لا تجعل ما لم تنله يحجب عن قلبك ما وعد الله به الداعين
أتعرف ما الذي قد يوجع قلبك بعد دعاء طويل؟
أن ترفع يديك إلى الله، وتبث إليه حاجتك بكل ما فيك من افتقار، ثم تمضي الأيام فلا ترى في حياتك ما كنت تنتظر أن يتغير. تعود إلى الأمر الذي دعوت من أجله، فتجده على حاله. الحاجة لا تزال قائمة، والباب الذي رجوت فتحه لم يُفتح، وما أثقل قلبك بالأمس لا يزال يرافقك اليوم.
وربما لا يكون أشد ما يؤلمك استمرار الحاجة نفسها، وإنما سؤال خفي يبدأ بالتسلل إلى قلبك:
ماذا بقي لي من كل تلك الدعوات؟
كل تلك الليالي التي دعوت فيها، وكل تلك المرات التي رفعت فيها يديك، وكل ذلك الرجاء الذي حملته إلى الله… أين ذهب؟ قد لا تقول هذا بلسانك، ولكنك تشعر به حين تنظر إلى ما طلبت، فلا تجده بين يديك. وكأن قلبك، دون أن ينتبه، أصبح يجمع دعواته في كفة، ويضع ما تحقق منها في كفة أخرى، ثم ينظر إلى ما بقي غائبًا ويحزن.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- ثواب الدعاء أوسع مما تراه
- إحدى ثلاث: كيف تتسع إجابة الدعاء؟
- معرفة ثواب الدعاء لا تلغي حاجتك
- لا نحيط بحكمة الله في الواقعة الخاصة
- وماذا لو لم أحصل على الأمنية؟
- لا تجعل الانتظار سببًا لترك الدعاء
- دعاؤك عبادة، وليس مجرد محاولة للحصول على نتيجة
- كيف تعود إلى الدعاء مع طول الانتظار؟
- لم تكن تلك الليالي مجرد أيام انتظار
ثواب الدعاء أوسع مما تراه
وهنا أريد أن أسألك سؤالًا قد يغير نظرتك إلى تلك الليالي كلها:
من قال إن ما لم تلمسه يداك لم تنله بدعائك؟
تأمل هذا السؤال جيدًا. أنت تعلم ما الذي طلبته من الله. وتعلم ما الذي لم تحصل عليه بعد. لكن هل تعلم كل ما أكرم الله به عبده بسبب دعائه؟
هل تستطيع أن ترى ما ادخره الله لك في الآخرة؟ وهل تعرف ما الذي صرفه عنك من السوء وأنت لا تشعر؟ وهل تملك أن تحصي أجر عبادة وقفت فيها بين يدي ربك، معترفًا بفقرك إليه، راجيًا رحمته، مؤمنًا بأنه يسمعك ويقدر على قضاء حاجتك؟
إنك ترى جانبًا واحدًا من الدعاء، ثم قد تجعل هذا الجانب حكمًا على الدعاء كله. ترى الأمنية التي لم تتحقق. ولكنك لا ترى الغيب.
وهذا هو موضع الالتباس الذي قد يضاعف عليك ألم الانتظار. أن تجعل ما لم يعطك الله إياه بالصورة التي طلبتها دليلًا على أنك لم تنل من دعائك شيئًا. وليس الأمر كذلك.
إحدى ثلاث: كيف تتسع إجابة الدعاء؟
لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى عظيم من معاني إجابة الدعاء، يستحق أن يستقر في قلب كل إنسان طال انتظاره. قال صلى الله عليه وسلم:
«ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم؛ إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها».
ثم تأمل ما قاله الصحابة رضي الله عنهم حين سمعوا ذلك. قالوا: «إذًا نكثر». فقال صلى الله عليه وسلم:
«الله أكثر».
قف هنا قليلًا. ما الذي فهمه الصحابة حتى قالوا: «إذًا نكثر»؟
لقد علموا أن فضل الله في الدعاء لا ينحصر في حصول المطلوب عاجلًا. فقد يعجل الله للعبد ما سأل، وقد يدخر له ثواب دعائه في الآخرة، وقد يصرف عنه من السوء ما لا يعلمه.
ولهذا لم يكن جوابهم أن يقللوا الدعاء خشية ألا تتحقق بعض مطالبهم. بل قالوا: «إذًا نكثر». وكأن أبواب الرجاء اتسعت أمامهم.
ثم جاء الجواب النبوي العظيم:
«الله أكثر».
يا له من جواب يملأ القلب رجاء! أكثر مما تسأل. وأوسع فضلًا مما تتصور. وأعظم عطاءً مما تستطيع أن تحيط به.
فلماذا تضيق على نفسك بابًا فتحه الله لك؟ ولماذا تجعل الأمنية التي لم تصل إليها حتى الآن تحجب عن قلبك ما أخبرك به رسول الله صلى الله عليه وسلم من سعة فضل الدعاء؟
إنك حين تدعو الله، لا تضع كلماتك في طريق مجهول، لا تعرف هل تضيع فيه أم تصل. إنك تدعو السميع العليم. الذي لا تخفى عليه حاجتك، ولا يعجزه مطلوبك، ولا يغيب عن علمه شيء من أمرك.
قال سبحانه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
تأمل هذا القرب. إنك لا تحتاج إلى أن يصل إليك مطلوبك أولًا حتى تؤمن بأن الله سمع دعاءك. ولا إلى أن ترى أثر كل دعوة بعينيك حتى تثق بوعده.
وكم من أمر لا يحيط الإنسان بقيمته لأنه لم يره! قد يسأل الله السلامة، فلا يعلم شيئًا عن الأذى الذي صرفه عنه. وقد يدعو بحاجة، فلا تقع له كما طلب، ويكون له من ثواب دعائه ما لا يعرف قدره في هذه الدنيا. وقد يفتح الله له بابًا من الخير لم يكن في حسابه، دون أن يستطيع الجزم بأن ذلك كان جزاء دعوة بعينها.
فلماذا نريد أن نحصر عطاء الله فيما نستطيع عده ورؤيته؟ إن ما تعرف أنه لم يتحقق أضيق بكثير مما لا تعرفه من فضل الله.
معرفة ثواب الدعاء لا تلغي حاجتك
ولكنني لا أريد أن أعبر بك عن هذا المعنى حتى أنسى حاجتك التي جئت من أجلها. فقد تقرأ الآن عن ثواب الدعاء، وعن الخير المدخر، وعن السوء المصروف، ثم تقول في نفسك:
كل هذا جميل، وأنا أؤمن به وأرجوه. لكنني ما زلت أحتاج إلى ما دعوت الله به. ما زلت أريد قضاء ديني، أو شفاء مريضي، أو صلاح حالي، أو انكشاف الكرب الذي طال علي. وما زلت أرجو أن يأتي يوم أرى فيه حاجتي قد قُضيت.
فهل ينبغي أن أكتفي بالحديث عن الأجر، وكأن ما أحتاج إليه في حياتي لم يعد مهمًا؟
لا. ومن قال إن معرفة فضل الدعاء تقتضي أن تتوقف عن طلب حاجتك؟
إن من رحمة الله أن شرع لك أن تسأله ما تحتاج إليه، وأن تلح عليه، وأن ترجوه، وأن تعود إليه بالحاجة نفسها. لم يأمرك أن تستغني عن مطلوبك حتى يستحق دعاؤك أن يكون عبادة. ولم يجعل من صدق إيمانك أن تصبح حاجاتك الدنيوية هينة في قلبك، ولو كانت مما تقوم به حياتك وتستقيم به مسؤولياتك.
يمكنك أن تفرح بما وعد الله به الداعي من الخير، وأن تبقى في الوقت نفسه شديد الحاجة إلى ما دعوت به. تسأله حاجتك بصدق، وترجو إجابته، وتأخذ بالأسباب التي تستطيعها، وتحسن الظن بفضله. فإن طال الانتظار، لم تجعل طوله حكمًا بأن دعاءك ذهب سدى.
لا نحيط بحكمة الله في الواقعة الخاصة
وهنا معنى آخر أريد أن تنتبه إليه. قد يفتح الله على عبده بعد طول عسر، وييسر له ما ظنه بعيدًا، ويأتيه الفرج من طريق لم يكن يتوقعه. فالله قادر على أن يصلح ما عجزت عن إصلاحه، وأن يهيئ من الأسباب ما لم يخطر لك على بال.
لكن هذا لا يعني أن عليك أن تبلغ اليأس أولًا حتى يأتيك الفرج. ولا أننا نعرف أن الله أخّر عنك أمرًا معينًا حتى تستنفد أسبابك، أو لتتعلم درسًا مخصوصًا. فحكمة الله في واقعتك الخاصة لا نحيط بها.
قد ترى من آثار رحمته ما تفهمه، وقد تبقى عليك أمور لا تعرف لماذا جرت على ما جرت عليه. وقد يأتيك ما ترجوه، وقد يقضي الله لك أمرًا آخر. لكن جهلنا بما سيكون لا ينبغي أن يتحول إلى سوء ظن بمن ندعوه.
وماذا لو لم أحصل على الأمنية؟
وهنا قد يسأل قلبك سؤالًا آخر:
وماذا لو لم أحصل على الأمنية التي أحببتها؟ ماذا لو مضت الأيام وانتهى الأمر بغير ما دعوت الله به؟ أليس هذا حرمانًا؟
أريدك أن تفرق بين أمرين. أن تتألم لفوات شيء تحبه، وهذا ألم حقيقي. وأن تجزم بأن الله لم يعطك خيرًا لأن ذلك الشيء فاتك، وهذا حكم لا تملك علمه.
قد يكون في صرف أمر عنك حفظ لا تعرفه، وقد يكون في تأخره حكمة لا تدركها، وقد يكون ما أصابك ابتلاءً تحتاج فيه إلى الصبر والسعي والعون. ولا يلزم أن نعرف السبب التفصيلي للمنع حتى نثق بأن الله منزه عن البخل والظلم، وأنه سبحانه حكيم رحيم.
فليس كل ما حُرمت منه كان شرًا في ذاته، ولا كل ما فاتك تستطيع أن تعرف وجه الخير في فواته. لكن يبقى لك أن ترجو رحمة الله، وأن تسأله العوض والخير، وأن تعلم أن خزائنه لا تضيق بحاجتك.
فإذا لم تحصل على ما أحببت، فلا تضف إلى ألم الفقد حكمًا آخر بأنك لم تنل من دعائك شيئًا. قد يكون الفقد موجعًا بما يكفي. فلا تجعل منه دليلًا على أن باب الدعاء لم يكن باب خير لك.
لا تجعل الانتظار سببًا لترك الدعاء
وتأمل ما قد يفعله بك هذا الحكم إذا استقر في قلبك. تدعو مرة، فلا ترى ما طلبت. ثم تدعو مرة أخرى، فلا يتغير الحال. ثم تتوالى الأيام، حتى تصبح كل دعوة جديدة مثقلة بخيبة الدعوات التي سبقتها.
ولعل لسانك لا يزال يقول: «يا رب»، لكن قلبك أصبح يخشى الرجاء؛ لأنه كلما رجا شيئًا ولم يتحقق، شعر أنه خسر شيئًا من ثقته. وهنا لا يكون الخطر في استمرار الحاجة وحده. بل في أن تبدأ بتفسير الدعاء كله من خلال الأمنية التي لم تتحقق. فتتحول عبادة عظيمة إلى ذكرى موجعة، بدل أن تبقى بابًا ترجع منه إلى الله في كل حال.
ولهذا حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الاستعجال الذي ينتهي بصاحبه إلى القول: «دعوت فلم يستجب لي».
ليس لأن طول الانتظار لا يؤلم. ولا لأن العبد ممنوع من الشكوى إلى ربه. بل حتى لا يتحول عدم حصول المطلوب عاجلًا إلى حكم ينفي الاستجابة، ثم يكون سببًا في ترك الدعاء.
دعاؤك عبادة، وليس مجرد محاولة للحصول على نتيجة
فيا من طال دعاؤك، وأرهقك انتظار ما تتمنى…
لا أطلب منك أن تتظاهر بأنك لم تتعب. ولا أن تقنع نفسك بأن حاجتك أصبحت صغيرة. ولا أن تفسر كل ما حدث لك بأنه حفظ من ضرر كنت ستقع فيه؛ فأنت لا تعلم ذلك. ولكنني أريدك ألا تحرم نفسك من معنى عظيم أخبرك الله ورسوله به.
دعاؤك عبادة، وليس مجرد محاولة للحصول على نتيجة.
ولهذا فإنك حين ترفع يديك، لا تكون خسرت الوقت الذي قضيته في سؤال ربك، حتى لو لم تر مطلوبك بين يديك. أنت تتعبد له بافتقارك، وتعلن حاجتك إلى رحمته، وتقر بأنه القادر وأنت العاجز، والغني وأنت الفقير. وهذه المعاني نفسها من أشرف ما يقوم في قلب العبد.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«الدعاء هو العبادة».
فكيف تجعل عبادة ربك أمرًا ضائعًا لمجرد أن حاجتك لم تُقضَ بعد؟ وكيف تقيس قيمة وقوفك بين يديه بما وقع لك في الدنيا وحدها، وقد جعل الله للآخرة من الجزاء ما لا تستطيع الإحاطة به؟
إنك حين تدعو لا تعلم أي وجوه الإجابة سيكرمك الله بها. لكن يمكنك أن تعلم أن الدعاء المشروع باب عظيم من أبواب الخير، وأن ما أخبر الله ورسوله به من فضله حق.
وهذا يكفي لأن تعود. لا لأنك ضمنت أن تتحقق أمنيتك غدًا. بل لأنك تعلم إلى من تعود. إلى رب رحيم، لا تنفد خزائنه، ولا يعجزه شيء، ولا تضيع عنده عبادة عبد أخلص له.
كيف تعود إلى الدعاء مع طول الانتظار؟
فإذا جاءك الليل، ورفعت يديك بالحاجة نفسها التي حملتها منذ أشهر أو سنوات، فلا تنظر إلى تكرار الدعاء وكأنه دليل على أنك لم تحصل على شيء. انظر إليه أيضًا بوصفه باب عبودية لا تزال قادرًا على طرقه.
وإذا ضاق صدرك، فلا تتكلف مشاعر لا تجدها. قل: يا رب، لقد طال انتظاري، وأنت تعلم كم أحتاج إلى فرجك.
اللهم إني لا أستغني عن قضاء حاجتي، ولا أستغني عن رحمتك التي أرجوها في كل حال. اللهم اقض حاجتي، ويسر أمري، وأصلح ما عجزت عن إصلاحه، وارزقني من فضلك رزقًا طيبًا مباركًا.
ولا تجعل ما لم أحصل عليه يحجب عن قلبي الإيمان بفضلك. ولا تجعل طول انتظاري يصرفني عن دعائك. اللهم إن كنت قد دعوتك طويلًا ولم أر بعد ما أرجوه، فلا تحرمني الأجر والعون والرضا، ولا تكلني إلى نفسي، ولا تجعل جهلي بما ادخرته لي سببًا لسوء الظن بك.
واسأله وأنت راجٍ. ثم امضِ إلى ما تستطيع من الأسباب، ولا تجعل رجاءك ذريعة إلى ترك ما يجب عليك فعله.
وإذا احتجت إلى أن تعود غدًا بالدعاء نفسه، فعد. وإذا اشتد بك الأمر، فاشكُ إلى الله. وإذا وجدت في قلبك خوفًا من طول الانتظار، فاسأله الثبات.
لا تحمل نفسك عبء معرفة ما الذي سيحدث، ولا متى سيحدث، ولا أي وجوه الإجابة سيكون نصيبك. فليس هذا مما كُلفت بمعرفته. إنما أنت عبد تسأل ربك، وترجو فضله، وتتعبد له بدعائك، وتسعى فيما تستطيع، وتترك لله ما لا تعلمه من عواقب أمرك.
اقرأ أيضًا
لم تكن تلك الليالي مجرد أيام انتظار
وربما يأتي عليك يوم تنظر فيه إلى أعوام مضت، فتتذكر كم كنت تنتظر خلالها أمرًا واحدًا، وكم كنت تظن أن كل خيرك متوقف على حصوله. ثم تدرك أنك كنت تعبد الله في تلك الأعوام كلها، وأن الليالي التي رفعت فيها يديك لم تكن مجرد أيام انتظار. كانت من عمرك الذي توجهت فيه إلى الله، ومن ساعات افتقارك إليه، ومن عبادتك التي ترجو ثوابها عنده.
وليس عليك أن ترى ثوابها اليوم حتى تؤمن بقيمتها.
وإذا عاد إليك ذلك السؤال القديم: ماذا بقي لي من كل دعواتي؟ فتذكر جواب النبي صلى الله عليه وسلم حين قال أصحابه: «إذًا نكثر».
«الله أكثر».
أكثر فضلًا، وأوسع رحمة، وأعظم عطاءً. فأكثر من دعائه، وأحسن الظن به، ولا تستكثر على كرمه حاجة، ولا تستعجل أن تحكم على ما لم تر عاقبته.
ولا تقل إنك عدت من دعائك خالي اليدين لمجرد أنك لم تمسك بعد بما سألت. فليس كل ما يعطيه الله لعبده تستطيع يداه أن تحملاه، ولا كل ما يدخره له تستطيع عيناه أن ترياه.
حين يوقظك الله بكلمة