🌑 يا رب… هل خوفي من الغد يعني أنني لا أتوكل عليك؟
أحيانًا لا يخيفك الغد وحده.
يخيفك أنك خائف منه أصلًا.
تستلقي ليلًا.
فتبدأ الاحتمالات.
ماذا لو ساءت الأمور؟
ماذا لو لم يكف المال؟
ماذا لو جاء الخبر الذي أخشاه؟
ماذا لو فقدت ما أملك؟
ماذا لو لم أستطع التحمل؟
ماذا لو كان العام القادم أصعب؟
ثم فجأة لا تعود مشكلتك مع المستقبل فقط.
تبدأ محاكمة إيمانك:
لو كنت متوكلًا على الله حقًا… فلماذا كل هذا الخوف؟
أليس المتوكل مطمئنًا؟
أليس الواثق بالله هادئًا؟
أليس معنى أن أقول: «توكلت على الله» أن أتوقف عن الارتجاف من الغد؟
فتضيف إلى خوف المستقبل خوفًا آخر:
ربما أنا لا أثق بالله كما أظن.
وهنا تختلط عليك حقيقتان مختلفتان:
أن يخاف الإنسان مما قد يؤلمه.
وأن يفقد اعتماده على الله.
وليسا شيئًا واحدًا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- هل يجتمع الخوف والتوكل؟
- التوكل ليس حالة تخدير
- حين يضيّق الخوف المشهد
- لا أعرف ماذا سيحدث
- الله لم يعطك خريطة الغد
- الخوف من الألم وسوء الظن بالله
- لا تحمل غدًا كاملًا اليوم
- الخوف ليس علمًا بالغيب
- كيف أعرف أنني متوكل؟
- لا تجعل الخوف تهمة
- حين يأخذ الخوف يومك باسم الغد
- ماذا تفعل مع «ماذا لو؟»
- لا تخترع ضمانات باسم التوكل
- الميزان الأخير
هل يجتمع الخوف والتوكل؟
من أين جاءت الفكرة أن الثقة بالله يجب أن تمنع قلبك وجسدك من الإحساس بالخطر؟
إذا أخبرك الطبيب أن أمامك فحصًا مهمًا…
قد تخاف.
إذا أصبح مصدر رزقك مهددًا…
قد تخاف.
إذا مرض من تحب…
قد تخاف.
إذا رأيت أسبابًا حقيقية تنذر بخسارة…
قد تخاف.
الخوف في أصله استجابة لما تراه من احتمال الضرر.
أما التوكل فسؤال آخر:
ماذا تفعل بهذا الخوف بعد أن يدخل قلبك؟
هل يجعلك تترك ما أمرك الله به؟
هل يدفعك إلى الحرام؟
هل يحول الاحتمال إلى يقين؟
هل يجعلك تقول عن الله ما لا تعلم؟
هل يجعلك تعبد السبب وكأنه يملك النتيجة؟
أم تخاف…
ثم تقوم.
وتأخذ بالسبب.
وتدعو.
وتستعين.
وتقول:
يا رب، أنا لا أملك ما سيأتي، فإليك أسند نفسي؟
هنا يظهر التوكل.
التوكل ليس حالة تخدير
التوكل ليس حالة تخدير.
ليس أن تنظر إلى الخطر الحقيقي وتقول:
لا يوجد خطر.
وليس أن تقول:
أنا متأكد أن شيئًا مؤلمًا لن يحدث.
من أين لك هذا اليقين؟
قد يقع ما تكره.
والتوكل لم يكن يومًا وعدًا بأن الدنيا ستوافق رغبتك في كل مرة.
التوكل لا يعني أنك تعرف أن الغد سيكون كما تحب.
بل يعني أنك تعرف إلى من تسند قلبك وأنت لا تعرف كيف سيكون الغد.
وهذا فرق هائل.
حين كان النبي ﷺ وصاحبه في الغار، كان الطلب حقيقيًا.
وكان الخطر حقيقيًا.
وكانت الأسباب حولهما أسباب خوف.
ومع ذلك قال النبي ﷺ لصاحبه:
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
[التوبة: 40]
لاحظ.
لم يقل:
لا يوجد من يبحث عنا.
ولم ينكر المشهد.
ولم تكن الطمأنينة مبنية على أن الخطر وهم.
بل على حقيقة أكبر من الخطر:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
هذه نقطة التوكل.
لا أن تقنع نفسك بأن الأسباب المخيفة غير موجودة.
بل ألا تسمح لها أن تصبح الشيء الوحيد الموجود في المشهد.
حين يضيّق الخوف المشهد
وهذا ما يفعله الخوف حين يشتد.
يضيق الصورة.
يجعلك ترى:
الفاتورة.
ولا ترى إلا الفاتورة.
التقرير الطبي.
ولا ترى إلا التقرير.
الشخص الذي قد يتركك.
ولا ترى إلا احتمال الفقد.
الباب الذي قد يُغلق.
ولا ترى إلا الباب.
حتى يبدو لك أن مستقبلك كله صار داخل يد هذا السبب.
وهنا يأتي التوكل ليعيد ترتيب المشهد:
نعم، السبب موجود.
نعم، قد يؤلم.
نعم، يجب أن أتعامل معه بجدية.
لكنه ليس ربًا.
ليس هو الذي يملك الغد استقلالًا.
وليس هو الذي يكتب النهاية.
ولذلك ربما لا يكون السؤال:
هل أنا خائف؟
بل:
لمن أعطيت آخر كلمة وأنا خائف؟
هل أعطيتها للرقم؟
للطبيب؟
للسوق؟
للإنسان؟
للتوقع؟
لأسوأ سيناريو صنعه ذهنك؟
أم بقي في قلبك، رغم كل هذا:
يا رب، أنت فوق ما أخاف؟
التوكل لا يشترط أن يكون صوت الخوف صامتًا.
لكنه يرفض أن يكون صوت الخوف هو الصوت الحاكم.
وانظر إلى مشهد موسى عليه السلام.
البحر أمامهم.
وفرعون خلفهم.
وقال أصحاب موسى:
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
[الشعراء: 61]
من جهة الأسباب الظاهرة، كان الخوف مفهومًا.
طريق مغلق.
وعدو يقترب.
لكن موسى عليه السلام قال:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[الشعراء: 62]
لا نأخذ من هذه القصة وعدًا بأن كل مأزق في حياتك سينتهي بانشقاق بحر.
ولا أن كل شيء تخافه سيزول بالطريقة التي تريدها.
لكن نأخذ منها أصلًا:
المشهد الذي تراه ليس كل الحقيقة.
قد تكون الأسباب ضيقة جدًا.
ولا يعني ذلك أن الله خرج من القصة.
لا أعرف ماذا سيحدث
وهنا ربما نصل إلى الجملة التي تحتاجها في ليالي الخوف:
لا أعرف ماذا سيحدث… لكنني لن أعيش وكأن الله خرج من القصة.
لا أعرف هل ستتيسر الوظيفة.
لا أعرف ماذا سيقول الطبيب.
لا أعرف هل سيبقى هذا الشخص.
لا أعرف كيف ستكون السنة القادمة.
لا أعرف هل سيزول ما أخافه.
لكن جهلي بالغد لا يساوي غياب الله عن الغد.
وقد تقول:
لكنني أريد الطمأنينة.
وهذا حق.
اسأل الله السكينة.
واطلب قلبًا ثابتًا.
لكن انتبه:
ربما أنت لا تريد التوكل فقط.
ربما تريد من التوكل أن يعطيك ضمانًا شعوريًا بأن شيئًا مؤلمًا لن يقع.
تقول:
إذا توكلت جيدًا، سأشعر بالأمان.
وإذا شعرت بالأمان، فهذا يعني أن الأمور ستكون بخير.
ثم إن بقي الخوف، قلت:
إذن توكلي ناقص.
لكن هنا أنت تطلب من التوكل شيئًا لم يوعدك به:
معرفة المستقبل قبل أن يأتي.
الله لم يعطك خريطة الغد
أنت لا تريد فقط أن تقول:
الله معي.
تريد أن تعرف أيضًا:
هل سأشفى؟
هل سأتزوج؟
هل سيكفيني المال؟
هل سأبقى آمنًا؟
هل سأحتمل؟
هل سينتهي هذا قريبًا؟
وتظل تبحث عن إجابة لكل سؤال حتى تطمئن.
لكن ربما المشكلة ليست أنك تحتاج مزيدًا من المعلومات.
ربما أنت تريد شيئًا لا يملكه الإنسان أصلًا:
أن يعرف الغد قبل أن يعيشه.
والله لم يعطك خريطة الغد.
أعطاك شيئًا آخر:
ربًا للغد.
وهذه ليست إجابة صغيرة.
لأنك قد تملك خريطة تفصيلية للغد…
ثم يحدث شيء لم يكن فيها.
أما أن تعرف ربك، فهذه علاقة لا تتوقف على أن تكون التفاصيل مكشوفة لك.
أنت لا تقول:
أنا مطمئن لأنني أعرف ماذا سيحدث.
بل:
أنا أستند إلى الله لأنني لا أعرف ماذا سيحدث.
هنا يظهر معنى التوكل فعلًا.
الخوف من الألم وسوء الظن بالله
والخوف نفسه يحتاج إلى تفكيك.
الخوف يقول:
قد يحدث ما يؤلمني.
وهذه الجملة قد تكون صحيحة.
أما سوء الظن فيضيف:
وإذا حدث ما يؤلمني، فهذا يعني أن الله تركني.
وهذه قفزة أخرى.
قد تخاف من المرض.
هذا شيء.
أن تقول:
إن مرضت فقد تخلى الله عني.
هذا شيء آخر.
قد تخاف من خسارة المال.
هذا شيء.
أن تقول:
إذا ضاق رزقي فقد هنت على الله.
هذا شيء آخر.
قد تخاف من الفقد.
هذا شيء.
أن تقول:
إن فقدت، فلن يبقى الله لي.
هذا شيء آخر.
الخوف من الألم لا يساوي سوء الظن بالله.
فلا تجعل الأول ينمو حتى يصبح الثاني.
لا تحمل غدًا كاملًا اليوم
وربما خوفك يقول:
أنا لن أحتمل.
وهذه من أكثر جمل المستقبل خداعًا.
لأنك تحاول الآن أن تحمل ألمًا لم يقع بعد، بأدوات اللحظة الحالية، ثم تحكم:
لن أستطيع.
تتخيل مصيبة كاملة.
وتعيش تفاصيلها.
وتحمل نتائجها.
وتبكي آثارها.
وكل ذلك الآن.
ثم تقول:
أنا عاجز.
طبيعي.
أنت تطلب من نفسك اليوم أن تحمل غدًا كاملًا دفعة واحدة.
لكن الله لم يطلب منك أن تحمل اليوم أوجاع كل الأيام المحتملة.
أنت مسؤول عن يومك.
وعن السبب الذي تستطيع أخذه الآن.
وعن الصلاة التي بين يديك.
وعن القرار الذي يجب أن تتخذه.
وعن الخطوة الممكنة.
أما أن تحمل ألف مستقبل محتمل في ساعة واحدة…
فهذا ليس توكلًا ولا استعدادًا.
إنه استنزاف.
قد تقول:
لكنني أحاول الاستعداد.
والاستعداد مطلوب.
إذا كان هناك خطر معقول:
خطط.
ادخر.
استشر.
تعالج.
رتب أمورك.
خذ بالأسباب.
لكن هناك فرقًا بين الاستعداد للمستقبل والسكن داخل أسوأ احتمالاته.
الأول ينتج فعلًا.
والثاني قد ينتج دورانًا.
اسأل نفسك بعد ساعة من التفكير:
هل عرفت خطوة جديدة أستطيع فعلها؟
إن كان نعم، افعلها.
أما إن كنت تعيد الفيلم نفسه:
ماذا لو؟
وماذا لو؟
وماذا لو؟
فربما لم تعد تخطط.
ربما أنت تحاول الحصول بالتفكير على ضمان لا يستطيع التفكير أن يعطيك إياه.
وهنا يصبح التوكل تحريرًا من مهمة مستحيلة:
أن تضمن الغد.
أنت لا تستطيع.
ولم تُكلّف.
مهمتك ليست ضمان النتيجة.
مهمتك أن تفعل ما عليك…
ثم تعرف أن ما لا تملكه ليس بلا رب.
الخوف ليس علمًا بالغيب
لهذا لا تقل:
لو كنت متوكلًا لما خفت.
قل:
إذا خفت، فكيف أعبد الله بهذا الخوف؟
أتحول به إلى دعاء.
إلى استعانة.
إلى أخذ سبب.
إلى حذر مشروع.
إلى عودة إلى الله.
ولا أحوله إلى كهانة عن المستقبل.
هذه نقطة عظيمة:
الخوف ليس علمًا.
لأنك تشعر أن شيئًا سيئًا سيحدث…
لا يعني أنه سيحدث.
ولأن قلبك يصنع سيناريو واضحًا جدًا…
لا يعني أنه رأى الغيب.
الخوف بارع في تحويل الاحتمال إلى مشهد.
ثم تحويل المشهد إلى يقين.
تقول:
أشعر أنني سأفشل.
فتتحول عندك إلى:
سأفشل.
أشعر أن الأزمة ستزداد.
فتتحول إلى:
ستزداد.
أخاف أن أفقده.
فتعيش وكأنك فقدته بالفعل.
انتبه.
شعورك بالخوف دليل على أنك خائف، لا دليل على أن ما تخافه مكتوب.
كما تعلمنا سابقًا أن الرغبة لا تخبرك بالغيب…
فالخوف أيضًا لا يخبرك بالغيب.
الرغبة تقول:
أريده.
ولا تقول:
سيكون لي.
والخوف يقول:
أخشاه.
ولا يقول:
سيحدث لي.
وقد تكون هذه من أكثر القواعد رحمة:
لا تجعل مشاعرك تعمل بوظيفة النبوءة.
لا رغبتك.
ولا خوفك.
ولا ارتياحك.
ولا انقباضك وحده.
كلها مشاعر لها معناها.
لكن الغيب لله.
كيف أعرف أنني متوكل؟
وهنا قد تسأل:
إذن كيف أعرف أنني متوكل؟
لا تبحث عن درجة معينة من الهدوء.
انظر إلى اتجاهك.
حين خفت…
هل تركت الصلاة؟
هل فعلت حرامًا كي تضمن لنفسك الأمان؟
هل علقت قلبك بإنسان كأنه يملك نجاتك؟
هل تركت السبب لأنك انهرت؟
أم أخذت بما تستطيع؟
ودعوت؟
وحاولت أن تمنع قلبك من تأليه الأسباب؟
ثم قلت:
يا رب، ما لا أستطيع حمله، أحمله إليك؟
ربما كنت خائفًا… ومتوكّلًا في الوقت نفسه.
لا تجعل الخوف تهمة
لا يعني هذا أن كل خوف محمود.
قد يصبح الخوف مفرطًا.
وقد يستهلك حياة الإنسان.
وقد يمنعه من واجباته.
وقد يدفعه إلى قرارات خاطئة.
وهنا يحتاج إلى معالجة أسبابه، وتنظيم حياته، وأخذ ما يستطيع من أسباب نافعة.
لكن لا ترتكب خطأ آخر:
لا تجعل مجرد وجود الخوف حكمًا بأن علاقتك بالله فاسدة.
عالج الخوف…
ولا تعبده.
لكن لا تخجل من كونك إنسانًا يخاف.
والأنبياء أنفسهم ورد عنهم الخوف في مواضع.
قال الله عن موسى عليه السلام:
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾
[طه: 67–68]
تأمل.
وقع الخوف في النفس.
ولم يجعل ذلك موسى عليه السلام خارج مقام الإيمان.
ثم جاء التثبيت من الله.
وهنا ترى بوضوح:
وجود الخوف في القلب ليس وحده نقيضًا للثقة بالله.
المهم ماذا يحدث بعد الخوف.
وقد يكون أجمل ما في التوكل أنه لا ينتظر منك أن تصبح إنسانًا بلا أعصاب.
إنما يعيد كل شيء إلى مكانه.
الخطر إلى حجمه.
والسبب إلى حجمه.
وقدرتك إلى حجمها.
والغيب إلى صاحبه.
والله إلى المكان الذي لا ينبغي أن ينازعه فيه شيء في قلبك.
ربما تقول:
أنا أفهم هذا كله، لكنني ما زلت خائفًا.
حسنًا.
لا تضف إلى الخوف تهمة.
قل:
أنا خائف.
ثم أكمل:
وأنا متوكل.
قد تبدوان لك متناقضتين.
لكن ليستا كذلك بالضرورة.
أنا خائف لأنني لا أعرف ما سيحدث.
ومتوكل لأنني أعرف من يملك ما سيحدث.
أنا خائف لأنني ضعيف.
ومتوكل لأن ضعفي ليس الشيء الوحيد في القصة.
أنا خائف من الألم.
ومتوكل لأن الألم، إن وقع، لا يصبح ربًا.
ثم اسأل نفسك السؤال الأصعب:
هل أريد الثقة بالله… أم أريد ضمانًا من الله ألا يؤلمني شيء؟
الفرق بينهما شديد.
الأولى عبودية.
والثانية شيء لم تُعطَه.
الدنيا ليست عقد حماية من كل فقد.
ولا من كل مرض.
ولا من كل انكسار.
والتوكل لا يحوّلها إلى ذلك.
إنما يعلمك ألا تجعل احتمال الألم يسرق منك ربك قبل أن يقع الألم أصلًا.
حين يأخذ الخوف يومك باسم الغد
وربما تكون قد أضعت أيامًا كثيرة لأنك كنت تحاول حماية نفسك من غد لم يأت.
لم تقع المصيبة.
لكن خيالك جعلها تقع مئة مرة.
لم تفقد.
لكنك عشت الفقد.
لم يصل الخبر.
لكنك دفنت الأمل.
لم تنته الفرصة.
لكنك ودعتها.
وهكذا يأخذ الخوف منك اليوم باسم الغد.
وهنا يأتي التوكل ليقول:
لا تعطِ يومًا لم يأت حقَّ استهلاك اليوم الذي أعطاك الله إياه.
خذ ما تحتاجه للاستعداد.
ثم عد.
هنا.
إلى يومك.
لأنك إذا عشت غدًا اليوم…
فماذا ستفعل عندما يأتي الغد فعلًا؟
ستكون قد دفعت الثمن مرتين.
مرة في الخيال.
ومرة في الواقع إن وقع.
أما إذا لم يقع…
فقد دفعت ثمن شيء لم يحدث أصلًا.
ماذا تفعل مع «ماذا لو؟»
وهنا ربما تقول:
كيف أتوقف؟
ليس المطلوب أن تطرد كل «ماذا لو؟» من رأسك.
قد تعود.
لكن كلما جاءت، لا تكمل لها الرواية حتى النهاية.
اسأل:
هل هناك شيء أستطيع فعله الآن؟
إن كان نعم:
افعله.
إن كان لا:
قل:
هذا من غد لا أملكه.
ثم سلّمه.
التوكل أحيانًا ليس شعورًا هائلًا.
بل قرار صغير يتكرر:
لن أكمل هذا السيناريو الآن.
سأفعل ما أستطيع.
والباقي ليس في يدي.
لا تخترع ضمانات باسم التوكل
وهنا نفهم معنى جميلًا:
التوكل ليس أن تضمَن الغد؛ بل ألا تجعل حاجتك إلى ضمان الغد أكبر من ثقتك بربه.
أنت تريد ضمانًا.
وهذا مفهوم.
لكن ربما لن يأتي.
لا أحد يستطيع أن يقول لك:
لن تمرض.
لن تفقد.
لن تضيق.
لن تتعب.
لن تتغير الخطط.
لكن هناك فرقًا بين:
لا أعرف ماذا سيحدث.
وبين:
أنا وحدي أمام ما سيحدث.
المؤمن يعيش الأولى.
ولا يلزمه أن يعيش الثانية.
قد يأتي الغد بشيء جميل.
وقد يأتي بشيء صعب.
وأنت لا تعلم.
لكن الإيمان لا يقول لك:
اختر الاحتمال الجميل وسمّه يقينًا.
بل يقول:
لا تجعل أي احتمال يصبح إلهًا في قلبك.
لا الجميل.
ولا المخيف.
كلاهما غيب.
وأنت عبد اليوم.
لذلك حين يخيفك رزق الغد، لا تقل:
أنا متأكد أن المال سيأتي بالطريقة التي أريدها.
لا تعلم.
قل:
سأسعى اليوم.
وأستعين بالله.
وحين تخاف نتيجة الفحص، لا تقل:
أكيد ستكون سليمة.
لا تعلم.
خذ السبب.
وادع.
وحين تخاف الفقد، لا تخترع وعدًا بأن أحدًا لن يرحل.
بل أحب من تحب.
وأحسن إليه.
واشكر الله عليه.
ولا تجعل خوف فقده يحرمك من وجوده اليوم.
التوكل ليس مصنعًا للجمل المطمئنة التي لا دليل عليها.
ليس:
سيحدث ما أريد.
بل أعمق:
أيًا كان ما سيحدث، لن أتعامل معه وكأن الله غائب عنه.
وهذا أكثر صدقًا.
وأكثر ثباتًا.
لأنه لا ينهار أول مرة يأتي فيها القدر على غير ما أحببت.
وحين يأتي الليل مرة أخرى…
وتبدأ:
ماذا لو؟
لا تحارب نفسك بعنف.
قل:
نعم، أنا أخاف هذا.
ثم اسأل:
هل حدث؟
لا.
هل عندي سبب آخذه الآن؟
خذه.
هل عندي دعاء؟
ادع.
هل أملك بقية الغد؟
لا.
إذن اترك لله ما هو لله.
قل:
يا رب، أنا لا أعرف ماذا ينتظرني.
وهذا يخيفني.
وأحيانًا أريد منك أن تكشف لي الغد كله حتى أطمئن.
لكنني أعرف أنك لم تعطِني علمه.
فلا تجعلني أبحث في الخوف عما لم تعطِني إياه من الغيب.
ولا تجعل الاحتمالات تحكم يومي.
ولا تجعلني أعبد الأسباب لأنني أريد الأمان.
ولا تجعل خوفي من الألم يتحول إلى سوء ظن بك.
يا رب، أعني أن أفعل ما أستطيع…
ثم أترك ما لا أستطيع بين يديك.
الميزان الأخير
وإذا بقي قلبك يرتجف بعد الدعاء…
فلا تقل فورًا:
إذن لم أتوكل.
ربما تحتاج إلى وقت.
وربما الخوف شديد.
وربما عليك أن تعالج سببًا عمليًا.
لكن التوكل لا يُقاس بنبضك وحده.
انظر إلى يدك:
بماذا تتمسك؟
وإلى قدمك:
إلى أين تمضي؟
وإلى قلبك:
من الذي تعطيه الحكم الأخير؟
قد تخاف من الغد…
وتتوكل.
قد تبكي من احتمال الفقد…
وتتوكل.
قد لا تعرف كيف ستجتاز ما أمامك…
وتتوكل.
وقد تقول بصوت مرتجف:
يا رب، أنا لا أعرف ماذا أفعل.
وهذه نفسها قد تكون من أصدق صور التوكل؛ لأنك لم تدّع القوة.
بل عرفت أين تضع ضعفك.
فلا تطلب من نفسك أن تكون بلا خوف.
اطلب منها ألا تجعل الخوف ربًا صغيرًا يخبرها بالغيب.
الخوف يقول:
قد يحدث ما يؤلمني.
فقل:
نعم، قد يحدث.
ثم إذا أراد أن يضيف:
وإذا حدث، انتهيت.
قل:
لا تعلم.
وإذا قال:
ولن أستطيع.
قل:
لا تعلم.
وإذا قال:
والله لن يعينني.
قل:
هذه ليست لك.
أنت تعرف الخطر.
ولا تعرف الله من خلال الخطر.
وهنا يعود كل شيء إلى حجمه.
الغد:
مجهول لك.
الخوف:
شعور.
الأسباب:
مطلوبة.
والله:
رب الغد والأسباب والقلب الذي يخاف.
فلا تجعل مجهولًا صغيرًا في علمك يصبح أكبر في قلبك من المعلوم الأعظم:
أن لك ربًا.
وحين تسأل:
يا رب… هل خوفي من الغد يعني أنني لا أتوكل عليك؟
لا تحكم على نفسك من مجرد ارتجافك.
اسأل بدلًا من ذلك:
ماذا أفعل حين أخاف؟
إن كنت ترجع إليه…
وتأخذ بالأسباب…
وتقاوم الحرام…
ولا تجعل الاحتمالات تنطق باسم الغيب…
وتحاول أن تسند ما لا تملكه إلى من يملكه…
فلا تجعل وجود الخوف وحده يمحو كل هذا.
وقد تكون جملة الليلة كلها:
لا أعرف ماذا سيحدث… لكنني لن أعيش وكأن الله خرج من القصة.
لا أعرف الغد.
ولا أملكه.
ولا أضمن أن يكون كما أحب.
لكنني لن أعطي خوفي علمًا لم يعطه الله له.
ولن أجعل جهلي بالغد حجة على رب الغد.
وسأفعل ما أستطيع اليوم.
ثم أقول:
يا رب…
أنا خائف، لكنني لن أجعل خوفي يتصرف كأنه يعرف الغد.
وأنا لا أعرف الغد، لكنني أعرف من يملكه.