هل يجب أن أرضى بما يؤلمني؟ الفرق بين الرضا بالله وحب الألم

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك لحظة غريبة في البلاء.

لا يكون أصعب ما فيها الألم نفسه.

بل أنك تبدأ تخاف من طريقة شعورك تجاه الألم.

تقول:

أنا مؤمن أن الله قدّر هذا.
لكنني لا أحبه.

لا أحب المرض.
لا أحب هذا الفقد.
لا أحب الانتظار.
لا أحب أنني أستيقظ كل يوم على المشكلة نفسها.
لا أحب أن الباب الذي كنت أريده أُغلق.
لا أحب أن الإنسان الذي أحببته لم يبق.

ولا أستطيع أن أقف أمام هذا كله وأقول بصدق:
أنا سعيد بما حدث.

ثم يقترب منك سؤال مؤلم:

إذا كنت لا أحب ما قدّره الله… فهل يعني هذا أنني لا أرضى بالله؟

فتبدأ معركة جديدة.

ليست مع المصيبة.

بل مع نفسك.

تحاول أن تقنع قلبك بأنه يجب ألا يتألم. يجب ألا يتمنى غير ما وقع. يجب ألا يقول: ليت هذا لم يحدث. يجب أن يحب المشهد لأنه من قدر الله.

وحين يفشل قلبك في ذلك…

تتهم إيمانك.

وهكذا يصبح عندك بلاءان:

الأول: ما حدث لك.

والثاني: أنك تعاقب نفسك لأن ما حدث لك ما زال يؤلمك.

رجل يتأمل أمام نافذة ممطرة في مشهد يعبّر عن الرضا بالله مع بقاء الألم والحزن
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هل يعني الرضا بالله أن أحب الألم؟

لكن هناك سؤالًا ينبغي أن يسبق كل هذا:

من قال إن رضاك بالله يقتضي أن تحب الألم من حيث هو ألم؟

من قال إن المريض حتى يكون عبدًا صالحًا يجب أن يحب المرض؟

وإن المفجوع يجب أن يحب الفقد؟

وإن المحروم يجب أن يفقد رغبته فيما حُرم منه؟

وإن الذي انكسر قلبه لا يكون راضيًا حتى يتوقف قلبه عن قول:

كنت أتمنى غير هذا؟

هذه المعادلة تحتاج إلى تفكيك.

لأنك خلطت بين شيئين ليسا شيئًا واحدًا:

أن تتألم من المقدور… وأن تعترض على رب القدر.

الأنبياء لم ينكروا الألم

أيوب عليه السلام لم يقل:

الضر لا يؤلمني.

قال:

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[الأنبياء: 83]

سمّاه ضرًا.

ولم يتظاهر أنه راحة.

ولم تكن مناجاته اعتراضًا.

كان يعرف أن الضر ضر…

ويعرف في الوقت نفسه من هو ربه.

وهذه هي المنطقة التي يضيع عنها كثير منا:

يمكنك أن تعرف أن الشيء يؤلمك، دون أن تجعل ألمك حكمًا على الله.

ويعقوب عليه السلام لم يقل:

أنا لا أحزن لأنني مؤمن.

قال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86]

الحزن موجود.

والبث موجود.

والشكوى موجودة.

لكن الاتجاه هو الذي يكشف العبودية:

إلى الله.

لم يمنعه إيمانه من الحزن.

بل علّمه أين يذهب بالحزن.

وهذه نقطة فارقة.

الإيمان لا يحولك إلى إنسان لا يتألم.

بل يعلمك كيف تتألم دون أن يتحول الألم إلى خصومة مع الله.

بل لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ بكى رسول الله ﷺ وقال:

«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».

تأمل هذا الميزان النبوي.

العين تدمع.

والقلب يحزن.

ثم يأتي الحد:

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

لم يقل:

القلب لا يحزن.

بل قال:

يحزن.

إذن المشكلة ليست في وجود الحزن.

المشكلة في ماذا يفعل بك الحزن بعد أن يدخل القلب.

هل يبقى حزنًا؟

أم يتحول إلى اتهام؟

هل تقول:

هذا يؤلمني؟

أم تقول:

إذن الله ظلمني؟

هل تقول:

يا رب، ارفعه عني؟

أم تقول:

لا يحق لك أن تقدره علي؟

هناك فرق لا يجوز أن نمحوه.

الرضا بالله لا يعني أن تحب ما يؤلمك

ربما أنت تظن أن الرضا يعني أن تتغير طبيعة الأشياء في داخلك.

أن يصبح الفقد جميلًا.

والمرض محبوبًا.

والوحدة مريحة.

والحرمان شيئًا لا يوجع.

لكن لماذا؟

الألم خُلق مؤلمًا.

والفقد فُقدان.

والجسد يتأذى.

والقلب يشتاق.

والإنسان يحب أشياء ويكره فقدها.

ليس المطلوب منك أن تعطل إنسانيتك حتى تثبت عبوديتك.

لا تحتاج أن تسمي الجرح راحة حتى لا تعترض على ربك.

وهنا نحتاج إلى دقة أكبر.

هناك فرق بين:

الرضا بالله ربًا

وبين:

الإحساس بالراحة تجاه كل شيء مؤلم يقع لك.

أنت ترضى بالله ربًا:

لا تتمنى ربًا غيره.

ولا ترى أنك أحق بالحكمة منه.

ولا تتهمه بالظلم.

ولا تجعل جهلك بما وراء القدر حجة عليه.

وتبقى عبدًا له.

تلجأ إليه.

وتدعوه.

وتخافه.

وترجوه.

لكن هذا لا يعني أن جسدك إذا مرض يجب أن يقول:

أريد المرض.

ولا أن قلبك إذا فَقَد يقول:

لا أتمنى عودة من أحب.

ولا أن المكروب يجب أن يتوقف عن طلب الفرج.

طلب زوال البلاء ليس اعتراضًا

ولذلك انتبه إلى هذه الجملة:

طلب زوال البلاء ليس اعتراضًا على وقوعه.

أنت تستطيع أن تؤمن أن الله قدّره…

ثم تدعو الله أن يرفعه.

ولا تناقض.

المريض يأخذ الدواء.

والمحتاج يسأل الرزق.

والمكروب يقول:

يا رب، فرّج.

وأيوب قال:

﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.

فلو كان كمال العبودية أن تقول للبلاء:

ابقَ، فأنا لا أريدك أن تزول…

فلماذا دعا الأنبياء ربهم؟

وربما هنا يتضح الخلط.

أنت تتصور أن أمامك خيارين فقط:

إما أن تقول:

أنا أحب ما حدث ولا أتمنى تغييره.

أو:

أنا ساخط على الله.

لكن بينهما مساحة واسعة من العبودية الصادقة:

يا رب، لا أحب هذا الألم.
وأتمنى زواله.
وأدعوك أن تغيّره.
لكنني لن أجعل كراهيتي له كراهية لك.

هذه جملة كاملة.

لا تحتاج أن تحذف نصفها حتى تبدو مؤمنًا.

وقد تقول:

لكنني كثيرًا ما أفكر:
ليت هذا لم يحدث.
أليس هذا اعتراضًا؟

ليس كل تمني نفسي لعدم الألم حكمًا واحدًا.

الإنسان بطبيعته يتمنى السلامة.

لو كان كل ميل إلى غير الألم سخطًا، لما سأل الناس الله العافية.

المشكلة ليست أن تقول:

يا ليتني لم أمر بهذا.

بل ماذا تبني فوق هذه الجملة؟

هل تقول:

أنا أتألم وأتمنى لو سلمت.

أم تقول:

كان ينبغي ألا يقدره الله؟

الأولى وجع إنساني.

والثانية شيء آخر.

لا تمثل الرضا أمام الله

وهنا قد تكتشف أنك كنت تحمل فوق قلبك تكليفًا لم يطلبه الله منك بهذه الصورة:

«يجب أن أحب ما حدث.»

فتبدأ تمثل الرضا.

تبتسم بينما أنت محطم.

وتقول:

أنا بخير.

وأنت لست بخير.

وتقول:

أنا لا أحزن.

وأنت تحزن.

وتقول:

لم أفقد شيئًا.

وأنت تعرف ماذا فقدت.

وتظن أن هذا صدق مع الله.

لكن كيف يكون صدقًا وأنت تخفي الحقيقة التي يعلمها الله أصلًا؟

الله يعلم أنك موجوع.

يعلم أنك كنت تريد غير هذا.

يعلم أنك دعوت ألا يقع.

ويعلم أنك الآن تتمنى زواله.

فلماذا تقف بين يديه بشخصية ليست أنت؟

ربما تكون عبوديتك أصدق حين تقول:

يا رب…

أنا لا أحب ما حدث.
وهذا يؤلمني أكثر مما أستطيع شرحه.
وكنت أتمنى من كل قلبي طريقًا آخر.
ولا أستطيع أن أقول لك إنني سعيد بهذا.

لكنني أعرف أنك ربي.
وأعرف أن علمي ليس كعلمك.
وأعرف أن جهلي لا يعطيني حق اتهامك.

فأعنّي على ما وقع.
وارفعه عني إن شئت.
ولا تجعل وجعي يفسد ما أعرفه عنك.

هذه ليست قلة رضا بالله.

هذه عبودية صادقة بلا تمثيل.

ولعل أجمل ما في هذا المقام أنك لا تحتاج أن تختار بين الصدق مع ألمك والأدب مع ربك.

يمكنك أن تجمعهما.

تقول:

هذا يؤلمني.

دون أن تقول:

الله ظلمني.

تقول:

لا أريده.

دون أن تقول:

أنا أعلم أن اختيارًا آخر كان خيرًا لي.

تقول:

يا رب، أخرجه من حياتي.

دون أن تقول:

لن أعبدك حتى تخرجه.

تقول:

كنت أتمنى غير هذا.

دون أن تجعل أمنيتك معيارًا تحاكم به الحكمة الإلهية.

هذه هي الدقة.

كيف تقيس رضاك وأنت متألم؟

وقد يكون السؤال الذي تحتاجه ليس:

هل أنا سعيد بالبلاء؟

بل:

ماذا أفعل بالله وأنا في البلاء؟

هل ما زلت تذهب إليه؟

هل تصلي؟

هل تدعوه؟

هل تسأله أن يثبتك؟

هل تستغفر إن أخطأت؟

هل تكف لسانك عن اتهامه؟

هل تعترف بأنك لا تعلم كل شيء؟

هل تقول:

يا رب، أنا لا أفهم، لكنني لن أتكلم عنك بغير علم؟

هذه أسئلة أصدق من أن تقيس إيمانك بمقدار ابتسامتك أثناء الوجع.

وهناك فرق آخر مهم:

الصبر ليس أن يختفي الألم.

لو اختفى الألم أصلًا، فعلى ماذا تصبر؟

الصبر يظهر لأن هناك شيئًا تكرهه النفس.

شيئًا تريد أن يزول.

شيئًا يضغط عليك.

ثم مع ذلك تحبس نفسك عن السخط المحرم، وتستمر في ما تستطيع من الطاعة.

ولهذا لا تحتقر نفسك لأن الصبر ثقيل.

لو لم يكن ثقيلًا لما احتاج إلى صبر.

وقد تقول:

لكنني أرى بعض الناس يقولون:
لو خُيّرت لما اخترت غير ما اختاره الله لي.

وربما يكون هذا مقامًا عظيمًا عند بعض الناس.

لكن لا تجعل عبارة شخص آخر سوطًا تضرب به قلبك.

لا تقل:

إذا لم أستطع قولها الآن، فأنا فاشل.

أنت اليوم ربما في مرحلة تقول فيها:

يا رب، أنا أحاول ألا أسخط.

وهذه عبادة.

ربما لا تملك قلبًا مطمئنًا لكل التفاصيل.

لكن تملك أن تقول:

لن أتهم الله.
لن أقطع الصلاة.
لن أجعل الجرح إذنًا للمعصية.
سأبكي… وأبقى.

لا تحتقر هذا المقام.

الشكوى إلى الله ليست شكوى من الله

وأحيانًا يكون الذي يمنعك من الصدق خوفًا من لفظة «اعتراض».

فتكتم كل شيء.

لا تقول لله:

أنا متعب.

لأنك تخاف أن يكون اعتراضًا.

لا تقول:

هذا شديد.

لأنك تخاف أن يكون اعتراضًا.

لا تقول:

أتمنى الفرج.

لأنك تخاف أن يكون اعتراضًا.

حتى يتحول الدعاء من مناجاة إلى خطاب رسمي بارد.

لكن يعقوب قال:

﴿بَثِّي وَحُزْنِي﴾.

وأيوب قال:

﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.

لا تعارض بين الأدب والصدق.

بل الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى الكذب.

الشكوى إلى الله شيء.

والشكوى من الله بمعنى اتهامه والاعتراض عليه شيء آخر.

انتبه إلى الاتجاه.

حين تقول:

يا رب، تعبت، فاحملني.

أنت ذاهب إليه.

حين تقول:

يا رب، هذا يؤلمني، فارحمني.

أنت ذاهب إليه.

حين تقول:

يا رب، لا أستطيع وحدي.

أنت تعترف بحاجتك.

أما أن يتحول الألم إلى حكم على عدل الله أو رحمته…

فهنا تغيّر الأمر.

ليس السؤال: هل شكوت؟

بل:

إلى من شكوت؟ وبماذا حكمت على ربك وأنت تشكو؟

لا تجعل الألم يعرّف لك ربك

وهنا ربما نصل إلى الجملة التي تفك العقدة كلها:

يمكنك أن تكره الألم… دون أن تسيء الظن بمن قدّره.

قد تقول:

أكره المرض.

لكنني لا أقول إن الله ظلمني.

أكره الفقد.

لكنني لا أقول إن الله لا يرحم.

أكره طول الانتظار.

لكنني لا أقول إن الله نسيني.

أكره أن هذا الباب أُغلق.

لكنني لا أدعي أنني أعرف أن فتحه كان خيرًا لي.

أكره وجعي…

لكنني لا أجعل وجعي يتكلم باسم الله.

هذا هو الفارق الذي ربما كنت تبحث عنه طوال الوقت.

الرضا بالله لا يعني أن الجرح يجب أن يتوقف عن كونه جرحًا.

بل يعني أن الجرح لا يصبح تعريفك الجديد لربك.

كنت تعرف أن الله رحيم قبل أن تتألم.

فلا تجعل الألم يقول:

إذن ليس رحيمًا.

وكنت تعرف أنه حكيم.

فلا تجعل عدم فهمك يقول:

إذن لا حكمة.

وكنت تعرف أنه لا يظلم.

فلا تجعل شدة الوجع تقول:

إذن ظُلِمت.

الرضا بالله لا يعني أن تسمي الجرح راحة، بل ألا تجعل الجرح يغيّر ما تعرفه عن ربك.

وربما تحتاج أن تتوقف عن سؤال قلبك:

هل أحببت ما وقع؟

واسأله بدلًا من ذلك:

هل ما زلت أعرف من هو الله رغم ما وقع؟

هذا أعمق.

لأنك قد لا تحب المشهد.

لكن تحب ربك.

وقد لا تريد البلاء.

لكن تريد الله.

وقد تبكي من قدره.

لكن تبكي عند بابه.

وهذا من أدق ما يمكن أن يجتمع في قلب المؤمن:

أن يكون موجوعًا من المقدور… دون أن يكون ساخطًا على المقدِّر.

الرضا لا يلغي السعي والأخذ بالأسباب

وحين يأتيك أحد ويقول:

ارضَ.

لا تجعل الكلمة تتحول في ذهنك إلى:

لا تبك.
لا تحزن.
لا تطلب التغيير.
لا تقل إنك متعب.

بل افهمها بميزانها الصحيح.

لا تجعل المصيبة تدفعك إلى ما يسخط الله.

لا تجعل قلبك يحكم على الله بما لا يعلم.

استسلم لحقيقة أنك عبد لا يملك رد ما وقع بعد وقوعه.

وخُذ بالأسباب المشروعة لتغييره إن أمكن.

وادع.

واطلب العافية.

وتداو.

واسع.

وابك إن بكيت.

لكن لا تجعل بكاءك خصومة مع الله.

وقد تكون المشكلة أن كلمة «التسليم» عندك تعني الاستسلام السلبي.

تقول:

إذا رضيت، لماذا أسعى لتغيير الأمر؟

لكن الرضا بالله لا يلغي السبب.

أنت ترضى بالله ربًا…

ثم تذهب للطبيب.

وترضى بالله ربًا…

ثم تبحث عن عمل.

وترضى بالله ربًا…

ثم تصلح ما تستطيع من مشكلة.

وترضى بالله ربًا…

ثم تقول:

يا رب، بدّل حالي.

التسليم لا يعني أن تبقي الجرح مفتوحًا مع قدرتك على علاجه.

ولا أن تترك الظلم إن استطعت دفعه بطريق مشروع.

ولا أن تتوقف عن طلب الخير.

ثم انتبه إلى فخ آخر:

أن تظن أن قبول الواقع الحالي يعني التنبؤ باستمراره.

تقول:

إذا سلّمت اليوم، فكأنني وافقت أن يبقى هكذا إلى الأبد.

لا.

يمكنك أن تقول:

هذا هو واقعي الآن.
لن أنكره.
ولن أدمّر نفسي بإنكار وقوعه.
وسأتعامل معه بما أستطيع.

وفي الوقت نفسه:

يا رب، غيّره.

هذه ليست ازدواجية.

هذه حياة العبد بين قدر واقع ودعاء بمستقبل لا يعرفه.

وربما يكون أصدق دعاء في هذه المرحلة:

يا رب، لا أريد أن أكذب عليك.

أنا لا أحب هذا.
وأتمنى زواله.
وأحيانًا أبكي لأنني كنت أريد حياة مختلفة.

لكنني لا أريد أن يجعلني حزني أقول عنك ما لا يليق بك.

فإن كان الصبر ثقيلًا عليّ فقوّني.
وإن كان في قلبي سخط محرّم فطهّرني منه.
وإن كان مجرد حزن فأعنّي أن أحمله.
وإن شئت أن ترزقني طمأنينة القلب فارزقنيها.

لكن يا رب…
لا تجعلني أظن أن الطريق إليك يمر عبر إنكار ألمي.

ماذا تقول لنفسك حين تتألم؟

وقد تقول:

إذن ماذا أقول لنفسي حين أتألم؟

قل:

أنا لا أحب هذا الألم.

هذه حقيقة.

وأنا أسأل الله أن يرفعه.

هذه عبادة.

وأنا لا أعرف كل ما وراءه.

هذه عبودية.

ولن أجعل جهلي سببًا لسوء الظن بالله.

هذا أدب.

وسأصبر عن السخط ما استطعت وأستعين بالله.

هذا عملك.

لا تحتاج إلى جملة كاذبة:

أنا سعيد بهذا.

إذا لم تكن سعيدًا.

ثم إذا بكيت…

لا تقل:

فشلت في الرضا.

إذا اشتقت لما فقدت…

لا تقل:

فشلت في الرضا.

إذا دعوت عشر مرات أن يتغير الواقع…

لا تقل:

أنا أعترض.

إذا استيقظت صباحًا وتمنيت لو أن حياتك مختلفة…

لا تجعل الخاطر وحده محكمة لعقيدتك.

انظر إلى ما بعده.

إلى ما تختاره.

إلى ما تقول.

إلى أين تتجه.

أحيانًا أكثر ما يحتاجه قلبك هو إذن شرعي وإنساني بأن يقول:

هذا يؤلمني.

دون أن يلحقها فورًا باعتذار:

لكنني مؤمن، لكنني راضٍ، لكنني لا أعترض…

الله يعلم إيمانك.

قل ألمك.

ثم ضعه بين يديه.

يا رب، هذا يؤلمني.

ثم اسكت إن لم تجد غيرها.

فكم في هذه الجملة من عبودية إذا كانت موجهة إليه لا عليه.

ولا تجعل أحدًا يقنعك أن قوة الإيمان تُقاس بمدى قدرتك على ألا تشعر.

النبي ﷺ بكى.

وقال إن القلب يحزن، مع التزام ألا يقول إلا ما يرضي الله.

هذا الميزان يكفي.

دمعة… بلا سخط.
حزن… بلا اتهام.
دعاء بزوال البلاء… بلا خصومة مع الله.

كم هو إنساني.

وكم هو صادق.

عبودية بلا تمثيل

وربما لهذا لا تحتاج أن تسأل:

هل يجب أن أحب ما يؤلمني؟

بل اسأل:

هل أستطيع وأنا لا أحبه أن أبقى عبدًا لله؟

نعم.

أن تصلي وأنت حزين.

أن تدعو وأنت تريد غير الواقع.

أن تبكي ثم تقول:

يا رب، أعني.

أن تبحث عن مخرج مشروع.

أن تتمنى العافية.

أن تشتاق لما فقدت.

ومع ذلك لا تجعل شيئًا من هذا يتحول إلى اتهام لخالقك.

قد يكون قلبك راضيًا بالله…

وهو ما يزال يبكي من ألم المقدور.

ليس لأن المقدور خارج ملك الله.

ولا لأنك تفصل بين الله وفعله.

بل لأن البكاء من الألم شيء…

والسخط على الله شيء آخر.

والنبي ﷺ جمع أمامنا الحقيقة كلها في مشهد واحد:

عين تبكي.
قلب يحزن.
ولسان لا يقول ما يسخط الرب.

فلا تطالب قلبك الليلة بأن يحب الجرح.

طالبه بشيء أصدق:

ألا يجعل الجرح إلهًا جديدًا يعرّف له الله.

قل:

يا رب، أنا أتألم.
ولا أحب ما أنا فيه.
وأتمنى أن تبدله.

لكنني لن أجعل شدة ألمي دليلًا أنك أسأت إليّ.
ولن أجعل جهلي بحكمتك علمًا بعدمها.
ولن أجعل حزني سببًا للهرب منك.

سأحزن عندك.
وأبكي عندك.
وأطلب الفرج منك.

وإذا لم أستطع أن أحب ما وقع…
فسأظل أحاول أن أحبك أنت، وأعبدك، وأحسن الظن بك.

لا تحتاج أن تحب الجرح حتى لا تعترض على ربك.

ولا تحتاج أن تسمي الألم نعمة وأنت لا ترى ذلك.

ولا تحتاج أن تمثل ابتسامة فوق قلب ينزف.

يكفي أن تعرف الحد:

الألم يقول:

هذا يؤلمني.

فلا تسمح له أن يضيف:

إذن ربي ظلمني.

والحزن يقول:

كنت أتمنى غير هذا.

فلا تسمح له أن يضيف:

إذن أنا أعلم أن غيره كان خيرًا لي.

وابك إن احتجت.

وادع أن يتغير ما يؤلمك.

واسع في تغييره بما أحل الله.

ثم ابق عند الباب.

فربما لم تكن عبوديتك الصادقة أن تقول:

«يا رب، أحببت كل ما آلمني.»

بل أن تقول:

«يا رب، هذا يؤلمني جدًا… ومع ذلك لن أجعل ألمي يبعدني عنك.»

فهنا لا تكون قد أنكرت إنسانيتك لكي ترضى بالله.

بل أتيت الله بإنسانيتك كلها:

بحزنها.

وضعفها.

ورغبتها.

ودموعها.

ثم بقيت عبدًا.

وهذه ليست عبودية أقل.

هذه عبودية بلا تمثيل.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0