كيف أتعامل مع البلاء؟ تذكّر أن معك اللطيف الخبير

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كيف يتغير معنى البلاء والدعاء والتوكل حين يدرك قلبك أنه لم يكن يومًا وحده؟

طريق غابة موحش يمتد نحو ضوء الفجر، وفانوس يضيء قربه، في رمز للتوكل والثبات أثناء البلاء.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تدخل الشدة كأنك وحدك

تخيّل طفلًا يسير في غابة لا يعرف لها نهاية. الطريق أمامه موحش، والأشجار تحجب عنه ما وراءها، وكلما تجاوز عقبة ظهرت له أخرى. يسمع أصواتًا تخيفه، ويتعثر في طريقه، وتؤلمه الأشواك، وربما يفقد شيئًا مما يحمله.

لو كان وحده، لتحول جهله بالطريق إلى خوف يسيطر عليه؛ فهو لا يعرف أين يمضي، ولا ما الذي ينتظره، ولا كيف يتصرف إن اعترضه ما يعجز عن مواجهته.

ولكن هذا الطفل يسير مع أبيه. يمسك بيده، ويعود إليه كلما خاف، ويسأله كلما احتار. وربما يبكي إذا آلمه شيء، أو يتمنى لو انتهى الطريق قبل أن يخطو خطوة أخرى.

ومع ذلك، هناك فرق عظيم بين خوفه لو كان وحده، وخوفه وهو مع أبيه.

إنه لا يعرف الطريق، لكنه يعرف من يصاحبه. ولا يعلم ما وراء الأشجار، لكنه يجد إلى جواره من يرجع إليه ويسأله العون.

وقد لا يزول خوفه كله، ولا يتوقف الألم لمجرد وجود أبيه، ولكن شعوره بالعجز لم يعد يعني أنه متروك لمواجهة كل شيء بنفسه.

ولله المثل الأعلى.

فإذا كان الإنسان يجد في صحبة مخلوق يحبه شيئًا من الأمان، مع أن ذلك المخلوق محدود العلم والقدرة، وقد يعجز عن حمايته مما يخاف، فكيف ينبغي أن يكون رجاء العبد في ربه الذي لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، وهو أرحم الراحمين؟

تأمل هذا المعنى، لا باعتباره صورة جميلة نتخيلها ساعة الحزن، بل حقيقة إيمانية قد تغير الطريقة التي تعيش بها البلاء كله.

فكم من مرة دخلت شدة، ثم تصرفت في داخلك وكأنك دخلتها وحدك؟ أخذت تحسب كل احتمال، وتتوقع كل خسارة، وتفتش عن كل مخرج، ثم تزداد اضطرابًا كلما اكتشفت أنك لا تستطيع الإحاطة بما سيحدث.

تريد أن تعرف متى ينتهي الأمر، وكيف سينتهي، وما الذي سيبقى لك بعده، وهل تستطيع احتمال ما قد يأتي. وإذا لم تجد جوابًا، شعرت أن الطريق قد انغلق عليك.

لكن من قال إن عليك أن تعرف كل هذا حتى تستطيع أن تمضي؟ ومن الذي كلفك أن تحيط بالغيب، أو تملك موعد الفرج، أو تضمن لنفسك الطريق الذي ستأتي منه النجاة؟

ما الذي كُلّفت بحمله؟

لعل بعض ما يرهقك في البلاء أنك تحاول حمل أمر لم يكلفك الله بحمله.

لقد كلفك أن تعبده، وأن تصبر، وأن تستعين به، وأن تأخذ بما تستطيع من الأسباب، وأن تتقيه ما استطعت.

أما أن تعرف ما سيقع غدًا، وأن تتولى تدبير كل احتمال، وأن تجعل من نفسك ضامنًا لمستقبلك، فذلك ليس من قدرتك، ولا مما طالبك الله به.

قال سبحانه:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].

تأمل كيف جاءت الكفاية مقترنة بالتوكل، ثم جاء بعدها التذكير بأن الله بالغ أمره، وأن لكل شيء قدرًا.

ليس الأمر فوضى تجري خارج سلطان الله. وليس المستقبل مساحة مجهولة لربك، وإن كان مجهولًا لك.

أنت لا تعلم ما الذي ينتظرك، لكن الله يعلمه. لا تدري أي الأسباب سيبقى، وأيها سيزول، وما الذي سيطرأ على حياتك بعد أيام، لكن شيئًا من ذلك لا يفاجئ علم الله.

وما أكثر ما نعرف هذه الحقيقة بعقولنا، ثم نغفل عنها حين نحتاج إلى أن نعيش بها!

نعلم أن الله هو الرزاق، ثم إذا ضاق الرزق حملنا هم الغد كأن أرزاقنا لا تأتي إلا بقوتنا. ونعلم أنه على كل شيء قدير، ثم إذا أغلقت الأسباب حكمنا بأن الأمر انتهى. ونعلم أنه الحكيم الخبير، ثم إذا لم نفهم ما جرى عاملنا جهلنا بالحكمة كأنه دليل على غيابها.

وهنا يقع التحول الذي يستحق أن تقف عنده طويلًا.

أن تنتقل من معرفة تقول بها: إن الله يدبر أمري، إلى قلب يعيش وهو مستند إلى هذا التدبير.

فالمعرفة الأولى قد تجعلك تجيب إجابة صحيحة إذا سئلت عن التوكل. أما الثانية، فتظهر حين تشتد عليك الأمور، وتضيق بك الأسباب، ولا تجد في يدك ما يغير الواقع، ثم تتذكر أنك ما زلت عبدًا لرب رحيم عليم حكيم.

وأن عجزك عن معرفة المخرج لا يعني عدم وجود مخرج. وأنك حين فقدت السيطرة على بعض أمورك، لم تفقد ربك. وأن الطريق الذي لا تستطيع رؤية آخره، لا يغيب منه شيء عن علم من خلقك وقدر أمرك.

حين تبقى الشدة ويتغير موضع القلب

عندها قد تبقى الشدة كما هي. قد لا يزيد مالك، ولا يشفى مريضك في تلك اللحظة، ولا ينفتح الباب الذي طال انتظارك له.

ولكن شيئًا في داخلك يمكن أن يتغير.

لم تعد ترى البلاء وكأنه القوة التي تملك مصيرك، ولم تعد تنظر إلى الأسباب وكأنها وحدها التي تقرر ما سيحدث لك.

لقد عاد البلاء إلى حجمه الحقيقي: قدر من أقدار الله يجري عليك، تؤلمك آثاره، وتسعى فيما تستطيع لتجاوزه، لكنه لا يخرج عن ملك الله وتدبيره.

فليس من الضروري أن يصغر البلاء في واقعك، حتى يفقد سلطانه على نظرتك إلى ربك.

وربما هنا تفهم لماذا يمكن لإنسان أن يتألم، ومع ذلك يجد في قلبه طمأنينة.

فالطمأنينة ليست أن تختفي المخاوف كلها، ولا أن يصبح الطريق سهلًا، ولا أن تضمن أن كل ما تحبه سيبقى بين يديك. إنما أن تعرف إلى من تلجأ حين تخاف، وعلى من تتوكل حين تعجز، وممن تطلب العون حين لا تجد في نفسك قوة تكفيك.

وقد جاء في القرآن على لسان موسى عليه السلام، حين رأى أصحابه البحر أمامهم والعدو خلفهم، فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجابهم:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

تأمل الفرق بين نظر من رأى الأسباب وحدها، ونظر نبي يعلم أن الأسباب كلها تحت سلطان الله.

لم يكن البحر قد انشق حين قال موسى عليه السلام تلك الكلمة. كان المشهد في ظاهره لا يزال شديدًا، والأسباب التي يراها الناس لا تزال توحي بالخطر.

لكن موسى عليه السلام لم يجعل حدود ما تراه عيناه حدودًا لقدرة ربه. وقد هداه الله ونجاه كما أخبرنا القرآن.

ونحن لا نملك أن نجزم لأنفسنا بنجاة دنيوية مماثلة في كل شدة، ولا أن نستخرج من قصة نبي وعدًا خاصًا بكل نتيجة نتمناها.

لكننا نتعلم منها أصلًا عظيمًا: أن ضيق الأسباب لا يحد قدرة الله، وأن ما نراه من الواقع ليس كل ما يعلمه الله من الأمر.

الدعاء وتفويض صورة الإجابة

وهذا المعنى لا يحررك من الخوف وحده، بل يصحح شيئًا عميقًا في دعائك.

تأمل كيف ندعو أحيانًا. نرفع أيدينا بصدق، ونلح على الله في حاجة طال انتظارها، ونبذل ما نستطيع من الافتقار والرجاء.

ثم ننتهي من الدعاء، وننتظر.

يأتي الغد، فننظر إلى الواقع. هل تغير شيء؟ هل انفتح الباب؟ هل جاءت البشرى؟

فإن وجدنا الأمور كما كانت، عاد إلينا الضيق، وربما تسلل إلى نفوسنا سؤال موجع: دعوت الله بكل هذا الرجاء، فلماذا لم يحدث ما انتظرته؟

هنا قد يكون القلب قد حمل الدعاء، دون أن ينتبه، معنى آخر غير السؤال والافتقار. كأنه صار ينتظر من الدعاء أن يضمن له نتيجة معينة، في وقت معين، ثم بدأ يراقب الواقع ليتحقق من حصولها.

مع أن الدعاء عبادة وتعلق بالله، وليس وسيلة نلزم بها الغيب أن يأتي على صورتنا.

إنك حين تدعو لا تقدم إلى الله خطة يجب أن ينفذها، بل ترفع إليه حاجتك، وتسأله من فضله، وترجو إجابته، وتفوض إليه ما لا تعلمه من عاقبة أمرك.

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي».

فانظر كيف حذرنا من استعجال الإجابة، ومن تحويل تأخر المطلوب إلى حكم بأن الدعاء لم يستجب.

لقد دعوت، والله سمع دعاءك. أما كيف تكون الإجابة، ومتى، وما الذي يختاره الله لك، فذلك ليس مما أحاط به علمك.

وهنا يكتمل معنى عظيم في التوكل:

أن تنتهي من دعائك، فلا تنتهي حاجتك إلى الله، ولكن ينتهي تكليفك لنفسك بمعرفة كيف سيجيبك الله.

تواصل سعيك، وتراجع أسبابك، وتتعامل مع واقعك بما يقتضيه. لكن لا تجعل كل صباح امتحانًا لدعائك، ولا كل تأخير دليلًا على أنك لم تحسن الرجاء.

تتابع الأسباب حتى تعرف كيف تتصرف، لا حتى تستخرج منها حكمًا على محبة الله لك أو على قبول دعائك.

فربك لا يحتاج إلى أن تعرف طريق الإجابة حتى يجيبك. وأنت لا تحتاج إلى أن تعرف موعد الفرج حتى تحسن التوكل عليه.

ولعل هذا هو المعنى الذي نفتقده أحيانًا بعد الدعاء: أن نسلم الأمر حقًا، لا بألسنتنا وحدها، بل بأن نتوقف عن مطالبة قلوبنا بحمل النتائج التي لا نملكها.

وإن أردت التأمل في جانب قريب من هذا السؤال، فاقرأ: إذا كان كل شيء مكتوبًا، فلماذا أدعو؟

الأخذ بالأسباب مع التوكل

ومع ذلك، فإن هذا الفهم لا يعني أن تجلس منتظرًا دون عمل.

فليس من التوكل أن تهمل سببًا تقدر عليه، ثم تقول إن الأمر بيد الله. ولا أن تتأخر عن أداء حق واجب، ثم تتذرع بأن الله هو المدبر.

بل افعل ما تستطيع، واستعن بالله فيما تفعل، ولا تجعل اعتمادك على ما تملكه من الوسائل يحجب عنك افتقارك إلى من وهبك إياها.

حتى حين تتيسر أمورك، ويكون المال حاضرًا، والباب مفتوحًا، والأسباب مهيأة، لا تتصرف وكأن حاجتك إلى الله قد انتهت.

ابدأ به استعانة ودعاء، ثم امض فيما أباحه لك من أسباب.

فكم من أمر توافرت أسبابه ولم يتم، وكم من أمر حسبنا أن أسبابه انتهت ثم فتح الله له وجهًا لم يكن في حسابنا.

والحكمة ليست أن تستغني عن الأسباب، بل أن تعرف منزلتها.

الأسباب تؤخذ، والله عليه يتوكل.

والعبد يسعى، والله هو الذي يقدر النتائج.

وهذا يعيد إلى القلب توازنًا عجيبًا: أن يكون جادًا في عمله، دون أن يجعل نفسه مسؤولًا عما لا يملكه.

وأن يكون شديد الافتقار إلى الله، دون أن يتحول افتقاره إلى عجز عن الحركة. وأن يرجو عطاء عظيمًا من ربه، دون أن يحول حسن ظنه إلى جزم بمستقبل لم يعلمه.

فمن حسن الظن بالله أن ترجو فضله الواسع، وأن تعلم أنه قادر على أن يعطيك فوق ما تتصور، وأن تسأله من خزائن رحمته.

لكن حسن الظن لا يقتضي أن تجزم بأن كل خسارة ستعوض في الدنيا بما هو أكبر منها، أو أن كل أمنية ستتحقق بصورة تفوق خيالك.

أنت ترجو ذلك من كرمه، وتعلم أنه قادر عليه، ثم تترك له اختيار ما يشاء بحكمته.

فما أعظم الفرق بين قلب يرجو فضل الله بلا حدود، وقلب يحدد صورة ذلك الفضل ثم يجعلها شرطًا لطمأنينته.

وهنا أريد أن أعيدك إلى صورة الطفل الذي بدأنا بها.

تخيل أنه في أثناء الطريق فقد حذاءه، وأصابته الأشواك، وأصبح مرهقًا لا يكاد يطيق المشي.

هل سيزول ألمه لأنه يعلم أن أباه معه؟

بالطبع لا.

قد يبكي، وقد يحتاج إلى أن يحمله أبوه أو يعينه، وقد يتمنى لو لم يدخل هذه الغابة أصلًا.

لكن وجود أبيه يغير معنى العجز الذي يشعر به. فهو لا يطلب من نفسه أن يعرف كل شيء، ولا أن يحل كل مشكلة وحده.

ولله المثل الأعلى، فالله أعظم علمًا وقدرة ورحمة، ولا يقاس تدبيره بتدبير خلقه.

وإذا ضاق بك طريق من طرق الحياة، فتذكر هذا المعنى دون أن تتخيل أنك تعرف كيف ستكون نهايته.

قد تخسر شيئًا عزيزًا، وقد تطول بك محنة، وقد تجد في بعض الأيام من الضعف ما لم تكن تتوقعه.

ولا يلزم من صدق التوكل أن يكون الألم خفيفًا.

ولكن ليس عليك أن تضيف إلى ألمك وهمًا آخر: أنك صرت وحدك مسؤولًا عن تدبير الكون من حولك.

أنت عبد لله، ولست رب أمر نفسك.

ويا لها من حقيقة، لو استقرت في القلب على وجهها الصحيح، لأراحت الإنسان من أعباء كثيرة يضعها على نفسه.

لست أنت الذي خلقت أسباب رزقك، ولا الذي يملك أن يضمن بقاءها، ولا الذي يعلم ما سيأتيك غدًا. ولست أنت الذي يحدد آجال الأشياء، أو يحيط بمآلاتها، أو يحفظ هذا العالم من أن يضطرب.

إنما أنت عبد رزقك الله قدرة محدودة، وكلفك في حدودها، وفتح لك باب الاستعانة به فيما عجزت عنه.

قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

فتأمل كيف جعل الله التكليف في حدود الوسع.

وهذا لا يعني أن كل ما تواجهه من ألم سيكون سهلًا عليك، أو أنك لن تحتاج إلى عون ومساندة، وإنما يعني أنك لم تكلف بامتلاك ما ليس في قدرتك.

لا تحمل نفسك علم الغيب. ولا تحملها ضمان الرزق. ولا تحملها التحكم في قلوب الناس، أو منع كل خسارة، أو معرفة موعد انكشاف كل شدة.

خذ من مسؤوليتك ما كلفت به، واستعن بالله على أدائه، واترك له ما استأثر به من العلم والتدبير.

وإذا عجزت، فاسأله العون. وإذا أخطأت، فتب إليه. وإذا خفت، فالْجأ إليه. وإذا تيسرت أمورك، فاحمده ولا تستغن بقوتك عن فضله.

وهذا الفهم لا ينبغي أن يكون زادًا للشدة وحدها.

إنه منهج للحياة كلها.

فكما أنك تحتاج إلى الله عندما تغلق الأبواب، فأنت تحتاج إليه عندما تفتح. وكما تفتقر إليه حين تخسر، فأنت تفتقر إليه حين تربح.

وكما تسأله أن يخرجك من ضيقك، فاسأله أن يبارك لك في سعتك وألا يجعلها سببًا لغفلتك.

فالشدة ليست دائمة، والرخاء أيضًا ليس دائمًا. تتغير الأحوال، وتتبدل الأسباب، ويأتي من الأيام ما لم يخطر على بالنا.

أما الله سبحانه، فهو الحي الذي لا يموت.

قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].

تأمل عظمة هذا التوجيه.

إنك في دنيا تقوم أحوالها كلها على التغير، تؤمر بأن تتوكل على الحي الذي لا يموت.

فلماذا تجعل قلبك معلقًا بحال تعلم أنه متغير، وتغفل عن التعلق برب لا يزول ملكه ولا تنفد خزائنه؟

قد يتغير رزقك، وقد تتغير صحتك، وقد يفارقك من تحب، وقد تتبدل ظروف كنت تظن أنها ستبقى معك طويلًا. وقد يأتيك من الخير ما لم تكن تنتظره.

وفي كل ذلك، تبقى حاجتك إلى الله واحدة، وإن اختلفت صورها.

فلا تجعل الطمأنينة رهينة رخاء تخاف زواله، ولا تجعل البلاء دليلًا على أن حياتك كلها أصبحت أسيرة له.

لا تجعل حدود بصرك حدودًا لقدرة الله

وإذا طال عليك الطريق، فلا تستعجل إصدار الحكم الأخير عليه.

كم مرة قلت في نفسك: انتهى الأمر، ثم اكتشفت أن الذي انتهى لم يكن إلا سببًا من الأسباب؟

وكم مرة ظننت أن ما تراه اليوم هو الصورة النهائية لحياتك، ثم مرت الأيام وجاءت أقدار لم تكن تعلم عنها شيئًا؟

ليس معنى ذلك أن كل باب مغلق سيفتح لك بالطريقة التي تحب. ولكن المعنى أنك لا تملك أن تقول: لا خير بعد هذا، ولا مخرج يمكن أن يقدره الله، ولا شيء وراء ما أراه الآن.

من أين جاءك هذا اليقين وأنت لا تعلم الغيب؟

إنك تستطيع أن تقول: لا أرى مخرجًا الآن.

وهذا وصف صادق لما تدركه.

وتستطيع أن تقول: لا أعرف ماذا أفعل بعد أن استنفدت ما أستطيع.

وهذا اعتراف بحدود قدرتك.

أما أن تنتقل من «لا أرى» إلى «لا يوجد»، ومن «لا أعلم» إلى «لن يحدث»، فتلك أحكام تتجاوز حدود علمك.

لا تجعل ما انتهى إليه بصرك نهاية لما تستطيع قدرة الله أن تحدثه.

ومع ذلك، لا أريد أن أختم هذا المعنى بوعدك أن جميع مشكلاتك ستزول قريبًا، أو أن كل ما فقدته سيعود، أو أن حياتك ستأتي كما تمنيتها.

فليس في أيدينا علم بشيء من ذلك.

لكن هناك حقيقة أعظم من هذه التوقعات جميعًا.

أن ربك يعلم ما لا تعلم. وأنك تستطيع أن تسأله وأنت لا تعرف كيف سيجيبك، وأن تتوكل عليه وأنت لا تعرف كيف سيكون الغد، وأن تستعين به وأنت تشعر بضعفك.

وأن ما أصابك من البلاء لا يخرجه عن ملكه، ولا يسلبك حقك في دعائه، ولا يجعل الاستعانة به أمرًا مؤجلًا حتى تتحسن ظروفك.

وفي معنى قريب من هذا، يمكنك قراءة مقال لا تحتاج أن تفهم الحكمة حتى تطمئن.

العلم بالله طريق للعودة

ثم إنك قد تسأل: إذا كانت هذه الحقائق كلها معروفة، فلماذا لا نجد أثرها في قلوبنا منذ البداية؟

لأن معرفة الحقيقة شيء، واستحضارها ساعة الحاجة شيء آخر.

قد تعرف معنى التوكل، ثم تكتشف عند سقوط سبب كنت تعتمد عليه كم كان قلبك يستند إليه.

وقد تعلم أن الله هو الرزاق، ثم يكشف لك ضيق الرزق أنك اعتدت الاطمئنان إلى ما في يدك أكثر مما ينبغي.

وقد تحفظ آيات الصبر واليقين، ثم تحتاج إلى مجاهدة طويلة حتى تتعلم كيف تعود إليها بقلبك عندما يشتد البلاء.

وليس هذا دعوة إلى طلب الشدائد حتى نتعلم، ولا إلى الجزم بأن الله ابتلانا بحادثة معينة ليعلمنا درسًا مخصوصًا.

إنما هو تذكير بأن العلم النافع لا يقف عند صحة العبارة التي نحفظها، بل يمتد إلى ما يصلح في القلب، ويستقيم به العمل.

ولذلك كان من أعظم ما تسأل الله إياه أن ينفعك بما علمك، وأن يرزقك الثبات على الحق الذي عرفته.

فقد يفتح الله لقلبك معنى كنت تقرؤه منذ سنوات، ثم تدرك فجأة كم كنت محتاجًا إلى أن تعيش به.

وحين يحدث ذلك، لا تنسب الفضل إلى قوة فهمك وحدها.

احمد الله الذي علمك، وسله أن يثبت قلبك، وأن يرزقك العمل بما علمت.

وإن عاد إليك الخوف يومًا، فلا تظن أنك فقدت كل ما تعلمته.

ارجع إلى المعنى، واستعن بالله من جديد.

فالطمأنينة ليست منزلة يدعي الإنسان أنه بلغها ثم لا يتأثر بعدها بشيء.

إنما من أعظم ثمرات العلم بالله أن تجد إليه طريق الرجوع كلما أخذتك الحياة بعيدًا عن السكينة.

وحين تشتد بك الأمور مرة أخرى، ولا تعرف ماذا سيحدث، ولا متى يأتي الفرج، ولا كيف تستقيم الأسباب، فليكن في قلبك من هذه المعرفة ما يعينك على ألا تتصرف كأنك متروك لنفسك.

قل: يا رب، أنت تعلم وأنا لا أعلم، وتقدر وأنا لا أقدر، وأنت أرحم بي من نفسي. إني أسألك الفرج والعافية، وأسألك أن تعينني على ما أمرتني به، وأن تحفظ قلبي من سوء الظن بك حين يضيق علمي بما تقدر.

اللهم لا تجعل جهلي بالطريق سببًا لنسيان علمك، ولا عجزي عن التدبير سببًا لغفلتي عن قدرتك، ولا تأخر ما أرجوه سببًا لانقطاع دعائي.

وارزقني قلبًا يأخذ بالأسباب دون أن يستغني بها عنك، ويدعوك دون أن يفرض عليك صورة الإجابة، ويرجو فضلك دون أن يدعي معرفة ما اخترته له.

خطوتك التالية

ثم امض في يومك.

افعل ما تستطيع فعله، ولا تحتقر خطوة صغيرة تملكها لأنك لا تملك الطريق كله.

واسع فيما ينفعك، واستعن بالله، ولا تحمل هم أمر لم يأت أو نتيجة لم تكلف بضمانها.

وإذا آلمك شيء، فلا تستح من ألمك. وإذا خفت، فلا تجعل خوفك سببًا لأن تنسى من تدعوه. وإذا ضاق عليك الطريق، فلا تحكم على كل ما وراءه بما تراه في هذه اللحظة.

تذكر الطفل الذي دخل الغابة.

لم تكن طمأنينته قائمة على معرفته بكل منعطف، ولا على قدرته على إزالة كل عقبة. كان يجد من الطمأنينة بقدر ما يثق بمن يصاحبه ويعينه.

ولله المثل الأعلى، فإنك تتعبد لله بتوكل أعظم من اعتماد مخلوق على مخلوق؛ لأنك تتوكل على رب كامل العلم والقدرة والحكمة والرحمة.

وهنا يصل القلب إلى معنى أرجو أن يبقى معه في شدته ورخائه:

ليس عليك أن تعرف الطريق كله، ولا موعد نهايته، حتى تعرف إلى من ترجع في كل خطوة منه.

فالطريق مجهول لك في كثير من تفاصيله، لكنه لا يغيب عن علم الله. ومستقبلك لا تملكه، لكنه لا يخرج عن ملك الله. ورزقك لا تضمنه لنفسك، ولكن الله هو الرزاق.

وأنت لا تستطيع أن تدبر كل شأنك، ولكنك تستطيع أن تفوض إلى الله ما لا تقدر عليه، وأن تقوم بما أقدرك عليه.

فلا تحمل ما لم يكلفك الله بحمله.

احمل مسؤوليتك، وخذ بأسبابك، وارفع دعاءك، ثم أرح قلبك من مطالبة نفسه بأن يكون عالمًا بالغيب، مالكًا للنتائج، ضامنًا لما يأتي به الغد.

فلست بحاجة إلى أن تصبح أقوى من كل ما تواجهه.

أنت بحاجة إلى أن تعرف ضعفك، وأن تحسن الاستعانة بمن له القوة جميعًا.

ولعل أعظم ما يتغير في قلبك حين يستقر فيه هذا المعنى أنك لن تنظر إلى البلاء وحده كلما اشتد، ولن تنظر إلى الأسباب وحدها كلما تعثرت.

ستتذكر رب الأسباب، وتعلم أن ما جهلته من أمرك لم يغب لحظة عن علمه.

وحينها تستطيع أن تقول، دون ادعاء أنك لا تتألم، ودون زعم أنك تعرف كيف ستكون النهاية:

لا أعرف ما الذي ينتظرني في الطريق، ولكنني أعرف ربي الذي أتوكل عليه.

وذلك علم يكفيك لتبدأ خطوتك التالية، وإن لم يكشف لك الغد كله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0