كيف أعرف أن الله يحبني؟ الطريق الذي دلّك الله عليه

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

حين تخاف أن تكون بعيدا عن محبة الله… أين تبحث عن الجواب؟

تأتي على الإنسان لحظات لا يكون أشد ما يشغله فيها ما فقده من الدنيا، ولا ما تأخر عليه من أمنياته، ولا حتى ما يحمله من هموم. يصبح في قلبه سؤال أعمق من ذلك كله، سؤال لو وجد له ما يطمئنه، لهانت عليه أشياء كثيرة مما يواجهه.

هل يحبني الله؟

طريق حجري بعد المطر ينتهي بباب مضاء عند الفجر، مع توقيع حين يوقظك الله بكلمة

قد يأتيك هذا السؤال وأنت في شدة طال أمدها، أو بعدما دعوت الله كثيرا ولم تر ما كنت ترجوه، أو حين تنظر إلى نفسك فتجد ذنوبا تحاول الخلاص منها، وعبادات لا تؤديها كما تتمنى، وقلبا تتقلب عليه أحوال القرب والفتور. وربما يأتيك في لحظة هادئة، دون سبب ظاهر، حين تتأمل حياتك كلها وتتساءل: أين أنا من محبة الله؟ هل أنا من عباده الذين يحبهم، أم أنني أتمنى لنفسي منزلة لم أبلغها؟

وما أصعب أن يتعلق قلبك بهذا السؤال، ثم تبحث عن جوابه في كل ما يحدث لك. إذا تيسرت أمورك، قلت: لعل الله يحبني. وإذا تعسرت، خفت أن يكون في ذلك شيء من غضبه عليك. وإذا وجدت لذة في الصلاة، اطمأننت قليلا، فإذا صليت يوما ولم تجد تلك اللذة، عاودك الخوف. وإذا وفقت إلى طاعة، رجوت أن تكون علامة خير، ثم تتذكر ذنبا وقعت فيه، فتشعر أن كل ما اطمأننت إليه قد تزعزع.

حتى يصبح قلبك كأنه ينتظر من كل حادثة، ومن كل شعور، ومن كل نتيجة، جوابا عن منزلته عند الله.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تصبح كل حادثة مقياسا

وهنا أريد أن ألفت نظرك إلى أمر دقيق. قد يكون السؤال الذي يؤلمك مشروعا في أصله، ولكن الطريقة التي تبحث بها عن جوابه هي التي تزيد حيرتك. فالرغبة في محبة الله من أشرف ما يطلبه العبد، والخوف من التقصير في حقه قد يدفع إلى التوبة والإصلاح.

لكن ما الذي يحدث حين تتحول هذه الرغبة إلى انتظار دائم لعلامة خاصة تخبرك بما لا تعلمه عن نفسك؟ ستبحث عنها في الرزق، وفي الصحة، وفي إجابة الدعاء، وفي انشراح الصدر، وفي مقدار ما تشعر به من حلاوة العبادة. فإن وجدتها اطمأننت، وإن غابت اضطربت.

مع أنك قد تكون وضعت قلبك أمام مقاييس لم يجعلها الله وحدها دليلا على محبته.

الميزان الذي صححه القرآن

تأمل كيف صحح القرآن هذا الميزان في سورة الفجر. قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17].

تأمل تلك الكلمة الأخيرة: ﴿كَلَّا﴾.

فقد أبطل الله هذا الميزان الذي يجعل سعة الرزق دليلا قاطعا على الكرامة، وضيقه دليلا على الهوان. وكأن الإنسان يريد أن يعرف منزلته عند ربه بالنظر إلى مقدار ما حصل عليه من الدنيا، فيأتي القرآن ليمنعه من هذا الحكم المتعجل.

فليس كل من اتسعت دنياه كان ذلك دليلا على محبة الله الخاصة له، ولا كل من ضاقت عليه كان ضيقه دليلا على بغض الله إياه. لقد ابتلي الأنبياء، وهم أعظم الناس منزلة عند الله.

فكيف تجعل خلو حياتك من الألم شرطا لتطمئن إلى محبته؟ وكيف تحمل كل ما أصابك من الشدائد معنى الغضب، مع أنك لا تعلم ما أراد الله بك في خصوص ما جرى؟

إن البلاء واقع تعرفه، أما الحكم على منزلتك عند الله من خلاله وحده، فهو تجاوز لما تعرفه إلى ما لا تعرفه.

ولكن إذا لم تكن الدنيا هي المقياس، وإذا كانت مشاعرنا تتغير، فأين نبحث عن الجواب؟

الطريق الذي دلّك الله عليه

هنا يأتي المعنى الذي أرجو أن تقرأه بقلبك قبل عينيك. حين سألنا القرآن عن محبة الله، لم يتركنا نفتش في أسرار الغيب، وإنما دلنا على طريق واضح نسلكه.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

تأمل: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

أنت تبحث عما يدل على محبة الله لك، والله يدلك على طريق محبته. لم يجعل المقياس مقدار ما تملكه، ولا عدد الأبواب التي فتحت لك، ولا دوام الشعور بالأنس في كل لحظة. أرشدك إلى اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهنا يتغير السؤال من داخله. فبدلا من أن تستنزف نفسك في محاولة معرفة ما أخفاه الله عنك من منزلتك الخاصة عنده، تستطيع أن تنظر فيما أمرك به، وفيما يحبه من عباده، ثم تسعى إليه.

وهذا لا يعني أن كل من عمل عملا صالحا يستطيع أن يجزم لنفسه بمقام مخصوص عند الله، فحقيقة القلوب وقبول الأعمال مما لا نحيط به. لكنه يعني أنك لست متروكا بلا هداية إلى ما تطلب.

لقد أخبرك الله بما يحبه، وفتح لك طريق التقرب إليه، وجعل لك من الوحي ما ترجو به محبته دون أن تحتاج إلى اختراع علامات من عند نفسك.

محبة الله لا تغلق بابها في وجه التائب

وهنا قد يعترض قلبك اعتراضا موجعا. تقول: لكنني مقصر. أعرف من نفسي ما لا يعرفه الناس. أعرف صلوات شرد فيها قلبي، وفرصا للطاعة ضيعتها، وذنوبا ندمت عليها ثم عدت إليها، وأوقاتا غفلت فيها عن الله حتى خجلت من نفسي.

فكيف أرجو محبته وأنا أعلم كل هذا عني؟

أريدك هنا أن تتأمل وصفا اختاره الله لعباد أخبر أنه يحبهم. قال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

التوابون.

تأمل هذا الاسم. إنه لا يصف أناسا لم يعرفوا الخطأ قط، بل يصف عبادا يتوبون إلى الله، ويجددون الرجوع إليه.

وهذا لا يجعل الذنب أمرا هينا، ولا يجعل التوبة كلمة تقال مع الإصرار على المعصية والاستهانة بها. لكنه يفتح أمام من صدق في ندمه ورجوعه معنى عظيما:

إن وقوعك في الذنب لا يغلق دونك باب محبة الله، ما دمت ترجع إليه بالتوبة الصادقة وتسعى إلى إصلاح ما أفسدت.

فلماذا تجعل معرفتك بذنوبك سببا لليأس من محبة الله، وهو الذي أخبر أنه يحب التوابين؟ ولماذا تتعامل مع كل انتكاسة كأنها حكم نهائي على مستقبلك مع ربك؟

تب مما فعلت، وأقلع عن الذنب، واندم، واعزم على ألا تعود، ورد الحقوق إلى أهلها إن تعلقت المعصية بحقوق الناس، واستعن بالله على ما يضعفك.

وإن زللت بعد توبة صادقة، فلا تجعل الزلة الجديدة ذريعة إلى ترك التوبة، بل جددها بصدق، وأصلح أسباب السقوط.

فما دمت حيا، فباب التوبة مفتوح.

بين الرجاء والخوف من تزكية النفس

ولكن انتبه إلى فرق آخر. قد تقرأ هذه الآية فتقول: إذن أنا من أحباب الله قطعا. والأحسن لقلبك أن يجمع بين الرجاء والخوف، وبين حسن الظن بالله وعدم تزكية النفس.

فأنت ترجو محبته بما أخبر أنه يحبه، وتسأله قبول عملك، وتخاف من تقصيرك خوفا يحملك على الإصلاح، لا خوفا يقطعك عن بابه.

لا تجعل تواضعك أمام الله يتحول إلى يأس، ولا تجعل رجاءك في رحمته يتحول إلى اغترار.

حين تغيب لذة العبادة

وهناك باب آخر من أبواب هذا المعنى قد يغيب عنك. ربما تظن أن محبة الله لك لا بد أن تكون مصحوبة بشعور عظيم تحسه في كل صلاة، أو سكينة لا تفارق صدرك، أو خشوع لا ينقطع. فإذا مرت بك أيام تثقل فيها العبادة على نفسك، خفت أن تكون قد فقدت ما كنت ترجوه من القرب.

والحق أن مشاعر الإنسان تتقلب. قد يصلي العبد فيجد انشراحا، وقد يصلي وهو يجاهد شرود قلبه وتعب نفسه. وقد يذكر الله فتفيض عيناه، وقد يذكره وهو يحاول جمع قلبه دون أن يجد ذلك التأثر.

ولا يستوي الإقبال والغفلة، ولا ينبغي أن نرضى عن قسوة القلب أو نهمل إصلاحها. لكن غياب اللذة في لحظة لا يكفي وحده للحكم على منزلة العبد عند ربه.

فانظر إلى معنى أعمق من مجرد ما تشعر به أثناء العبادة: أنك مأمور بها، وأنك تعود إليها، وأنك تجاهد نفسك لتؤديها ابتغاء وجه الله.

وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري، قال الله تعالى:

«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».

يا له من باب واسع لمن صدق في طلب محبة الله!

تأمل كيف يبدأ الحديث بالفرائض، تلك الأعمال التي قد يؤديها الإنسان في أيام نشاطه وفي أيام تعبه، في سعة وقته وفي ضيقه. ثم تأتي النوافل بابا لمزيد من القرب.

فمن أراد محبة الله، فليعتن بما افترضه الله عليه، وليجاهد نفسه في ترك ما حرم عليه، وليزد من النوافل ما يستطيع.

ولا يحتقر العمل الصالح لأنه صغير في عينه، ولا يترك ما يقدر عليه لأنه لم يبلغ بعد الصورة التي يتمنى أن يكون عليها.

ما الذي تستطيع فعله اليوم؟

فقد ينشغل الإنسان بالسؤال عن محبة الله حتى يغفل عن طاعة يستطيع أن يؤديها الآن، أو حق يمكنه أن يرده إلى صاحبه، أو ذنب يمكنه أن يبدأ في التوبة منه اليوم.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. قد تقضي وقتا طويلا تسأل: هل يحبني الله؟ ثم يمر بك أمر تعلم أن الله يحبه، فتؤجله لأنك مشغول بالبحث عن علامة تطمئنك!

مع أن الطريق الذي أخبرك الله به أولى بعنايتك من العلامة التي تتمنى العثور عليها.

وليس المقصود أن تتوقف عن سؤال الله محبته. بل اسأله أن يحبك، وأن يرزقك محبته، وأن يعينك على ما يقربك إليها. ولكن اجعل هذا الرجاء يدفعك إلى عبوديته، لا إلى مراقبة نفسك بلا نهاية، ومحاكمة كل شعور يمر بقلبك.

وإذا وجدت نفسك تسأل السؤال نفسه مرة بعد مرة، دون أن يطمئنك أي جواب، فلا تجعل حياتك سلسلة من الاختبارات التي تحاول بها إثبات أنك محبوب. عد إلى ما تعلمه، واعمل به.

صل الفريضة التي حان وقتها. تب من الذنب الذي تعرفه. أحسن إلى من تستطيع الإحسان إليه. وأد واجبك ولو لم تشعر في تلك اللحظة بشيء استثنائي.

ثم دع ما لا تعلمه من حقيقة مقامك عند الله إلى علمه، وسله القبول والثبات.

دع ما خفي من مقامك إلى الله

ولعل أشد ما يحتاجه قلبك في هذه الرحلة أن يفهم أن رجاء محبة الله لا يعني مطالبتك بمعرفة حكم خاص على نفسك في كل مرحلة من حياتك.

فلست مطالبا بأن تشهد لنفسك بالكمال، ولا بأن تمنحها شهادة قطعية بالمحبة، ولا بأن تحكم عليها بالحرمان كلما رأيت تقصيرها. إنما أنت عبد تسير إلى ربه، بين رجاء في فضله وخوف من التقصير في حقه.

تفرح بتوفيقه إلى الطاعة وتشكره، وتستغفره من الذنب وتعود إليه، وتسأله من محبته ما يصلح به قلبك وعملك.

وإذا طال عليك البلاء، فلا تجعل الألم يحكم على منزلتك. وإذا تيسر لك الرزق، فلا تجعل اليسر يغنيك عن محاسبة نفسك. وإذا وجدت الأنس في العبادة، فاحمد الله. وإذا فقدت ذلك الأنس، فلا تترك العبادة حتى يعود الشعور الذي تنتظره.

فمن الخطأ أن تقيس محبة الله لك بكل ما يحدث في دنياك، ومن الخطأ أيضا أن تختزل علاقتك بالله كلها في مقدار ما تشعر به في لحظة من اللحظات.

قد لا تعرف اليوم مقدار ما بلغت من القرب، وقد ترى من نفسك نقصا يؤلمك، وقد تمضي سنوات وأنت تجاهد في إصلاح قلبك. لكن طريق محبة الله لم يخفه الله عنك.

لقد أخبرك أنه يحب التوابين، ودلك على اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين لك فضل التقرب إليه بالفرائض والنوافل.

فخذ من هذه النصوص رجاء يدفعك إلى العمل، لا ادعاء يجعلك آمنا من التقصير، ولا خوفا يحرمك الأمل في فضل الله.

ثم ارفع قلبك إليه وقل:

اللهم إني أسألك حبك، وأسألك أن تجعلني ممن تحبهم وترضى عنهم.

اللهم إنك تعلم من تقصيري ما لا يعلمه أحد، وتعلم من رجائي فيك ما أعجز عن وصفه، فلا تكلني إلى نفسي، وأعني على طاعتك، ووفقني إلى توبة صادقة، وعمل صالح ترضاه.

اللهم لا تجعلني أغتر بما عملت، ولا أيأس مما قصرت، واجعل خوفي منك بابا للإصلاح، ورجائي فيك عونا على الاستقامة.

وإذا عدت بعد ذلك إلى السؤال الذي بدأت به، فلا تعنف نفسك لأنك ما زلت تتمنى أن تطمئن إلى محبة الله. إنها أمنية عظيمة، وتستحق أن تدعو بها عمرك كله.

لكن لا تجعل حاجتك إلى الاطمئنان تتحول إلى مطالبة بكشف ما استأثر الله بعلمه. يكفيك أن تعرف أن الله لم يتركك تتخبط في البحث عن طريق محبته، بل بينه لك ودعاك إلى سلوكه.

ولذلك، حين تقول من أعماق قلبك: «يا رب، هل تحبني؟»، فلا تقف عند السؤال حتى يعجزك البحث عن جوابه الخاص. اسأل نفسك أيضا: ما الذي يحبه الله، وأستطيع أن أفعله اليوم ابتغاء محبته؟

ثم افعل ما تستطيع، واستعن به فيما عجزت عنه، وارج فضله فيما خفي عليك من أمرك.

فقد لا تملك أن تعرف منزلتك عند الله على وجه القطع. ولكنك تملك أن تسلك الطريق الذي أخبرك الله أنه يحب أهله.

وهذا أكرم لقلبك من أن يظل عمره كله يبحث عن علامة في أقدار الدنيا، بينما طريق المحبة مفتوح أمامه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0