ما الفرق بين الافتقار إلى الله واحتقار النفس؟ انكسار لا يهينك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
رجل ينظر إلى المرآة متألمًا في تعبير عن الفرق بين الافتقار إلى الله واحتقار النفس

الفرق بين الافتقار إلى الله واحتقار النفس لا يظهر في الاعتراف بالضعف وحده، بل فيما يصنعه هذا الاعتراف بك: هل يردّك إلى الله لتنهض، أم يسحق قيمتك ويجعلك تقبل الإهانة واليأس؟

يقف أمام المرآة، فلا يرى إلا ما يكره.

موهبةٌ أفسدها التقصير، وفرصةٌ ضيّعها التردد، وذنبٌ عاد إليه بعد توبة، وكلماتٌ قاسية قيلت له حتى استقرت في داخله كأنها حقيقة.

يخفض رأسه، ويقول في نفسه:

أنا لا خير فيَّ.
لا أحسن شيئًا.
لا أستحق أن يحبني أحد.
وربما كان ما يصيبني من الإهانة هو مكاني الذي أستحقه.

يمدحه أحدهم، فينكمش كأن المديح تهمة.

يُقال له: أحسنت، فيسارع إلى نفي إحسانه.

ويُذكَّر بموهبةٍ أودعها الله فيه، فيدفنها تحت عبارات التحقير، ويقول: أنا لا شيء، ولا خير فيَّ، ولا أقدر على شيء.

ثم يجيء من ينتقصه، ويتجاوز حدَّه معه، ويهدر كرامته، فيسكت.

لا لأنه عفا وهو قادر، ولا لأنه آثر الحِلم على الانتصار، بل لأنه يظن في أعماقه أن الإهانة تليق به، وأن الدفاع عن نفسه كِبر، وأن قبول الذل لونٌ من ألوان الانكسار لله.

كلما حطَّ من قدر نفسه، ظن أنه ازداد تواضعًا.

وكلما أنكر ما فيه من خير، ظن أنه صار أعرف بربه.

وكلما سمح للناس أن يطؤوا كرامته، سمّى ذلك زهدًا في النفس.

حتى ينتهي به الطريق إلى إنسانٍ مطفأ: يخشى أن يعترف بنعمة الله عليه، ويستحيي أن يستعمل ما أُعطي، ويعتذر عن وجوده، ثم يظن أن هذا هو الافتقار.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يتوقف عنده طويلًا هو:

هل يعني أنك فقير إلى الله أنك بلا قيمة؟

أم أن قيمتك الحقيقية تبدأ حين تعرف أنك عبدٌ له؟

هناك خيطٌ دقيق يفصل بين قلبٍ انكسر لله فكان انكساره بابًا لعزِّه، ونفسٍ راحت تسحق ذاتها حتى عجزت عن النهوض.

وقد تتشابه الكلمات، وتتشابه الدموع، وقد يختلط المعنيان على صاحبهما في سجدة واحدة؛ لكن أحدهما عبوديةٌ تحرّره، والآخر وهمٌ يسحقه، وربما فتح عليه بابًا من أبواب اليأس.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الافتقار لا يصنع منك إنسانًا محتقرًا

فالافتقار إلى الله لا يصنع منك إنسانًا محتقرًا.

الافتقار يضعك في موضعك الصحيح أمام الله، لا تحت أقدام الناس.

الافتقار يقول:

ما عندي فمن الله، وما أقدر عليه فبتوفيق الله، وأنا مسؤولٌ أمام الله عن استعمال ما وهبني فيما يرضيه.

أما احتقار النفس فيقول:

ليس عندي خير.
ولا أستطيع أن أفعل شيئًا.
ولن أتغير مهما حاولت.
ولا فائدة من البدء من جديد.

الافتقار ينزع عن النعمة دعوى الملك والاستقلال، لكنه لا ينكر وجودها.

أما احتقار النفس، فينكر النعمة نفسها، وربما عطّلها، ثم سمّى تعطيلها تواضعًا.

النعمة عندك، ولكنها ليست منك

قال الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

لم تنفِ الآية أن النعمة عندك، وإنما علّمتك من أين جاءت.

حين تقول: علَّمني الله، فأنت لم تنسب العلم إلى نفسك استقلالًا، ولم تنكر أنه صار فيك علمٌ تُسأل عنه.

وحين تقول: أقدرني الله، فأنت لم تدَّعِ قوةً منقطعةً عنه، ولم تتظاهر بالعجز عن فعل ما حمّلك مسؤوليته.

وحين ترى في نفسك عقلًا راجحًا، أو لسانًا بليغًا، أو يدًا تحسن العمل، أو قلبًا رحيمًا، أو خبرةً نافعةً، أو قدرةً على النهوض بعد العثرات، فلا يلزمك التواضع أن تجحدها؛ بل يلزمك أن تعرف مصدرها، وحقها، والغاية التي ينبغي أن تُصرف فيها.

ليس التواضع أن تقول عن النعمة: ليست موجودة.

التواضع أن تراها، ولا ترى نفسك خالقها.

أن تقول بصدق:

عندي، ولكن ليس مني.

أُعطيت، ولم أخلق لنفسي ما أُعطيت.

وأستعمل ما وهبني الله في مرضاته، ولا أتعالى به على عباده.

التواضع أن تستعمل النعمة، ولا تزهو بها.

أن تشكر الله عليها، ولا تجعلها دليلًا على أنك أفضل عنده من عباده.

فالمتكبر يرى النعمة، وينسى المنعم.

ومحتقر نفسه ينكر النعمة، ويجحد أثر فضل الله عليه.

أما المفتقر إلى الله، فيرى النعمة والمنعم معًا؛ فيشكر ولا يزهو، ويعمل ولا يغتر، ويعرف قدره من غير أن يتجاوز حدَّه.

فالذي يتكبر بالنعمة انحرف؛ لأنه رأى العطية استحقاقًا ذاتيًا.

والذي يحتقر نفسه حتى ينكر النعمة انحرف أيضًا؛ لأنه دفن ما وضعه الله في يده، وفرَّ من مسؤوليته باسم الانكسار.

أحدهما ضخَّم نفسه حتى غابت عنه المنّة.

والآخر سحق نفسه حتى غابت عنه الأمانة.

وكلاهما لم يرَ النعمة كما ينبغي.

المرآة لا تحتاج إلى أن تُكسر

تأمل المرآة حين توضع في غرفة مظلمة.

هي لا تملك نورًا من ذاتها، لكن هذا لا يجعلها عديمة القيمة.

وحين لا يظهر فيها شيء، لا تحتاج إلى أن تُكسَر، بل تحتاج إلى أن تُوجَّه نحو الضوء.

هكذا أنت.

لا تملك هدايتك، ولا ثباتك، ولا توفيقك، ولا قوتك استقلالًا عن الله؛ لكن افتقارك إلى النور لا يعني أنك قطعة ظلامٍ لا نفع فيها.

إنك لست غنيًا بما أُعطيت؛ لأن ما أُعطيت قد يُسلب، وما تعرفه قد تنساه، وما تقدر عليه اليوم قد تعجز عنه غدًا، وقلبك الذي يثبت ساعةً قد يضطرب في الساعة التالية.

لكنك كذلك لست عدمًا.

لقد خلقك الله، وكرَّم بني آدم، ووهبك من الاستعداد والقدرة ما تقوم به مسؤوليتك، ثم خاطبك، وكلَّفك، وأمرك ونهاك، وجعل لعملك أثرًا، ولا يكلِّف الله عدمًا لا إرادة له ولا قدرة.

قال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

فكيف تجعل إهانة نفسك طريقًا إلى من أخبرك أنه كرَّم بني آدم؟

وكيف تظن أن قبول إذلال الناس عبادة، وأن السكوت عن انتقاصك تواضع، وأن إلغاء قدراتك صدقٌ مع الله؟

أنت ضعيفٌ، نعم.

لكن ضعفك لا يعني أنك بلا قيمة.

أنت عاجزٌ عن الاستقلال عن الله، لا عاجزٌ عن كل فعلٍ أقدرك الله عليه.

أنت لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًا استقلالًا، لكنك تملك بإذن الله أن تختار، وتسعى، وتتعلّم، وتتوب، وتدفع الظلم، وتحفظ الأمانة، وتقوم بما تستطيع.

والخلط بين هذين المعنيين يفسد القلب والعمل معًا.

فمن فهم الافتقار على أنه إلغاءٌ للقدرة، ترك السعي وقال: لا أستطيع.

ومن فهمه على أنه إلغاءٌ للقيمة، قبل المهانة وقال: أنا لا أستحق غير ذلك.

ومن فهمه على أنه إلغاءٌ للمسؤولية، عطَّل ما في يده، ثم نسب عجزه إلى التواضع.

والحقيقة أن افتقارك إلى الله لا يعفيك من المسؤولية؛ بل يزيد شعورك بها.

لأنك تعلم أن ما في يدك ليس ملكًا مطلقًا لك، بل أمانة.

علمك أمانة.

وقوتك أمانة.

ولسانك أمانة.

ومكانتك أمانة.

والفرصة التي فُتحت لك أمانة.

فلا تتكبر بها، ولا تدفنها.

استعملها وأنت تقول بقلبك:

يا رب، هذا منك، وبك، ولك.

التواضع لا يبيح الإهانة

والتواضع كذلك لا يأمرك أن تسمح للناس بإهانتك.

يمنعك من التعالي عليهم، لكنه لا يوجب عليك أن تضع نفسك تحت أقدامهم.

يمنعك من احتقارهم، لكنه لا يأمرك أن تقبل احتقارهم لك.

والافتقار يكسرك بين يدي الله، لكنه لا يطلب منك أن تنكسر لكل يدٍ امتدت لتستعبدك.

يعلّمك أن تعفو حين يكون العفو فضلًا، وأن تحلم حين يكون الحلم قوةً وبصيرة، لكنه لا يسمّي الخوف من المواجهة تواضعًا، ولا يجعل السكوت عن كل تعدٍّ عبادة.

قد تسكت عن إساءةٍ لأنك أرفع منها.

وقد تتجاوز عن حقك طلبًا للأجر.

وقد تصبر على أذى لا تستطيع دفعه.

لكن فرقًا كبيرًا بين من يترك الانتصار لنفسه اختيارًا، ومن يصدّق في داخله أنه خُلق ليُهان.

الأول يملك نفسه.

والثاني فقدها.

ومن آثار العبودية الصادقة أن يزداد قلبك ذلًّا لله، وعزًّا عن أن يبيع كرامته لمخلوق.

حين تعرف أن رزقك بيد الله، لا تتسوّل القبول ممن لا يملك لك رزقًا.

وحين تعرف أن أحكام الناس لا تصنع منزلتك عند الله، لا تقبل الإهانة حتى يرضوا عنك.

وحين تعرف أن قوتك ليست مستقلةً عن الله، لا تخشى أن تعترف بما آتاك، ولا تحتاج إلى إخفاء نعمته حتى تبدو متواضعًا.

والانكسار لله لا يجعلك عبدًا لأحكام الناس عليك؛ بل يحررك منها.

لأن من عرف أن حاجته الأصلية إلى الله، لم يجعل كرامته معلقةً بمدح الناس، ولم يسلّمها لذمهم.

إن قبلوه، لم يظن أن قبولهم أوجده.

وإن رفضوه، لم يظن أن رفضهم أعدمه.

وإن مدحوه، لم يطِر فوق قدره.

وإن ذمّوه، لم يسقط تحت قدره.

هو عبدٌ لله في الحالتين.

قيمته ليست جائزةً يمنحها له الناس إذا رضوا، ثم يسحبونها إذا غضبوا.

أما الذي يحتقر نفسه، فقد يبقى جائعًا إلى أعين الناس.

ينتظر منهم كلمةً تثبت أنه موجود، ومدحًا يقنعه أن له قيمة، وقبولًا مؤقتًا يسدُّ حفرةً لا تمتلئ.

فإن مدحوه ارتفع، وإن ذموه انهار، وإن اقتربوا منه اطمأن، وإن ابتعدوا عنه شك في نفسه.

أما المفتقر إلى الله، فإنه لا يستغني عن النصيحة، ولا يزعم أنه لا يتأثر، لكنه لا يجعل قلوب الناس المحكمة الأخيرة على قيمته.

يعلم أنه عبدٌ لله، وأن عليه أن يصلح نفسه، لا أن يعبد الصورة التي يرسمها الآخرون عنه.

الانكسار لله عزّ

ولهذا كان الانكسار لله عزًّا.

أنت تنحني بين يديه، فلا تضطر أن تنحني بقلبك لكل أحد.

تطلب منه، فلا تتسوّل قيمتك من الخلق.

تعترف بفقرك إليه، فلا ترهن كرامتك بمن يملك مالًا، أو منصبًا، أو نفوذًا، أو قبولًا.

أما من لم يعرف فقره إلى الله، فقد يظل يطرق أبواب الناس بقلبه، ولو بدا أمامهم قويًا.

يرضيهم ليشعر أنه موجود.

ويخشى غضبهم كأن مصيره في أيديهم.

ويتنازل عن حقه، لا حلمًا ولا إحسانًا، بل خشية أن يفقد الاعتراف الذي يعيش عليه.

فأيُّهما المكسور حقًا؟

من سجد لله فقام عزيزًا؟

أم من أبى أن ينكسر لله، فظل قلبه منحنيًا أمام كل نظرةٍ وكلمة؟

ماذا يحدث لك بعد الانكسار؟

وهناك ميزانٌ آخر يكشف لك الفرق بين الافتقار واحتقار النفس:

ماذا يحدث لك بعد الانكسار؟

هل تقوم، أم تبقى مطروحًا؟

هل يدفعك ألمك إلى التوبة والعمل، أم يقنعك بأنك لا تستحق أن تحاول؟

احتقار النفس يشلّك.

يجعلك تنظر إلى خطئك فلا ترى بعده طريقًا، وإلى ضعفك فلا ترى معه مددًا، وإلى ماضيك فلا تتصور لك مستقبلًا.

يقول لك:

لقد فشلت، إذن أنت فاشل.

لقد أذنبت، إذن أنت فاسدٌ لا رجاء فيك.

لقد ضعفت، إذن لن تقوى أبدًا.

فيحوّل الفعل إلى هوية، والعثرة إلى حكمٍ نهائي، والذنب إلى سجنٍ لا باب له.

أما الافتقار إلى الله، فإنه لا يهوّن من الذنب، ولا يجمّل التقصير، ولا يعفيك من المسؤولية.

لكنه يقول لك:

أخطأت، فتب.

وضعفت، فاستعن.

وسقطت، فانهض.

وجهلت، فتعلّم.

وقصّرت، فأصلح ما تستطيع.

لأن الاعتراف بالمرض لا يعني قتل المريض.

والطبيب الرحيم لا ينكر الجرح، لكنه لا يمسك السوط ليضرب به الجسد المصاب؛ بل يداوي الجرح، ويزيل فساده، ويحفظ ما بقي حيًّا.

الذنب ليس حكمًا نهائيًا على هويتك

حين تحتقر نفسك بعد الذنب، قد تتحول من تائبٍ يرجو الرحمة إلى جلادٍ لا يعرف إلا العقوبة.

تردد في داخلك:

أنا منافق.

لا فائدة من توبتي.

لن يغفر الله لمثلي.

كم مرة عدت ثم نقضت؟

وقد يبدو هذا الكلام شدةً في محاسبة النفس، لكنه قد ينقلب إلى قنوطٍ من رحمة الله، أو سوء ظنٍّ بمغفرته.

أما الافتقار الصادق، فيجعلك تقول:

يا رب، أنا المذنب وأنت الغفور.

أنا الضعيف وأنت القوي.

لا حجة لي في معصيتي، ولا نجاة لي إلا برحمتك.

أبرأ من حولي وقوتي، وأعود إليك مستغفرًا، وأجاهد نفسي مرةً أخرى.

لا تدافع عن ذنبك، ولا تجعل ذنبك في قلبك أعظم من رحمة الله.

لا تأمن مكر الله، ولا تقنط من مغفرته.

هذا هو الميزان:

خوفٌ يمنعك من التمادي، ورجاءٌ يمنعك من الانقطاع.

الافتقار لا يقول لك إن محاولتك وحدها تكفي، ولا يمنحك ضمانًا لنتيجة بعينها، لكنه يمنعك من ترك الباب لأنك لست كاملًا.

فالله لم يكلّفك أن تأتيه بلا ضعف، وإنما أمرك أن تأتيه بضعفك صادقًا، مستعينًا، مجاهدًا، تائبًا كلما زللت.

وقد تدخل على الله في سجدةٍ مثقلًا بذنوبك، ثم تقوم منها ولم تتغير ظروفك، ولم تُحلَّ جميع مشكلاتك، لكن شيئًا عظيمًا قد يكون استقام في داخلك:

لم تعد تحاول أن تحمل نفسك وحدك.

لقد وضعت عجزك في موضعه الصحيح، بين يدي القادر.

واعترفت بفقرك أمام الغني.

وعرفت أنك لا تملك لنفسك هدايةً ولا ثباتًا إلا بتوفيقه، لكنك في الوقت نفسه مسؤولٌ أن تسعى، وأن تتوب، وأن تستخدم ما أعطاك، وأن تحفظ كرامتك من أن تُبتذل.

وهذا هو المعنى الذي تحتاجه حين تحاول أن ترجع إلى الله بعد الذنب دون أن تجعل السقوط هويةً دائمة أو سببًا للانقطاع.

الفرق كله في جملتين

وهنا يظهر الفرق كله في جملتين:

احتقار النفس يقول: ليس عندي خير، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا.

والافتقار يقول: كل خيرٍ عندي فمن الله، ولا أستطيع أن أحفظه أو أحسن استعماله إلا بالله.

احتقار النفس يلغي المسؤولية بحجة العجز.

والافتقار يثبت المسؤولية، وينفي الاستقلال.

احتقار النفس يجعلك تنسحب من الحياة.

والافتقار يجعلك تدخلها مستعينًا بالله.

احتقار النفس يجعلك تقبل الإهانة؛ لأنك تظن أنك تستحقها.

والافتقار يجعلك ترفض الظلم، لا كِبرًا، بل حفظًا لما كرّمه الله.

احتقار النفس يطفئ مواهبك.

والافتقار يجعلك تستعملها شاكرًا، خائفًا من الغرور، حريصًا على الأمانة.

احتقار النفس يحبس عينيك في سوادك.

والافتقار يريك ضعفك، ثم يرفع بصرك إلى كمال ربك.

ميزان لا يظلم النفس

إن الله لم يأمرك أن تزكّي نفسك، ولم يأمرك كذلك أن تظلمها.

وبين تزكية النفس واحتقارها ميزانٌ لا يستقيم إلا بالعبودية.

لا تقل: أنا خيرٌ من الناس.

ولا تقل: لا خير فيَّ.

قل:

فيَّ من الخير ما وفّقني الله إليه، وفيَّ من النقص ما أستغفره منه، ولا أعلم منزلتي عنده، ولا أستغني عن فضله طرفة عين.

لا تنسب نجاحك إلى ذاتك كأنك خلقت أسبابه.

ولا تنكر نجاحك حتى تضيع شكر النعمة.

لا تصنع من ضعفك عرشًا تجلس عليه بقية عمرك، وتقول: هذه حقيقتي التي لا تتغير.

ضعفك حالٌ من أحوالك، وليس هويتك كلها.

قد تضعف، ثم يقوّيك الله.

وقد تجهل، ثم يعلّمك.

وقد تخطئ، ثم تتوب.

وقد تسقط، ثم تنهض.

وإدمان وصف النفس بالعجز قد يتحول مع الأيام إلى بابٍ للهروب من التكليف، كما أن إدمان مدحها قد يتحول إلى بابٍ للعجب.

فاحذر الطرفين.

لا تقل: أنا قادر، إذن لا أحتاج إلى الله.

ولا تقل: أنا محتاج إلى الله، إذن لا قدرة لي ولا مسؤولية.

بل قل:

قدرتي نفسها وجهٌ من وجوه افتقاري؛ لأنها ليست مني ابتداءً، ولا تبقى لي إلا بإبقاء الله لها، ولا تهتدي إلى الخير إلا بتوفيقه.

ولهذا فإن العارف بافتقاره لا يدفن مواهبه، بل يطهّرها من العُجب.

لا يترك العمل، بل يطهّر عمله من الاعتماد على النفس.

لا يهرب من المسؤولية، بل يؤديها مستعينًا بالله.

لا يحتقر نفسه، بل يمنعها من ادّعاء ما ليس لها.

يعرف أنها لا تستحق العبادة ولا التعظيم المطلق، لكنها نفسٌ مخلوقة، مأمورةٌ أن تصون نفسها عن الحرام، وأن تحفظ ما استرعاها الله عليه.

فإن كنت قد اعتدت أن تهدم نفسك كلما أردت أن تتواضع، فتوقّف.

ليس كل جلدٍ للنفس محاسبة.

وليس كل سكوتٍ عن الإهانة حلمًا.

وليس كل إنكارٍ للقدرة افتقارًا.

قد يكون ما تسميه تواضعًا خوفًا.

وقد يكون ما تسميه زهدًا في النفس جرحًا قديمًا أقنعك أنك لا تستحق الاحترام.

وقد يكون ما تسميه انكسارًا هروبًا من مسؤولية النهوض.

وبعض هذه الجراح لا تحتاج إلى مزيد من الإدانة، بل إلى جبر يعيد بناء نظرتك إلى نفسك، وهو معنى بُسط في مقال كيف يجبر الله كسر القلب؟

فتأمل قلبك بصدق:

حين تقول: لا أستطيع، أحقًا عرفت ضعفك أمام الله، أم أنك تخشى المحاولة؟

وحين تنكر ما فيك من خير، أحقًا تخاف العُجب، أم أنك صدَّقت طويلًا أصوات من حطّوا من شأنك؟

وحين تقبل الإهانة، أحقًا آثرت العفو، أم أنك لا ترى لنفسك حرمةً تُصان؟

وحين تجلد نفسك بعد ذنبك، أحقًا تحاسبها لتردّها إلى الله، أم أنك تعاقبها حتى تقطع عنها طريق الرجوع؟

لا تعالج الكِبر بتحطيم النفس

لا تعالج الكِبر بتحطيم النفس.

عالجه بمعرفة الحقيقة.

الحقيقة أنك لم تصنع نفسك، ولم تخلق مواهبك، ولم تضمن بقاء نعمتك.

والحقيقة أيضًا أن الله لم يضع هذه النعم فيك عبثًا.

فأنت لا تملك أن تتباهى بها، ولا تملك أن تعطلها.

ولا تجعل نفسك محور انكسارك.

لا تبقَ تحدّق في ضعفك حتى تنسى من تدعوه.

إن رأيت عجزك، فانظر إلى قدرة الله.

وإن رأيت ذنبك، فتذكر سعة مغفرته مع صدق التوبة.

وإن رأيت نقصك، فاعمل على إصلاحه مستعينًا به.

وإن رأيت نعمةً فيك، فاعترف بها، واشكر واهبها، ولا تجعلها سلّمًا للتعالي، ولا يكن خوفك من العجب سببًا لجحودها.

ومن المهم أن تفهم جرحك وأثره دون أن تحوّل هذا الفهم إلى إقامة دائمة في العجز؛ فالفهم النافع يبيّن موضع العلاج، ولا يجعل الألم عذرًا أبديًا، كما يوضح مقال متى يتحول فهم النفس إلى عذر جديد؟

علاج يحفظ الافتقار والكرامة

علاجك أن تعترف بضعفك، دون أن تحوّله إلى هوية.

وأن تعترف بقدرتك، دون أن تنسبها إلى نفسك استقلالًا.

وأن تحفظ كرامتك، دون أن تتعالى على أحد.

وأن تقبل النصيحة، دون أن تقبل الإذلال.

وأن تعرف قدرك، فلا ترفعه فوق العبودية، ولا تهبط به دون التكريم الذي جعله الله لبني آدم.


اقرأ أيضًا

الانكسار الذي لا يهينك

قف بين يدي الله كما أنت:

فقيرًا، لكنك لست مهانًا.

ضعيفًا، لكنك لست عدمًا.

مقصّرًا، لكن باب التوبة لم يُغلق.

موهوبًا، لكن الموهبة ليست منك.

قادرًا، لكن قدرتك لا تستقل لحظةً عن توفيق الله ومدده.

وقل لنفسك حين تحاول أن تسحقك باسم التواضع:

لست إلهًا حتى أستغني.

ولست مخلوقًا مهملًا بلا غاية حتى أحتقر نفسي.

أنا عبدٌ فقيرٌ إلى الله، مكرَّمٌ بما كرَّم الله به بني آدم، وعزّي في عبوديتي له.

أنا مسؤولٌ عمّا وهبني، محتاجٌ إليه في كل خطوة، عزيزٌ عن أن أبيع كرامتي لمن لا يملك لي نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذنه.

فالانكسار لله ليس إعلانًا عن انعدامك، بل إعلانٌ عن انعدام استقلالك عنه.

وليس موتًا لقدراتك، بل تصحيحٌ لنسبتها إلى واهبها.

وليس إذنًا للناس أن يهينوك، بل تحريرٌ لك من الحاجة إلى رضاهم.

وليس جلدًا للذات، بل خلعٌ لوهم الاستغناء، حتى تقوم من سجودك أكثر صدقًا، وأشد تواضعًا، وأقدر على العمل.

لا تقل: أنا لا شيء.

قل: أنا عبد، وكل ما عندي من الله.

ولا تقل: لا أستطيع شيئًا.

قل: لا أستطيع وحدي، وبعون الله أبذل ما أقدر عليه.

ولا تسمِّ استسلامك للظلم تواضعًا.

ولا تسمِّ يأسك من الإصلاح معرفةً بالنفس.

ولا تسمِّ إنكار نعم الله عليك افتقارًا إليه.

ثم قلها بقلبٍ لا يتعالى ولا ينهار:

أنا عبدٌ ضعيفٌ بنفسي، مفتقرٌ إلى ربي، قادرٌ بما أقدرني عليه، ومسؤولٌ عمّا وضعه في يدي.

ذلك هو الانكسار الذي لا يهينك.

أن تعرف أنك لا تستقل بشيءٍ دون الله، دون أن تنسى أنك بأمره مكلَّف، وبما وهبك مسؤول، وقادرٌ بإذنه على أن تنهض.

وأن تسجد له بقلبك، لا لأنك تحتقر نفسك، بل لأنك عرفت أخيرًا أين يكون عزُّها.

فالانحناء لله هو الانحناء الوحيد الذي لا يقصم ظهرك.

إنه يعيدك إلى حجمك الحقيقي:

لا متألّهًا يظن أنه يستغني، ولا مهانًا يظن أنه بلا قيمة؛ بل عبدًا يعرف فقره، ويحفظ كرامته، ويحمل أمانته، ويمضي إلى الله بقلبٍ منكسر، ورأسٍ لا ينحني لغيره.

```2[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0