معرفة الله وأثرها في الدعاء: حين يعرف القلب عظمة من يسأله… فلا تعود حدود الأسباب حدودا لرجائه
كم مرة رفعت يديك إلى الله، وسألته أمرا تتمناه من أعماق قلبك، ثم ما إن انتهيت من الدعاء حتى عدت تفكر في الأسباب التي تبدو عاجزة عن تحقيقه؟ تنظر إلى ما تملك، وإلى ما ينقصك، وإلى الأبواب التي طرقتها ولم تفتح، وإلى المحاولات التي بذلتها دون أن تصل إلى ما تريد.
ثم يلح عليك سؤال موجع:
ولكن كيف سيحدث ما أتمناه، وكل ما أمامي يشير إلى صعوبته؟
قد تكون دعوت الله أن يفرج ضائقة مالية، ثم نظرت إلى المبلغ الذي تحتاج إليه، فلم تجد في يدك ما يقاربه. أو سألته أن يفتح لك باب رزق، ثم استعرضت الفرص المتاحة، فلم تر بينها ما يبعث على الأمل. أو دعوت بشفاء عزيز، أو صلاح حال، أو فرج انتظرته سنوات، ثم عدت إلى الواقع فوجدته كما كان.
ولعلك في بعض الأيام لا تجد في نفسك قدرة على تكرار المحاولة، ومع ذلك لا تملك رفاهية التوقف؛ فهناك مسؤوليات تنتظرك، وأشخاص يحتاجون إليك، وأمور لا تتأجل لمجرد أنك متعب. فتدعو الله، ثم تعود إلى ما عليك، وفي قلبك رجاء لم ينقطع، وخوف لم يهدأ تماما.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تضيق الأسباب ولا يهدأ الخوف
- قدرة الله لا تحدّها الأسباب التي تعرفها
- من هو الذي يسمعك حين تدعوه؟
- معرفة الله وأثرها في الدعاء: القدرة مع العلم والحكمة
- ثلاثة أسئلة تفرّق بين اليقين والاشتراط
- حين يتعب قلبك: لا تجعل الخوف حكمًا على إيمانك
- سعة عطاء الله لا تنقص بكثرة السؤال
- كيف تعيش أثر معرفة الله في دعائك وسعيك؟
- عُد إلى الدعاء بما في قلبك
- ثم امض في حياتك.
حين تضيق الأسباب ولا يهدأ الخوف
ولعلك لا تشك في قدرة الله، ولا تنكر أنه على كل شيء قدير. لكن ثقل ما تعيشه قد يجعل تفاصيل المشكلة أشد حضورا في شعورك من المعاني العظيمة التي تعرفها عن ربك.
تعرف أن الله قادر، ولكنك تنظر إلى ما عجزت عنه الأسباب. وتعرف أنه رحيم، ولكنك لا تكاد ترى إلا ما يؤلمك. وتعرف أنه حكيم، ولكنك تتمنى أن تفهم لماذا طال عليك الانتظار.
وهذا لا يعني بالضرورة أن إيمانك ضعيف، أو أن دعاءك خال من اليقين. فأنت بشر، تتأثر بما تراه وتعيشه، وقد تضيق بك الأمور حتى يغلب عليك استحضار ما تخشاه.
ولست مطالبا بأن تتظاهر بالقوة كلما اشتد عليك البلاء، أو أن تنكر خوفك حتى تثبت أنك تحسن الظن بالله. فقد يجتمع في قلبك إيمان صادق، وتعب شديد، ورجاء في رحمة الله، وخوف من أمر لا تعرف كيف تتجاوزه.
وإذا غلبك الخوف يوما، فلا تضف إلى خوفك قسوة على نفسك؛ بل استعن بالله، وجدد ما تعرفه عنه، ولو احتجت إلى ذلك مرة بعد مرة. فهناك فرق بين أن يعرف القلب الحق، وأن يظل مستحضرا له في كل لحظة من لحظات الشدة.
ولكن هناك سؤالٌ يستحق أن تمنحه من قلبك ما هو أعمق من إجابة اعتدت أن ترددها:
من هو الله الذي تدعوه؟
قدرة الله لا تحدّها الأسباب التي تعرفها
تأمل السؤال. أنت لا ترفع حاجتك إلى أحد من الناس، مهما بلغت قدرته أو عظم سلطانه.
لا تسأل من تضيق موارده إذا كثرت عليه الحاجات، ولا من يشغله أمر عن أمر، ولا من يعجز عن معرفة ما وراء الظواهر، ولا من يحتاج إلى أسباب لا يملكها حتى يحقق ما يريد.
أنت تدعو الله. رب السماوات والأرض، الذي خلق كل شيء، وأحاط بكل شيء علما، ولا يعجزه شيء. الذي قال عن نفسه:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: 44].
اقرأ هذه الآية، ثم عد إلى الأمر الذي استعظمته. ذلك الباب المغلق، وذلك العائق الذي لا تعرف كيف تتجاوزه، وتلك الأسباب التي لم تستطع أن تجمعها، هل صار شيء منها خارجا عن قدرة الله؟ بالطبع لا.
إن عجزك عن الوصول إلى غاية، وعجز من حولك عن مساعدتك، وضيق الوسائل التي تعرفها، حقائق قد تكون واقعية تماما. وما ينبغي لأحد أن يستخف بها، أو يطالبك بأن تتعامل معها وكأنها لا تستحق القلق.
فالدين الذي يقترب موعد سداده حقيقة، وتقرير الطبيب الذي تخشى نتيجته حقيقة، والمسؤوليات التي لا تجد ما يكفي للوفاء بها حقيقة.
لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الحقائق في نفسك إلى حكم على جميع ما يمكن أن يقدره الله. فأنت لا تعرف من الأسباب إلا ما بلغك، ولا من المستقبل إلا ما تستطيع توقعه، ولا من العواقب إلا ما ظهر لك. أما الله، فلا يحيط علمك بشيء من علمه إلا بما شاء.
فمن أين جاءك اليقين بأن الطرق التي عرفتها هي جميع الطرق الممكنة، وأن ما عجزت عنه الأسباب التي بين يديك لا يمكن أن يجري بغيرها؟
تأمل هذا الفرق. حين تقول: لا أعرف طريقا للخروج من هذه الشدة، فأنت تصف حدود ما تعرفه، وقد تكون صادقا تماما. أما حين تقول: لا يوجد مخرج، فقد تجاوزت وصف ما تعلم إلى الحكم على ما لا تعلم.
وأنت لا تملك من الغيب ما يسمح لك بهذا الحكم. فلماذا تجعل ضيق معرفتك دليلا على ضيق الممكنات، وأنت تدعو من لا يخفى عليه شيء؟
فلا تحرم قلبك من الرجاء؛ فما زال لك أن تسأل الله ما تتمناه، وأن ترجو أن يفتح لك من الأبواب ما ضاقت دونه الأسباب، فهو على كل شيء قدير.
ولكن لا تتعب قلبك بمحاولة الجزم بما لم يطلعك الله عليه من الغيب. ادعه بما تحب، وألح عليه بما ترجو، واترك لعلمه وحكمته ما لا تعلمه من توقيت العطاء وصورته.
فأنت لا تحتاج إلى أن تعرف كيف سيجيبك الله، حتى تطمئن إلى عظمة من تدعوه وحسن تدبيره. وتذكر أن عجز الأسباب لا يصلح دليلا على عجز قدرة الله، وأنك لا تملك من علم الغيب ما يبيح لك الجزم بأن الخير لن يأتيك إلا من الطريق الذي تعرفه.
وهنا يتغير شيء مهم في نظرتك إلى مشكلتك. قد تظل المشكلة كبيرة، وقد تحتاج إلى جهد طويل، وقد تبقى أسبابها معقدة. لكنك لم تعد تجعل حدود معرفتك حدودا لما يقدر الله عليه. ثم تأمل معنى آخر.
من هو الذي يسمعك حين تدعوه؟
قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
ما أوسع ما تفتحه هذه الآية في قلب الإنسان! أنت الذي قد تعجز أحيانا عن شرح ما يؤلمك لأقرب الناس إليك، والذي قد تختصر حديثك لأنك تعبت من تكرار الشكوى، والذي قد تخفي دمعتك حتى لا تثقل على من تحب. حين تقبل على الله، فإنك تقبل على من يعلم سرك وعلانيتك.
لا تحتاج إلى أن تحسن ترتيب الكلمات حتى يعلم حاجتك. ولا إلى أن تروي تفاصيل ما جرى حتى يحيط بأمرك. يعلم ما الذي فقدته، وما الذي تخشاه، وما الذي تتمنى لو أنك تستطيع تغييره. يعلم المحاولات التي بذلتها ولم يطلع عليها أحد، والتعب الذي تحمله دون أن تشكو، والرجاء الذي لا يزال في قلبك رغم كل ما أصابك.
ولعل في قلبك أشياء لا تستطيع أن تبوح بها لأحد. قد يكون هناك وجع تخشى أن يسيء الناس فهمه، أو حاجة تستحي من ذكرها، أو خوف كلما حاولت شرحه شعرت أن الكلمات أصغر منه.
وقد تطول عليك الشدة حتى تشعر أنك أصبحت تكرر الدعاء نفسه، والشكوى نفسها، والحاجة نفسها. فلا تظن أن تكرار دعائك يجعله أقل قيمة، أو أن عجزك عن وصف ما في صدرك يحول بينك وبين سؤال ربك. إن الذي يسمع دعاءك يعلم ما تعجز عن قوله، كما يعلم ما استطعت أن تقوله.
قال سبحانه:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
فأنت لا تسأل ربا يعلم ظاهر حاجتك ويخفى عليه باطنها. إنه يعلم حاجتك، ويعلمك أنت أيضا. يعلم ما يصلحك وما يضرك، وما تحتمله وما تعجز عنه، وما غاب عن حساباتك من عواقب الأمور.
ولذلك، حين تدعوه، لا تجعل دعاءك مجرد طلب لشيء تريد الحصول عليه. استحضر أنك تقف بين يدي رب يعلم عنك ما لا تعلمه عن نفسك. وأنك تستطيع أن تقول له بصدق: يا رب، هذا ما أريده، وهذا ما أراه خيرا لي، ولكن علمي محدود، وأنت تعلم ما لا أعلم.
معرفة الله وأثرها في الدعاء: القدرة مع العلم والحكمة
وهنا نصل إلى معنى قد يكون من أشد المعاني حاجة إلى الاستقرار في قلبك. إن الله الذي تدعوه ليس قادرا فحسب، بل هو عليم حكيم رحيم.
ولو أن الإنسان استحضر قدرة الله وحدها، دون أن يستحضر علمه وحكمته، فقد يتساءل كلما تأخرت أمنيته: إذا كان الله قادرا على تحقيقها، فلماذا لم تتحقق؟ وقد يزيده هذا السؤال حيرة إن ظن أن قدرة الله تقتضي أن يجري له كل ما يحبه.
ولكن الله سبحانه لم يخبرنا عن قدرته وحدها. أخبرنا عن علمه وحكمته ورحمته. قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
تأمل ما يعنيه أن يكون من تدعوه عالما بما لا تعلم. أنت تعرف مقدار رغبتك في الشيء، ولكنك لا تحيط بعواقبه. تعرف ألم تأخره، ولكنك لا تعرف جميع ما يتعلق بتوقيته. تعرف الطريق الذي أحببت أن تصل منه، ولكنك لا تعلم كل ما قد يترتب على سلوكه.
قد يكون ما تسأله خيرا لك، فييسره الله لك، وقد يكون الخير فيما لم يخطر لك على بال. وليس لنا أن نجزم بسبب خاص لتأخر أمنية بعينها، أو أن نزعم معرفة ما أخفاه الله عن صاحبها. لكننا نعلم أن علم الله كامل، وأن حكمته بالغة، وأن الإنسان لا يحيط بالغيب.
ثلاثة أسئلة تفرّق بين اليقين والاشتراط
وهنا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أسئلة، لأن الخلط بينها قد يكون وراء كثير من الحيرة التي تتعب قلبك.
السؤال الأول: هل يقدر الله على تحقيق ما أتمناه، مهما بدا بعيدا عن الأسباب التي أعرفها؟
نعم، ولا شك في ذلك.
السؤال الثاني: هل يلزم من قدرة الله أن يعطيني كل ما أريده، بالصورة التي أريدها، وفي الوقت الذي أختاره؟
لا؛ لأن قدرة الله لا تنفصل عن علمه وحكمته ومشيئته.
السؤال الثالث، وهو أشدها اتصالا بقلبك: إذا لم أحصل على ما دعوت به، فهل يعني ذلك أن الله لم يسمعني، أو أن دعائي ضاع، أو أن رحمته بعيدة عني؟
لا.
فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم إذا دعا بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
رواه أحمد (11133)، وقد ورد هنا بالمعنى.
فتأمل كيف أن الإجابة أوسع من الصورة التي ينتظرها الإنسان. قد تدعو بأمر واحد، ولا ترى منه شيئا كما أردت، فلا يكون عدم رؤيتك له دليلا على ضياع الدعاء. وهذا ليس تعزية نخترعها لأن ما نريده لم يحدث؛ بل معنى دلت عليه السنة.
فقدرة الله تمنعك من اليأس بسبب عجز الأسباب، وحكمته تمنعك من الجزم بأن الخير لا يكون إلا فيما اخترت، ووعده بإجابة الدعاء يمنعك من الظن أن دعاءك ذهب سدى.
وهكذا تجتمع في قلبك المعاني الثلاثة دون تناقض. ترجو ما تحب لأن الله قادر. وتدعوه بيقين لأنه يسمع ويجيب. وتفوض اختيار العاقبة إليه لأنه أعلم وأحكم.
فإذا كنت تثق بعلم الله، فلماذا تجعل جهلك بما اختاره سببا للحكم على اختياره؟
حين يتعب قلبك: لا تجعل الخوف حكمًا على إيمانك
أعرف أن هذا السؤال قد يكون ثقيلا على قلب أنهكه الانتظار. فأنت لا تبحث عن معنى تتأمله في ساعة هادئة فحسب. أنت تعيش حاجة حقيقية.
قد يكون عليك دين لا تعرف كيف تسدده، أو مسؤوليات تخشى التقصير فيها، أو أمر تتمنى إصلاحه ولا تملك وحدك إصلاحه. وقد تكون دعوت طويلا، حتى أصبحت تسمع كلمات المواساة وتفهم معانيها، ثم تعود إلى حياتك فتجد أن شيئا مما أثقلك لم يتغير.
ولعل هذا هو الجزء الذي لا يراه كثير ممن ينصحونك بالصبر. أنك لا تحتاج إلى من يذكرك فقط بأن الله قادر؛ فأنت تعرف ذلك. لكن قلبك متعب من مواجهة الواقع كل يوم، ومن محاولة الجمع بين رجاء لا تريد فقدانه، وأسباب لا ترى كيف تتغير.
ولعل أشد ما يؤلمك أنك أحيانا لا تجد في نفسك تلك الطمأنينة التي تتمنى أن تشعر بها، فتبدأ تلوم نفسك فوق ما تحمله من هم. تقول: لو كنت أحسن الظن بالله حقا، لما شعرت بهذا الخوف. ولو كنت موقنا بقدرته، لما ضاق صدري كلما نظرت إلى ظروفي.
يا صاحب القلب المتعب، لا تجعل كل لحظة ضعف حكما على حقيقة إيمانك.
قد تعرف أن الله قادر، ثم تخاف. وقد تؤمن بأنه رحيم، ثم تبكي. وقد توقن بأنه حكيم، ثم تجد في قلبك شوقا شديدا إلى أمر لم يأت.
هذه المشاعر لا تنقض بالضرورة ما تعلمه عن ربك. لكنها تكشف حاجتك إلى أن تجدد استحضار تلك المعاني، وأن تستعين بالله على ما تجد. فالإنسان لا يستغني عن ربه بعد أن يعرفه، وإنما تزداد حاجته إلى أن يعبده ويتوكل عليه كلما عرف من عظمته وكماله.
ولهذا لا أريد أن أقول لك إن مجرد تذكرك لعظمة الله سيجعل ألمك يزول. ولا أن أعدك بأنك إذا استحضرت أسماءه وصفاته، فستستيقظ غدا وقد زالت مشكلتك. لكنني أريد أن أدلك على معنى تستطيع أن ترجع إليه حين تتعب، حتى إن لم تتغير الظروف بالسرعة التي تتمناها.
ألا تقيس قرب الله منك بمدى قرب الأمنية التي تنتظرها. فربك قريب بعلمه وسمعه وإجابته لدعاء عباده، وإن كنت لا تعلم متى يقضى ما سألت، أو كيف تكون الإجابة.
سعة عطاء الله لا تنقص بكثرة السؤال
ولعل من أجمل ما يتغير في دعائك أن تتوقف عن التعامل معه كأنه محاولة لإقناع الله بحاجتك. فهو يعلمها قبل أن تسأله. وأنت لا تخبره بما كان خافيا عليه، ولا تذكره بأمر نسيه، تعالى الله عن ذلك.
إنما تدعوه لأنك عبده، وهو ربك. تسأله لأنك فقير إلى فضله، وهو الغني الحميد. تلح عليه لأنك محتاج إليه، ولأنه سبحانه يحب من عباده أن يدعوه ويسألوه. وتعود إليه لأن باب الدعاء لا يغلق في وجهك لمجرد أن الناس عجزوا عن مساعدتك.
حتى إذا عدت اليوم بالدعاء الذي دعوت به بالأمس، فلا تحتقر عودتك. وإن دعوت سنوات ولم تر ما كنت ترجوه، فلا تجعل عدد السنوات التي انتظرتها مقياسا لقيمة دعائك. أنت لا تقف بين يدي رب يضيق بكثرة سؤال عبده، أو تنقص خزائنه إذا أعطى سائليه.
تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:
«يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» رواه مسلم (2577).
تأمل هذا المعنى العظيم. كل هؤلاء يسألون، وكل واحد منهم له حاجته ورجاؤه، ومع ذلك لا ينقص عطاء الله خزائنه.
فإذا كثرت حاجاتك، فلا تستعظم كثرتها على الله. وإذا عجز الناس عن إعانتك، فلا تجعل عجزهم مقياسا لفضله. وإذا طال دعاؤك، فلا تستثقل العودة إلى بابه.
ولكن تذكر أيضا أن سعة خزائن الله لا تعني أن كل عبد سيعطى عين ما سأل؛ فإن الله يعطي بحكمة، ويمنع بحكمة، ويقضي في خلقه بعلم لا يحيطون به. وكم يحتاج القلب إلى أن يجمع بين أمرين: ألا يستكثر على قدرة الله ما يرجوه، وألا يجعل من رجائه حكما على ما سيقضيه الله له.
كيف تعيش أثر معرفة الله في دعائك وسعيك؟
وهنا تصبح معرفتك بالله جزءا من دعائك، لا مجرد معلومات تحفظها عن أسمائه وصفاته.
حين تضيق بك الأسباب، تستحضر أنه القدير. وحين تعجز عن فهم ما جرى، تستحضر أنه العليم الحكيم. وحين تشعر أنك لا تستطيع شرح ما في صدرك، تستحضر أنه السميع الخبير. وحين يخيفك طول الطريق، تستحضر سعة رحمته، وتسأله المعونة والثبات وحسن العاقبة.
لا تستحضر هذه الأسماء لتستخرج منها وعدا خاصا بأن الأمور ستجري كما تريد، بل لتعرف حقيقة من تتوجه إليه، فلا تحصر حسن ظنك به في نتيجة واحدة.
ثم تنهض إلى أسبابك. تبحث عن عمل إن كنت تحتاج إلى رزق، وتطلب العلاج إن كنت مريضا، وتستشير أهل الخبرة إن استعصى عليك قرار، وتراجع خطواتك إذا لم توصلك إلى ما تريد.
فمعرفتك بقدرة الله لا تعني إهمال الأسباب التي أمرك بالأخذ بها. وإنما تعني أن تأخذ بها وأنت تعلم أنها لا تستقل بشيء عن مشيئته. تعمل بما تستطيع، دون أن تجعل نجاح السبب أو فشله هو الذي يحدد مقدار رجائك في الله.
وإذا تعثرت، لم تعتبر ذلك نهاية ما يمكن أن يقدره لك. وإذا طال الانتظار، لم تجعل طول الطريق دليلا على أن ربك لم يسمع دعاءك. وإذا جاء القضاء على غير ما أحببت، سألت الله العون على قبوله، وأبقيت حسن ظنك به، دون أن تضطر إلى إنكار ألمك.
ولعل من رحمة الله بك أن طريق العبودية لا يتوقف حتى يتغير الواقع الذي يؤلمك. ففي اليوم الذي لم تجد فيه حلا لمشكلتك، تستطيع أن تصلي، وتدعو، وتستغفر، وتحسن إلى من حولك، وتؤدي ما تقدر عليه من واجباتك. وفي اليوم الذي يثقل فيه قلبك، تستطيع أن تقول: يا رب، أعني؛ فقد ضعفت، وأنت تعلم ضعفي.
ولا يلزم أن يكون كل يوم من أيام البلاء يوما تشعر فيه بقوة عظيمة أو سكينة كاملة. يكفي أن تجاهد نفسك في العودة إلى الله، وألا تستسلم للتفسير الذي يجعل ألمك دليلا على غياب رحمته.
فأنت لا تعبد الله لأنك ضمنت منه مستقبلا مطابقا لما تتمنى. أنت تعبده لأنه الله. لأنه ربك وخالقك ورازقك، ولأنه المستحق للعبادة في الرخاء والشدة، ولأن افتقارك إليه لا ينتهي حين تقضى حاجتك، كما لا ينقطع حين تتأخر.
وهذا من أعظم ما ينبغي أن تصححه المعرفة بالله في قلب الإنسان: أنك قد تأتيه أول مرة مشغولا بما تريد منه، ثم تتعلم مع الأيام أن أعظم ما تحتاج إليه هو دوام صلتك به.
فلا تجعل همك، مهما أثقلك، ينسيك من الذي تحمل إليه هذا الهم. ولا تجعل حاجتك، مهما عظمت، تحجب عنك سعة علم الله وقدرته ورحمته.
اقرأ أيضًا
عُد إلى الدعاء بما في قلبك
وحين تعود الليلة إلى دعائك، فلا تتكلف كلمات عظيمة، ولا تحاول أن تصنع في نفسك شعورا لا تجده. قل ما في قلبك. حدث ربك عن خوفك وحاجتك، واسأله ما تحب، واستغفره من تقصيرك، واستعن به على ضعفك. وإن وجدت نفسك تقول: يا رب، لقد تعبت، ولا أعرف كيف أمضي، فلا تستح من إظهار افتقارك إليه.
فأنت لا تحتاج إلى أن تقف بين يديه في صورة الإنسان الذي لا يخاف ولا يحزن. إنك تأتيه عبدا ضعيفا، تسأل ربا قويا عزيزا رحيما. ومن صدق عبوديتك أن تعرف ضعفك، وألا تيأس من فضل ربك.
وقل:
اللهم إني أعلم أنك على كل شيء قدير، وأنك أعلم بي مني، وأن رحمتك واسعة وحكمتك بالغة.
اللهم اقض حاجتي إن كانت خيرا لي، ويسر لي من أمري رشدا، ولا تكلني إلى نفسي، ولا تجعل ضيق ما أراه يحجب عن قلبي حسن الظن بك.
اللهم إني لا أملك من أمري إلا ما أقدرتني عليه، ولا أعلم من الغيب إلا ما علمتني، وقد وكلت إليك ما عجزت عنه، وأسألك أن تعينني على ما أستطيعه.
وإن طال انتظاري، فلا تجعلني أسيء الظن بك.
وإن اشتد خوفي، فرد قلبي إلى معرفتك.
وإن جاء قضاؤك على غير ما أحب، فارزقني الصبر والرضا، ولا تحرمني فضل القرب منك وحسن التوكل عليك.
ثم امض في حياتك.
لا تحتاج إلى أن تعرف الآن كيف ستنتهي قصتك حتى تواصل السعي. ولا تحتاج إلى أن ترى كل الأبواب مفتوحة حتى تستمر في دعاء من يملك فتحها. ولا إلى أن تتوقف عن الخوف تماما حتى ترجع إلى ربك.
وقد لا تعرف بعد دعائك كيف ستجري أمورك، ولا متى تتغير ظروفك، ولا ما الذي قدره الله لك. لكن الجهل بما سيأتي لا يلزم أن يحرمك الطمأنينة إلى من بيده الأمر. فلا تجعل ما تعرفه عن صعوبة حاجتك أعظم حضورا في قلبك مما تعرفه عن ربك.
إنك لا تحتاج إلى أن تصغر مشكلتك في عينيك، حتى تستحضر عظمة الله. دعها بحجمها الحقيقي، بكل ما فيها من وجع ومشقة ومسؤولية. ولا تسمح لأحد أن يهون من معاناتك بحجة أن الله قادر؛ فالإيمان بقدرة الله لا ينفي حقيقة ما تتألم منه.
ولكن حين تقول: «يا رب»، فاستحضر عظمة من تناديه. فأنت لا تدعو من تنتهي قدرته عند حدود عجزك، ولا من ينتهي علمه عند حدود معرفتك، ولا من تضيق رحمته بما ضاق به صدرك.
إنك تدعو الله. الذي يعلم ما تخفيه، ويسمع ما تدعوه به، ويقدر على ما تعجز عنه، ويحكم بعلم لا تبلغه.
فلا تجعل أمنية لم تتحقق تنسيك ما تعرفه عنه، ولا تجعل غدا مجهولا يحجب عنك الحقائق التي أخبرك بها عن نفسه. وحين تثقل عليك الحياة مرة أخرى، وتعود الأسئلة إلى قلبك، وتجد نفسك عاجزا عن رؤية المخرج، فلا تطالب نفسك بأن تعرف كيف سيكون الفرج.
ارجع إلى السؤال الذي بدأت منه: من هو الله الذي تدعوه؟
وتذكر أنك حين قلت: «يا رب»، لم تكن تخاطب من يجهل حاجتك، أو يعجز عن قضائها، أو تنقص خزائنه بكثرة ما تسأل. لقد دعوت الله.
ولست بحاجة إلى أن تعرف كيف سيدبر الله أمرك، حتى يكون قلبك موقنا أنه أهل لأن تتوكل عليه وتطمئن إلى علمه وحكمته ورحمته.
حين يوقظك الله بكلمة