حين تطلب الرضا من فهم الحكمة لا من التسليم للحكيم

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد لا يكون اعتراضك صريحًا.

لا تقول: يا رب، لا أرضى.

ولا تقول: هذا ليس عدلًا.

ولا تقول: كان ينبغي أن يحدث غير هذا.

لكن قلبك يقف عند الباب نفسه بطريقةٍ أهدأ:

أفهمني فقط.

أرني لماذا.

اكشف لي الحكمة.

اجعلني أرى المعنى حتى يهدأ صدري.

فإن لاح لك تفسيرٌ، لنتَ قليلًا.

وإن سمعت موعظة توافق ما حدث، اطمأننت.

وإن رأيت بعد مدة أن الباب الذي أُغلق صرف عنك شرًا، قلت: الآن فهمت.

لكن حين لا يظهر شيء.

حين يبقى الألم بلا تفسير واضح.

والتأخير بلا علامة مقنعة.

والمنع بلا بديل حاضر.

والفقد بلا حكمة تستطيع أن تمسكها بيدك.

يبدأ القلب يضطرب، لا لأنه ينكر أن الله حكيم، بل لأنه جعل راحته معلقة بأن يفهم هو شيئًا من الحكمة.

وهنا يظهر السؤال الأخطر:

هل رضيت لأنني عرفت الحكمة، أم لأنني سلّمت للحكيم؟

قال الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

البقرة: 216

الرضا بقضاء الله حين لا تفهم الحكمة وتسلم للحكيم

هذه الآية لا تمنع القلب أن يتألم.

ولا تطلب من العبد أن يتظاهر بأنه فهم كل شيء.

بل تضعه في موضعه الصحيح: أنت لا تعلم كل الخير حين تحبه، ولا كل الشر حين تكرهه، ولا كل الحكمة حين يضيق صدرك بما جرى.

والرضا لا يبدأ دائمًا من أن تفهم.

أحيانًا يبدأ من أن تعترف أنك لا تعلم، وأن الله يعلم.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

رضا التفسير

هناك رضا يمكن أن نسميه: رضا التفسير.

رضا لا يقف على التسليم، بل على وضوح المعنى.

إذا ظهرت الحكمة، هدأ.

إذا انكشف السبب، رضي.

إذا رأى العوض، قال: الحمد لله.

إذا فهم لماذا تأخر الباب، سكن.

لكن إن بقيت الحكمة مستورة، عاد القلب إلى التوتر.

وكأنه يقول: سأرضى، لكن بعد أن تشرح لي.

وهذا الرضا ضعيف؛ لأنه لا يستند إلى الله، بل إلى المعلومة التي فهمها عن فعل الله.

هو لا يطمئن إلى الحكيم ابتداءً، بل يطمئن إلى قدرته المحدودة على تفسير ما صنع الحكيم.

شابٌّ يُمنع من باب كان يظنه طريق نجاته، فيظل ينتظر أن يرى الباب الآخر حتى يقول: كان المنع خيرًا.

وامرأة تمر بابتلاء في بيتها أو مستقبلها، فلا يهدأ قلبها إلا إذا استطاعت أن تربط كل ألم بنتيجة مفهومة: هذه الكلمة علّمتني، وهذا التأخير أنضجني، وهذا الفقد أنقذني.

وطالب أو طالبة لا يقبلان تعثرًا إلا إذا ظهر سريعًا أنه كان سببًا لفتحٍ أكبر.

وصاحب رزق لا يرضى بتأخر المال إلا إذا جاءه بعده مال أكثر، فيقول: الآن عرفت لماذا تأخر.

لكن ماذا لو لم تفهم؟

ماذا لو بقي بعض البلاء بلا تفسير في عمرك كله؟

ماذا لو لم تعرف في الدنيا لماذا أُغلق ذلك الباب، أو لماذا تأخر ذلك الفرج، أو لماذا جاء ذلك الخذلان من ذلك الشخص، أو لماذا طال الطريق بعد أن بذلت كل ما تستطيع؟

هل سيتوقف رضاك عند حدود معرفتك؟

أم ستقول: لم أفهم، لكنني لا أتهم الحكيم؟

حين تتحول الحكمة إلى شرط

طلب الحكمة ليس مذمومًا في ذاته.

بل من رحمة الله أن يفتح لعبده أحيانًا شيئًا من المعنى، فيرى بعد حين أن ما كرهه كان سترًا، وأن ما فاته كان صرفًا، وأن ما تأخر كان تربية، وأن ما ظنه انكسارًا كان بداية نضج.

لكن الخلل يبدأ حين تتحول الحكمة إلى شرطٍ للرضا.

كأن القلب يقول: لن أطمئن حتى أعرف.

لن أسكت حتى أفهم.

لن أتوقف عن الدوران الداخلي حتى يظهر لي السبب.

وهنا تصبح الحكمة نفسها حجابًا، لا لأنها سيئة، بل لأن القلب جعلها مقدمة على التسليم لله.

تقرأ قصة موسى والخضر عليهما السلام، فتجد أن موسى عليه السلام لم يكن يرى الحكمة في اللحظة الأولى.

السفينة تُخرق.

والغلام يُقتل.

والجدار يُقام لقومٍ لم يضيفوهما.

ثم انكشفت الحكمة بعد ذلك بوحيٍ من الله.

لكن العبد في حياته لا تُكشف له كل الجدران، ولا كل السفن، ولا كل الأبواب.

قد يبقى أمام فعلٍ لا يفهمه.

وهنا يُمتحن الإيمان: هل يرضى لأن التفاصيل اتضحت، أم يسلم لأن الله حكيم وإن لم تتضح التفاصيل؟

لسنا أنبياء يوحى إلينا بتأويل كل ما يجري.

نحن عباد نرى قدرًا من المشهد، ويغيب عنا أكثره.

فإذا جعلنا الرضا مشروطًا بفهم التأويل، أرهقنا قلوبنا بما لم نُكلَّف به. وهذا قريب من معنى عدم فهم حكمة الله حين تتحول الحيرة من سؤال عابر إلى باب يهدد حسن الظن.

لماذا نطلب الفهم بهذا الإلحاح؟

لأن الفهم يعطينا شعورًا بالسيطرة.

إذا عرفت السبب، خفّ خوفي.

إذا ربطت الألم بحكمة، صار احتماله أسهل.

إذا استطعت أن أقول: حدث هذا لأجل كذا، شعرت أن الأرض لم تعد مائعة تحت قدمي.

وهذا طبيعي في جانب منه.

القلب يبحث عن معنى حتى لا ينهار.

لكن الخطر أن يصبح طلب المعنى بديلًا عن الثقة.

أحيانًا لا نريد الحكمة لنعرف فضل الله، بل لنطمئن إلى أن الألم لم يكن عبثًا.

وهذا حق من حيث الأصل؛ فأفعال الله منزهة عن العبث.

لكن لا يلزم أن ترى أنت وجه الحكمة حتى تثبت هذه الحقيقة.

قد لا تفهم، ومع ذلك لا يكون ما جرى عبثًا.

قد لا ترى، ومع ذلك لا يكون التدبير غائبًا.

قد لا تجد تفسيرًا يناسبك، ومع ذلك لا يكون الأمر خارج الرحمة والحكمة.

فحكمة الله لا تنتظر إذن فهمك حتى تكون حكمة.

ورحمة الله لا تصبح رحمة فقط حين تراها أنت.

ليس كل سؤال اعتراضًا

لا يعني هذا أن كل سؤال: لماذا؟ اعتراض.

ولا أن كل بحث عن الحكمة سوء أدب.

ولا أن القلب إذا طلب فهمًا فهو ناقص الإيمان بالضرورة.

الإنسان يتألم، ومن طبيعته أن يسأل، ومن رحمة الله أن يعلّم عباده بعض المعاني.

لكن هناك فرق بين سؤال المتعلم وسؤال المحاكم.

سؤال المتعلم يقول:

يا رب، علّمني ما ينفعني، وافتح لي من الفهم ما يثبت قلبي، ولا تجعل جهلي سببًا لسوء ظني بك.

أما سؤال المحاكم فيقول بلسان الحال:

لن أهدأ حتى أعرف لماذا فعلت بي هذا.

الأول عبودية.

والثاني مطالبة خفية.

الأول يطلب نورًا.

والثاني يشترط تفسيرًا.

الأول إذا لم يفهم قال: علم الله أوسع.

والثاني إذا لم يفهم قال: إذًا لا أستطيع أن أرضى.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يفتشه القلب.

ليست المشكلة أن تبحث عن معنى.

المشكلة أن تجعل المعنى الذي تدركه أنت هو الجسر الوحيد بينك وبين الرضا.

حين لا يكفيك ما انكشف

من غرائب النفس أنها إذا اعتادت الرضا بالتفسير، فلن يكفيها تفسير واحد.

كلما انكشفت حكمة، طلبت حكمة أخرى.

فهمت لماذا تأخر الباب، ثم سألت: ولماذا طال بهذا القدر؟

فهمت لماذا مُنعت من شخص، ثم سألت: ولماذا تعلق قلبي به أصلًا؟

فهمت لماذا خسرت شيئًا، ثم سألت: ولماذا لم يأتِ العوض سريعًا؟

فهمت درسًا في الصبر، ثم سألت: ولماذا أحتاج هذا الدرس بهذه القسوة؟

وهكذا يتحول الرضا إلى سلسلة لا تنتهي من المفاوضات.

كل جواب يفتح سؤالًا جديدًا.

لا لأن الأسئلة محرمة، بل لأن القلب لم يتعلم بعد أن يقف عند حد العبد.

العبد ليس مطالبًا أن يغلق كل ملف تفسيري في داخله.

مطالب أن يسلم لله فيما علم وفيما جهل.

فكم من أشياء لم نفهمها إلا بعد سنوات.

وكم من أشياء ظننا أننا فهمناها، ثم ظهر لنا أن فهمنا كان ناقصًا.

وكم من أشياء قد لا نفهمها في الدنيا أصلًا.

ولو توقف رضانا عند الفهم الكامل، لما سكنت قلوبنا أبدًا.

الرضا ليس إلغاء الألم

لا يعني التسليم للحكيم أن لا تتوجع.

ولا أن لا تبكي.

ولا أن لا تشعر بثقل المنع.

ولا أن تقول عن البلاء: لا يؤلمني، وهو يؤلمك.

ليس هذا رضا، بل قد يكون كذبًا على النفس.

الرضا أن لا يتحول الألم إلى اتهام.

أن تقول: أنا موجوع، لكنني لا أقول إن الله ظلمني.

أنا لا أفهم، لكنني لا أجعل جهلي حجة على التدبير.

أنا أتمنى الفرج، لكنني لا أشترط رؤية الحكمة حتى أحسن الظن.

أنا أطلب من الله أن يعلّمني، لكن إن بقي بعض المعنى مستورًا، فسأبقى عبدًا لا خصمًا.

هذا هو الميزان.

لا نجمّل الألم حتى نظلم صاحبه.

ولا نترك الألم يفسر لنا الله.

ولا نحرم القلب من طلب الفهم.

ولا نجعل الفهم شرطًا لعبودية القلب.

من أين يبدأ العلاج؟

ابدأ بتغيير الجملة الداخلية.

بدل أن تقول:

لن أرتاح حتى أفهم.

قل:

يا رب، إن فهمت فذلك فضل، وإن لم أفهم فحسب قلبي أنك الحكيم.

وبدل أن تقول:

ما الحكمة من كل هذا؟

قل أحيانًا:

ما واجبي في هذا الذي لا أفهمه؟

فالانشغال الدائم بالحكمة قد يعطّل الواجب.

قد تظل تسأل: لماذا حدث هذا؟

وتنسى أن عليك الآن أن تصلي، أو تسعى، أو ترد حقًا، أو تغلق باب ضرر، أو تطلب مشورة، أو تكف لسانك عن الاعتراض، أو تحفظ قلبك من سوء الظن.

ليس كل ما لا تفهمه يحتاج تفسيرًا قبل العمل.

أحيانًا يكفي أن تعرف واجبك في اللحظة.

ثم درّب قلبك على الرضا الجزئي الصادق.

لا تقل: أنا راضٍ تمامًا، وأنت تعلم أنك تتكسر من الداخل.

قل:

يا رب، أنا لا أملك الرضا الكامل، لكنني لا أريد الاعتراض.

يا رب، أعنّي على التسليم.

يا رب، قلبي يتألم، فلا تجعل الألم حاكمًا على ظني بك.

ثم اجعل لك عبادة في منطقة الجهل.

ادعُ وأنت لا تفهم.

اسجد وأنت لا ترى الحكمة.

استغفر لا لأنك عرفت لماذا حدث كل شيء، بل لأنك عبد محتاج في كل حال.

تصدق ولو لم ترَ عائدًا سريعًا.

قل: الحمد لله، لا بمعنى أن الألم سهل، بل بمعنى أن رب الألم والحكمة والفرج هو الله.

هذه العبادات في منطقة الغموض تربي القلب على التسليم للحكيم لا على انتظار شرح الحكمة.

حين يصبح اسم الله الحكيم كافيًا

العبد لا يتعبد إلى “الحكمة” مجردة.

بل يتعبد إلى الله الحكيم.

وهذا فرق عظيم.

فالحكمة التي تفهمها قد تسكنك.

لكن اسم الله الحكيم يثبتك حتى حين لا تفهم.

الحكمة التي تظهر لك قد تكون ضيقة بقدر إدراكك.

أما حكمة الله فواسعة بقدر علمه سبحانه.

إذا قلت: لا أرضى حتى أفهم الحكمة، فقد جعلت باب الرضا في حدود عقلك.

وإذا قلت: أرضى لأن ربي حكيم، فقد أخرجت قلبك من ضيق فهمك إلى سعة علم الله، وهذا من تمام حسن الظن بالله حين لا تتحسن الظروف ولا تنكشف التفاصيل كما تريد.

وليس معنى ذلك أنك بلغت الرضا الكامل بمجرد قولها.

لكنها بداية الاتجاه الصحيح.

كلما ضاق قلبك بسؤال: لماذا؟

أعده إلى سؤال أرفع:

من الذي قدّر؟

فإذا كان الذي قدّر هو الله الحكيم العليم الرحيم، فليس كل ما جهلتَه شرًا، وليس كل ما كرهتَه خذلانًا، وليس كل ما تأخر عنك إهمالًا، وليس كل ما أُغلق دونك نهاية.


اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

الرضا الذي ينتظر فهم الحكمة يبقى قلقًا؛ أما الرضا الذي يستند إلى الحكيم فيجد موضعًا يقف عليه ولو بقيت الحكمة مستورة.

هذه هي الجملة التي يحتاجها القلب.

لا تجعل فهمك الصغير شرطًا للسكينة.

ولا تجعل غياب التفسير شاهدًا ضد التدبير.

ولا تجعل كلمة “لا أفهم” تتحول إلى “لا أثق”.

قل: لا أفهم، لكن الله يعلم.

لا أرى، لكن الله يرى.

لا أملك التأويل، لكنني أعرف اسم الحكيم.

لا أستطيع أن أجمع أطراف القصة، لكنني لست مطالبًا أن أكون ربّ القصة.

أنا عبد.

أسأل، وأتعلم، وأتألم، وأسعى، وأدعو.

لكنني لا أجعل رضاي رهينة لتفسيرٍ قد يظهر أو لا يظهر.

اللهم ارزقنا رضًا لا ينتظر انكشاف كل حكمة، وتسليمًا لا ينهار عند غياب التفسير.

اللهم إن أريتنا بعض المعنى فاجعله باب شكر، وإن سترت عنا الحكمة فاجعل اسمك الحكيم كافيًا لقلوبنا.

اللهم لا تجعل جهلنا بما تدبر سببًا لسوء ظننا بك، ولا تجعل حاجتنا إلى الفهم أعظم من حاجتنا إلى التسليم لك.

اللهم علّم قلوبنا أن ترضى بك قبل أن تفهم عنك، وأن تسكن إلى حكمتك وإن بقيت التفاصيل في علمك وحدك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0