هناك مرحلة من الشدة لا يعود أشد ما يؤلمك فيها ما يحدث لك، وإنما ما أصبحت تعتقد أنه لن يحدث أبدًا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
تكون قد حاولت مرارًا، وطرقت ما استطعت من الأبواب، وبحثت عن حلول، واستشرت من تثق بهم، ثم وجدت نفسك أمام واقع لم يتغير كما كنت ترجو.
وربما ازداد الأمر تعقيدًا. المبلغ الذي تحتاج إليه لا يزال بعيدًا عما في يدك، والمسؤوليات تتراكم، والفرصة التي كنت تعلق عليها رجاءك لم تتم، والناس الذين لجأت إليهم قد لا يملكون ما يعينونك به.
فتجلس ذات مساء، وتحاول أن تفكر بهدوء. تراجع الأسباب مرة أخرى، وتستحضر المحاولات التي لم تنجح، وتنظر إلى ما بقي أمامك، فلا تجد طريقًا واضحًا. ثم يقول لك عقلك، وكأنه وصل إلى النتيجة الأخيرة:
لا مخرج.
حين تتحول عبارة «لا مخرج» إلى حكم على الغيب
ولعل هذه العبارة أشد ما ينبغي أن تتوقف عنده.
فأنت لم تعد تقول:
لا أعرف ماذا أفعل.
ولم تعد تقول:
الأسباب التي جربتها لم تنفع.
بل أصبحت تقول:
لا مخرج.
وكأنك انتقلت، دون أن تشعر، من وصف ما تعرفه إلى إصدار حكم على كل ما لا تعرفه.
وهنا أريد أن أقول لك شيئًا، لا لأقلل من صعوبة ما تمر به، ولا لأقنعك بأن الأمور أيسر مما تبدو. عقلك قد يكون صادقًا تمامًا حين يخبرك أن الأسباب التي تعرفها لا تكفي، لكنه لا يملك أن يخبرك أن الله لم يقدّر وراء ما تعرفه شيئًا آخر.
تأمل الفرق بين العبارتين:
«لا أجد مخرجًا».
و:
«لا يوجد مخرج».
الأولى تخبرك عن حدود ما استطعت الوصول إليه.
أما الثانية فتخبرك عن حقيقة أوسع من علمك.
الأولى قد تكون وصفًا دقيقًا لواقعك. أما الثانية فتحتاج إلى علم بالغيب لا تملكه.
فعقلك يملك أن يقول: لا أرى مخرجًا، لكنه لا يملك علم الغيب ليقول: لا يوجد مخرج. فمن أين جاءك هذا اليقين بأن كل ما لم تعرفه غير موجود، وأن ما عجزت عنه الأسباب الحاضرة قد انتهى أمره إلى الأبد؟
أريدك أن تنتبه هنا إلى أمر مهم. ليس عقلك عدوًا لك. وليس التفكير في الأسباب ضعفًا في التوكل.
بل إن الله وهبك العقل لتفهم به، وتتعلم، وتقدر العواقب، وتميز بين ما ينفعك وما يضرك، وتعرف متى تمضي ومتى تتوقف ومتى تغير وسيلتك.
ومن الحكمة أن تأخذ نتائج تفكيرك بجدية. فإن كانت الوسيلة التي تسلكها غير نافعة، فلا تواصلها لمجرد أنك تتمنى نجاحها. وإن كان أمامك خطر حقيقي، فلا تتجاهله بحجة حسن الظن بالله. وإن أخبرك أهل الخبرة أن طريقًا معينًا غير مناسب، فلا تجعل الأمل ذريعة لرفض الحقيقة.
لكن عقلك، على ما فيه من نعمة، له حدود. فهو يستطيع أن يدرس ما بين يديك من أسباب، لكنه لا يستطيع أن يحيط بكل ما قد يقدره الله لك من أسباب لم تعرفها بعد.
كيف يتسلل اليأس بعد تكرار الفشل؟
وهنا يقع الالتباس الذي قد يزيد الشدة ثقلًا على قلبك. فحين يتكرر الفشل، وتتوالى الخيبات، ويطول الانتظار، قد يتحول تاريخ المحاولات التي لم تنجح إلى صورة تتوقع بها المستقبل كله.
لقد حاولت ولم تنجح.
ثم حاولت مرة أخرى، فجاءتك النتيجة نفسها.
ومع الوقت، قد يقول لك عقلك:
لقد حدث هذا مرات كثيرة، فلا بد أن يحدث دائمًا.
لقد أُغلق هذا الطريق، فلا بد أن جميع الطرق مغلقة.
لقد عجزت اليوم، فلا بد أنني سأعجز غدًا.
وهكذا تصبح أحداث مضت يقينًا بمستقبل لم يأتِ بعد.
ولا عجب أن يصل الإنسان المتعب إلى هذا الشعور. فقد يكون قد دفع ثمن المحاولة من ماله وراحته وصحته، وتحمل من خيبة الأمل ما لم يعد يريد تكراره.
وربما صار يخشى الرجاء نفسه؛ لأنه كلما توقع الفرج ثم لم يجده، شعر أن ألمه قد تجدد. فيحاول أن يحمي قلبه بأن يغلق باب التوقعات كلها.
ويقول لنفسه:
انتهى الأمر.
ليس بالضرورة لأنه عرف النهاية، وإنما لأنه لم يعد يحتمل أن يرجو ثم يتألم من جديد.
يا صاحب القلب الذي أنهكته المحاولات…
قد يتعب الإنسان حتى لا يريد أن يسمع مزيدًا من الكلام عن الأمل. فأنت لا تحتاج إلى من يخبرك ببساطة أن هناك حلًا لكل مشكلة، ثم يتركك وحدك أمام ما لم يستطع أحد أن يساعدك فيه.
وقد تكون أمامك مشكلة حقيقية لا تُحل بكلمة جميلة. وربما تحتاج إلى مال ليس عندك، أو مساعدة لم تجدها، أو علاج لا تعرف له سبيلًا.
ولا أريد أن أطلب منك تجاهل شيء من ذلك.
لكنني أريد أن أحفظ لك حقيقة قد يطمسها التعب: أن عجزك عن معرفة ما سيحدث ليس دليلًا على أنك عرفت أنه لن يحدث.
مفاتح الغيب عند الله
لقد قال الله تعالى:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
[الأنعام: 59]
قف عند هذا المعنى.
مفاتح الغيب عند الله.
ليست عند خوفك.
ولا عند حساباتك.
ولا عند تجاربك السابقة، مهما كثرت.
ولا عند الذين أخبروك أنهم لا يعرفون حلًا.
فقد يكون كلامهم صحيحًا فيما يعلمون، لكن ما يعلمونه ليس كل ما يعلمه الله.
إنك حين تنظر إلى مستقبلك، تنظر إليه من موضعك الحاضر. ترى ما لديك الآن، وما فقدته، وما جربته، وما تستطيع توقعه بحسب خبرتك.
أما الله سبحانه، فلا يغيب عن علمه شيء من أمرك. يعلم ما وقع، وما سيقع، وما لم يخطر لك على بال. ويعلم ما تستطيع فعله، وما لا تستطيع. ويعلم هل في الطريق الذي ترجوه خيرٌ لك، وما عاقبته إن مضيت فيه.
ولذلك لا تجعل حدود إدراكك حدودًا لما يمكن أن يقدره الله. فأنت لا تنظر إلى المستقبل من موضع من يعلم الغيب، وإنما من موضع عبد يرى بعض الأسباب، ويجهل ما وراءها.
حين تنتهي وسيلة… لا يعني أن الخير انتهى
وهنا قد تسأل:
ولكن ماذا أفعل إذا كانت الأسباب كلها التي أعرفها تخبرني أن الأمر انتهى؟
هل أكذب على نفسي؟
هل أظل أكرر المحاولة نفسها، وأنا أعلم أنها لا تنفع؟
لا.
ليس هذا هو الرجاء الذي نريد أن نتعلمه.
فقد يكون الطريق الذي كنت تسلكه قد انتهى فعلًا. وقد تكون فرصة معينة قد فاتتك، أو خسارة قد وقعت ولا تستطيع إلغاءها، أو أمر كنت ترجوه لم يعد في استطاعتك الوصول إليه بالصورة التي أردتها. والإيمان بالغيب لا يقتضي إنكار شيء من ذلك.
لكن هناك فرقًا بين أن تعترف بأن أمرًا محددًا قد فاتك، وبين أن تجعل فواته حكمًا على الخير كله.
وفرق بين أن تقول:
هذه الوسيلة لم تعد نافعة.
وبين أن تقول:
لا يمكن أن يقدر الله لي عونًا أو خيرًا من أي وجه.
وربما كان من الحكمة أن تتوقف عن محاولة تستنزفك، أو أن تترك سبيلًا لا يرجى منه نفع، أو أن تبدأ في إصلاح ما يمكن إصلاحه بدل انتظار عودة ما فات. فعدم اليأس لا يعني أن تتمسك بكل طريق، وإنما ألا تجعل انتهاء طريق بعينه نهاية ثقتك بالله.
يعقوب عليه السلام: السعي مع الرجاء
وتأمل هنا مشهدًا عظيمًا من كتاب الله.
يعقوب عليه السلام، وقد طال فراقه ليوسف، واشتد حزنه، ثم فقد وجود أخيه معه أيضًا. ومع ذلك، حين خاطب أبناءه، قال:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾
[يوسف: 87]
تأمل اجتماع المعنيين:
﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾
و:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾
أمرهم بالبحث. ونهاهم عن اليأس من فرج الله ورحمته.
فلم يجعل الرجاء بديلًا عن السعي، ولم يجعل طول الفراق سببًا لترك ما يستطيعون من البحث. لقد كان يعقوب عليه السلام يعلم من أمر يوسف ما لا نعلمه نحن عن أقدارنا الخاصة، فلا يجوز أن نستخرج من قصته وعدًا بأن كل غائب سيعود، أو أن كل أمنية متأخرة ستتحقق.
لكننا نتعلم من هذا الموقف معنى واضحًا: أن قلب المؤمن يستطيع أن يجمع بين الاعتراف بواقع مؤلم، والعمل بما يستطيع، وعدم قطع الرجاء من الله.
ولعل هنا موضعًا يحتاج قلبك إلى فهمه.
أنت حين تقول:
«لا مخرج»
قد تكون في الحقيقة تقصد شيئًا أضيق من هذه العبارة بكثير.
ربما تقصد:
لا أعرف كيف أسدد ما عليّ الآن.
أو:
لا أرى طريقة للحصول على هذه الفرصة.
أو:
لقد استنفدت طاقتي، ولم أعد أعرف من أين أبدأ.
وهذه كلها عبارات تصف أحوالًا قد تكون شديدة ومؤلمة.
لكن حين تختصرها كلها في جملة «لا مخرج»، فإنك قد تضيف إلى المشكلة حكمًا أوسع منها. لقد أصبحت لا تواجه صعوبة اليوم وحدها، بل تواجه معها يقينًا بأن الغد لن يحمل إلا استمرار الصعوبة. وهذا اليقين لم يمنحك إياه علم بالغيب. فلا تسمح لشدة ما تعرفه من ألمك أن تقنعك بأنك تعرف كل ما بقي من أمرك.
ماذا أفعل عندما لا أرى مخرجًا؟
جرّب، حين يشتد عليك هذا الشعور، أن تسأل:
ما الذي انتهى تحديدًا؟
هل انتهت فرصة معينة؟
هل فشلت وسيلة محددة؟
هل فقدت شيئًا لا تستطيع استعادته؟
سمِّ الحقيقة كما هي.
ولا تهرب من الاعتراف بها.
ثم اسأل:
ماذا أستطيع أن أفعل تجاهها الآن؟
قد تحتاج إلى طلب مهلة، أو مراجعة مختص، أو استشارة شخص أمين، أو تعلم وسيلة جديدة، أو قبول مساعدة، أو التوقف عن أمر ثبت أنه يضرك. وقد لا تجد في هذه اللحظة أي إجراء يغير المشكلة الكبرى.
حينئذ لا تطالب نفسك بما ليس في قدرتها. قم بما تستطيع من واجباتك، واستعن بالله على ما لا تستطيع، ولا تعذب نفسك بمطالبتها أن تضمن مستقبلًا لا تملكه.
فالطمأنينة ليست دائمًا أن تعرف النهاية. قد يكون من أسبابها أن تعرف حدود مسؤوليتك، وألا تحمل نفسك عبء ما استأثر الله بعلمه وتدبيره.
أنت مسؤول عن السعي المشروع بما تستطيع، وعن مراجعة نفسك حين تخطئ، وعن عدم الاستسلام للكسل حين تملك سببًا نافعًا. لكن لست مسؤولًا عن ضمان النتيجة، ولا عن معرفة موعد الفرج، ولا عن الإحاطة بكل ما قد يقع.
حين يعود الخوف ويظل الواقع صعبًا
ومع ذلك، لا أريد أن أصور لك هذه المعرفة كأنها ستزيل خوفك بمجرد أن تقرأها.
قد تنتهي من هذه الموعظة، وتعود إلى مشكلتك، فتجدها في مكانها. وقد تستيقظ غدًا، ولا تزال الأسباب شديدة. وقد تدعو الله، ثم لا تجد في نفسك راحة واضحة.
ولست بذلك قد فقدت معنى التوكل، ولا أصبحت عاجزًا عن الرجاء. فبعض الأزمات أثقل من أن يخففها تأمل واحد. وبعض القلوب تحتاج إلى عون يتجدد كل يوم.
وإذا عاد إليك الخوف، فعد إلى الله. ليس عليك أن تأتيه بقلب خالٍ من الاضطراب. بل جئه بخوفك وحيرتك وعجزك.
قل له:
يا رب، لقد فكرت حتى تعبت، وحاولت حتى ضاقت بي الأسباب، ولا أعرف الآن كيف أخرج مما أنا فيه. وأنت تعلم ما أعلمه وما لا أعلمه. تعلم ما فعلت، وما عجزت عنه، وما أخشاه من الأيام القادمة.
اللهم لا تكلني إلى نفسي، ولا تجعل جهلي بما سيأتي سببًا لقنوطي من رحمتك. اهدني إلى ما ينفعني، وأعني على ما يجب عليّ فعله، ويسر لي من الخير ما تعلمه خيرًا لي. اللهم إن كان فيما أرجوه خيرٌ لي، فبلّغنيه بفضلك، وإن كان الخير في غيره، فاهدني إليه وأعني على الرضا بما تقضي. وارزقني صبرًا لا يقطع رجائي، ورجاءً لا يحملني على إهمال ما أستطيع.
ثم عد إلى واقعك، لا هاربًا منه، ولكن بنظرة أعدل.
انظر إلى صعوبة الأمور كما هي. ولا تصغر ما يؤلمك. ولا تتجاهل نصيحة صادقة لأنك تريد أن تسمع ما يوافق أمنيتك.
لكن انتبه كلما حاول خوفك أن يتحول إلى يقين بالمستقبل.
فإن قال لك عقلك:
لقد فشلت المحاولات التي أعرفها.
فاعترف بذلك، وابحث عما يمكن أن تتعلمه منها.
وإن قال لك:
هذا الطريق لم يعد نافعًا.
فلا تعاند الحقيقة إن كانت واضحة.
أما إذا قال لك:
لن يأتيك خير بعد هذا، ولن تتغير حياتك من أي وجه، ولا يمكن أن يقدر الله لك فرجًا أو عونًا…
فتوقف.
واسأل نفسك:
من أين جاءني العلم بكل ما لم يحدث بعد؟
فأنت تعرف ما انتهى من أسبابك، لكنك لا تعرف جميع ما قد يهيئه الله من أسباب. وحتى إن لم يتحقق ما تحبه بالصورة التي رجوتها، فإن ذلك لا يمنحك حق الحكم بأن رحمة الله قد انقطعت، أو أن الخير كله قد انتهى.
قد يكون بعض ما تمر به شديدًا إلى آخر الطريق، وقد تبقى لك أوجاع لا تعرف حكمتها في الدنيا. ومع هذا يبقى الله هو ربك العليم الحكيم الرحيم. وتبقى محتاجًا إلى هدايته وعونه. ويبقى باب الدعاء والعبادة مفتوحًا، فلا تغلقه على نفسك بسبب ما لم تعرفه من الغيب.
فلا تطالب نفسك بأن تؤمن أن الغد سيأتي حتمًا بما تتمنى. ولا تجعل صدق رجائك مرهونًا بقدرتك على تخيل الحل. يكفي أن تكون صادقًا في وصف ما تعلم، ومتواضعًا أمام ما تجهل.
أن تقول حين تضيق بك الأسباب:
لقد وصلت إلى نهاية ما أعرفه الآن.
وهذا يؤلمني.
ولا أدري ما الذي سيأتي بعده.
لكنني لن أجعل نهاية معرفتي حكمًا على علم الله، ولا عجز أسبابي حكمًا على قدرته، ولا خوف قلبي خبرًا يقينيًا عن مستقبلي.
فحين يقول لك عقلك:
«لا مخرج»
لا تطالبه بأن يخترع لك مخرجًا لا يعرفه. ذكّره فقط أن ما يعرفه ليس كل ما يمكن أن يكون.
ثم ارفع حاجتك إلى الله، وخذ بما تستطيع من الأسباب، ولا تحمل نفسك علم الغيب. فقد لا تعرف كيف يأتي المخرج، ولا متى، ولا هل يتحقق ما تتمناه بعينه…
لكن عدم معرفتك ليس دليلًا على أن الله قد أغلق عنك كل أبواب الخير.
فحين يقول لك عقلك: لا أرى مخرجًا… صدّقه في حدود ما يرى.
لكن حين يقول: لا يوجد مخرج… فذكّره أنه عقلٌ يحسب، لا غيبٌ يعلم.
وحين يوقظك الله بكلمة