لم يعودوا يحتاجون إليك… فهل ضاع أثر إحسانك؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كنت تدعو أن يخرج من ضيقته، ثم حين اتسعت حياته وقلّت رسائله، وجدت في قلبك حزنا لم تتوقعه. فرحت له… لكنك ربما افتقدت المكان الذي كانت تمنحك إياه حاجته إليك.

كان يعود إليك كلما خاف، ويحكي لك ما لا يقوله لغيرك. وكنت تمنحه من وقتك وطمأنينتك، وربما بقيت تفكر في وجعه بعدما انتهى الحديث ونام هو.

ثم بدأت أحواله تستقر. صار حديثه أخف، وأيامه أوسع، ولم يعد يحتاج إلى تلك المحادثات الطويلة.

كرسيان فارغان في غرفة هادئة عند الغروب يرمزان إلى بقاء أثر الإحسان بعد أن يقل احتياج الناس إليك
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هل ضاع أثر إحسانك حين قل احتياجهم إليك؟

وفي لحظة صادقة مع نفسك، قلت:

«الحمد لله أنه بخير… لكن هل نسي كل ما فعلته معه؟»

قد يكون في سؤالك ألم حقيقي من قلة الوفاء. وقد يكون معه شيء أدق: أنك لم تعد ترى أثر ما قدمت، لأنك اعتدت أن تراه في رجوعه إليك، لا في قدرته على المضي.

وهنا قد تختلط على القلب حاجتان: أن ينفع من يحب، وأن يبقى ضروريا في حياته.

ليس هذا حكما على إخلاصك. الإنسان يحب أن يشعر أن وجوده فارق، وأن تعبه لم يمر كأنه لم يكن. لكن هذه الحاجة قد تصبح ميزانا يظلم به إحسانه؛ فلا يصدق أنه ترك خيرا إلا إذا ظل أحد يطلبه، أو يشكره، أو يعيد عليه حكاية ما صنع.

ثم تأتي الآية لتوسع نظره إلى ما يتجاوز المشهد الذي يراه:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].

فالله يكتب أعمال العباد، ويكتب ما نشأ عنها من آثار الخير والشر التي كانوا سببا فيها، في حياتهم وبعد موتهم. فلا يقتصر المكتوب على الفعل الذي باشره صاحبه، بل يشمل ما ترتب عليه من آثار؛ فلا ينحصر فيما حضره الإنسان أو عرف امتداده. تفسير السعدي للآية.

تأمل هذا وأنت تقيس ما فعلت بعدد المرات التي عاد فيها الناس إليك.

حين تكون قلة الرجوع ثمرة لما قدمت

قد تعلم إنسانا أمرا، فيكرره محتاجا إلى مساعدتك، ثم يتقنه حتى يؤديه وحده. في البداية كان يسألك كل يوم، واليوم يمضي الأسبوع دون سؤال. قلة رجوعه هنا قد تكون ثمرة التعليم نفسه. لقد صار يحمل شيئا مما علمته، حتى حين لا تكون حاضرا.

وفي المواساة قد يحدث شيء يشبه ذلك: تمنح إنسانا، بإذن الله، ما يعينه على احتمال أيامه؛ فيصبح أقدر على عيشها، وأقل حاجة إلى أن يشرح لك كل ما يؤلمه.

ليس كل ابتعاد دليلا على هذا المعنى، ولا نستطيع أن نحيط بما بقي في إنسان أو بما غيّرت فيه كلمة بعينها. لكننا نستطيع أن نكف عن الجزم بالنقيض: أن قلة الاحتياج تعني قلة الأثر.

قد ينتهي احتياجهم إليك، ويبقى فيهم خير كنت سببا فيه.

والموضع الذي يحتاج إلى رفق ومراجعة في قلبك هو تلك اللحظة التي تقول فيها: «لم أعد مهما»، لمجرد أنك لم تعد مطلوبا كما كنت.

فقد تقرأ انتهاء دور ظاهر كأنه إلغاء لما سبقه. وتبحث عن قيمة الأمس في رسائل اليوم. فإذا قلّت الرسائل، أعدت الحكم على تعبك كله: «كأنني لم أفعل شيئا».

لكن ما وقع من إحسان لا يصبح عدما لأن صاحبه لم يعد يتحدث عنه. وما علمه الله من نيتك وبذلك لا يحتاج إلى ذاكرة إنسان تحرسه من النسيان.

احفظ حقك من غير أن تهدم معنى إحسانك

ومع ذلك، لا يلزمك أن تسمي الجفاء نضجا، أو الاستغلال حاجة عابرة. للصحبة حق، وللمعروف شكر، ومن حقك أن يؤلمك أن يتذكرك أحد عند ضيقته ثم يعرض عنك عند حاجتك. تستطيع أن تعرف الخلل، وأن تحفظ حدودك، من غير أن تحكم على الخير الذي قدمته بأنه ضاع.

هناك فرق بين أن تقول: «هذه العلاقة تؤذيني، وأحتاج إلى تغييرها»، وأن تقول: «كل ما فعلته لم تكن له قيمة».

الأولى قراءة لعلاقة تحتاج إلى مراجعة. والثانية حكم على عمل وآثار لا تحيط بها.

لا تستدع ضعفهم كي تشعر بأهميتك

ثم انظر إلى ما قد تفعله بك محاولة استعادة مكانك القديم. ربما هممت أن تذكره بتلك الليالي، أو أن تقول في وسط فرحته: «أين كنت ستصبح لولاي؟» كأن عليك أن تعيده قليلا إلى ضعفه حتى يطمئن قلبك إلى أهميتك.

توقف عند هذا الاحتياج برحمة، قبل أن يتحول إلى منّ يؤذيه ويؤذيك.

قل لله ما يصعب عليك أن تقوله للناس: «يا رب، يؤلمني أن أُنسى، وأنت تعلم ما بذلت. أصلح قصدي، ولا تجعل حاجتي إلى التقدير تفسد إحساني».

وحين يبلغك أنه بخير، دع فرحته تكون فرحة. لا تطلب منها في كل مرة أن تحمل شهادة باسمك. وإن افتقدت صحبته، فقل ببساطة: «اشتقت إليك». تستطيع أن تطلب قربا إنسانيا صادقا، من غير أن تستدعي حاجته القديمة لتضمن بقاءه.

ولعل هذا من أصعب ما نتعلمه في الإحسان: أن نحب للخير أن يستمر، حتى حين لا يعود يمنحنا المكان نفسه.

لا تحيط بما بلغ إليه ما قدمت، ولا بمقدار ما بقي منه. وتلك مساحة تتركها لعلم الله وعدله وفضله، وأنت تسأله القبول.

وحين تسمع أنه صار أقدر على الحياة، يمكنك أن تقول بقلب يتعلم السكينة:

الحمد لله أنه بخير.

يا رب، تقبل ما كان مني، وبارك له في الخير، ولو لم يبلغني خبره.
```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0