
ولا يصح أن نجزم بأن تأخيرها يعني أنها شر، أو أن منعها هو الخير حتمًا؛ فذلك من الغيب الذي لا نعلمه.
لكن الذي نعلمه أن تأخرها لا يمنحها الحق في إصدار حكم على الله.
وأن عدم فهمك لما يجري لا يحول تدبير الله إلى إهمال.
وأن شدة احتياجك لا تجعل تقديرك للعاقبة أكمل.
وأنك تستطيع أن تبكي على ما فاتك، دون أن تتهم الرحمة.
وتستطيع أن تكرر الدعاء، دون أن تجعل الإجابة شرطًا لبقاء حسن ظنك بالله.
وتستطيع أن تقول: لقد تعبت، دون أن تقول: لقد تُركت.
بين رفع الألم إلى الله وجعله دليلًا عليه
فهناك فرق عظيم بين قلب يرفع ألمه إلى الله، وقلب يجعل ألمه دليلًا على الله.
الأول يقول: يا رب، هذا يؤلمني، فارحمني.
والثاني يقول في أعماقه: ما دام يؤلمني، فلا بد أن رحمتك غائبة.
الأول يعترف بضعفه.
والثاني يمنح ضعفه سلطة تفسير الغيب.
وحين يطول الطريق، يحتاج القلب إلى أن يتعلم كيف ينتظر الفرج دون أن يفسد الانتظار داخله، ودون أن يتحول الألم إلى قاضٍ على رحمة الله.
لا تجعل عمرك رهينة أمنية واحدة
ولعل أشد ما تحتاج أن تتحرر منه ليس حب الأمنية، بل الحكم الذي ربطته بها:
أن حياتك لن تكون حياة إن لم تقع.
وأنك لن تكون موضع عناية إن لم تأت.
وأن كل ما بقي فيك وحولك مؤجل القيمة إلى أن يتحقق هذا الأمر.
فالأمنية حين تتحول إلى قاضٍ لا تحاكم رحمة الله وحدها، بل تحاكمك أنت أيضًا.
تقول لك إنك ناقص حتى تأتي.
وإن يومك بلا معنى حتى تصل.
وإن كل نمو حدث فيك أثناء الطريق لا يستحق أن يذكر.
وإن حياتك الحالية ليست حياة، بل غرفة انتظار طويلة.
وقد تمضي أعوام وأنت لا تسكن يومك، لأن القاضي في داخلك لم يمنحه الإذن بأن يسمى يومًا صالحًا للحياة.
القلب يحتاج إلى الرحمة قبل تحقق الأمنية
وهنا يظهر وجه أعمق من الرحمة:
ومن رحمة الله بك أن يفتح لقلبك طريقًا لا يبقى فيه عمرك كله رهينة لحكم أمنية واحدة.
رحمة أعظم من أن تسمح لشيء مخلوق، مهما كان عزيزًا، أن يحتكر معنى حياتك، ويملك وحده حق منحك الطمأنينة والقيمة والرجاء.
ليس معنى ذلك أن الله سيمنعك منها ليحررك؛ فنحن لا نعلم ذلك.
لكن معنى ذلك أن قلبك يحتاج إلى رحمة الآن، قبل أن يعرف ماذا سيقع لاحقًا.
رحمة تحرره من الحكم الباطل بأن كل شيء متوقف هنا.
رحمة تعيد إلى الدعاء عبوديته، فلا يصبح مطالبة بإثبات الحب.
وتعيد إلى الأمنية حجمها الحقيقي: أمر عظيم تتمناه، لا مركزًا يحتكر معنى حياتك وتدور حوله أيامك.
وتعيد إلى الرحمة سعتها: عناية الله بك في دنياك وآخرتك، في قلبك وواقعك، فيما تراه وما يحجب عنك، فيما يعطيك وما يقدره عليك، على الوجه الذي يعلمه ولا تحيط به.
حينها لن تتوقف عن الدعاء.
بل قد يصبح دعاؤك أصدق؛ لأن الدعاء عند تأخر الإجابة يعود باب افتقار وعبودية، لا محكمة قلقة لمراقبة النتيجة.
ستقول:
اللهم إني أسألك هذه الحاجة؛ لأنك تعلم مقدار افتقاري إليها، فلا تحرمني خيرها إن كانت خيرًا لي، ويسرها لي بفضلك، ولا تجعل طول انتظارها يفسد معرفتي بك.
اللهم ارحمني بها إن كتبتها لي، وارحمني في غيابها ما دامت غائبة، وارحمني من أن أجعلها حكمًا على حبك، أو دليلًا على قدري عندك، أو شرطًا حتى أرى نعمك.
اللهم لا تجعل أمنيتي أكبر في قلبي من معرفتي بك، ولا تجعل ما لم يقع يحجبني عما لم ينقطع من فضلك.
ثم تمضي وأنت لا تعرف متى يأتي الجواب، ولا على أي صورة يكون.
لكن شيئًا جوهريًّا يكون قد عاد إلى موضعه:
الله هو العليم، لا أمنيتك.
وتدبيره هو الذي يحكم على تصوراتك، لا تصوراتك هي التي تحاكم تدبيره.
وحاجتك تقف بين يديه، لا تجلس على كرسي القضاء فوق قلبك.
رحمة الله أعظم من أمنية واحدة
عندها تفهم أن رحمة الله أعظم من أن تختصرها في أمنية واحدة، لا لأن الأمنية تافهة، بل لأن الله أعظم، وعلمه أوسع، وعنايته بك أعمق من الجزء الذي استطعت أن تسميه.
فاسأل الله ما تريد، وألح عليه، ولا تستح من ضعفك.
لكن كلما حاولت الأمنية أن تعود إلى كرسي القضاء، أنزلها برفق، وقل لها:
أنت حاجتي، ولست حكمي.
أنت دعائي، ولست عقيدتي في ربي.
أنت صفحة من عمري، ولست التفسير الكامل لرحمة الله بي.
فرحمة الله لا تُستدعى شاهدًا في محكمة أمنية واحدة.
بل هي التي تبطل المحكمة كلها.