أحيانًا لا تكذب على نفسك.
لا تقول إن شيئًا لم يحدث وهو قد حدث. ولا تخترع قصة من العدم.
أنت تفعل شيئًا أدق من الكذب:
تعيد ترتيب الإضاءة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
كيف تعيد النفس كتابة القصة لتبقى بريئة؟
تسلّطها على ما فعله الآخر بك، وتترك ما فعلته أنت في الظل.
تتذكر ضغطك جيدًا، وتنسى اللحظة التي كان لا يزال فيها أمامك اختيار. تتذكر الكلمة التي جرحتك، ولا تتوقف طويلًا عند الكلمة التي تعمدت أنت أن تجرح بها.
تتذكر أنك خفت، ولا تتذكر بالوضوح نفسه أنك عرفت الحقيقة ثم أخفيتها.
تتذكر ظلمهم.
لكن القصة تنتهي دائمًا قبل المشهد الذي انتقلت فيه من رد الظلم إلى ظلم جديد خرج منك أنت.
لا شيء في الرواية مختلق تمامًا. كل ما فيها حدث. لكن ليس كل ما حدث موجودًا فيها.
وهنا تبدأ واحدة من أخفى حيل النفس:
أن تصنع من الحقائق الجزئية قصة كاملة تخرج منها بريئًا.
حين تعترف بالخطأ وتبقى بريئًا في روايتك
ولهذا قد يعيش الإنسان زمنًا وهو يظن أنه يعرف خطأه، بينما هو لا يعرف إلا النسخة التي سمح لنفسه أن يتذكرها منه.
يعترف بأنه أخطأ، نعم.
لكن اعترافه يأتي محاطًا بعشرات الهوامش:
كنت متعبًا.
استفزني.
كنت خائفًا.
لو لم يفعل كذا لما فعلت كذا.
حتى يصبح الذنب حاضرًا في الجملة، غائبًا عن معناها.
كأن النفس تقول:
نعم، فعلت.
لكن لا تنظر إليّ كما لو أنني أنا الذي فعلت.
وهنا قد يصبح دفاع الإنسان عن نفسه أخفى من إنكار الذنب نفسه.
لأن من ينكر قد يعرف في داخله أنه يهرب.
أما من أعاد ترتيب القصة جيدًا، فقد يصل إلى مرحلة لا يعود يرى المشهد الذي هرب منه أصلًا.
لماذا نبرر أخطاءنا بسبب ظلم الآخرين؟
وفي مشهد انكشاف الإنسان أمام الله يقول سبحانه:
﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَو أَلقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
[القيامة: 14-15]
ليست المشكلة أن كل عذر كذب.
فقد تكون هناك ظروف حقيقية. وقد تكون قد ظُلمت فعلًا. وقد تكون مضغوطًا، مجروحًا، خائفًا، مستفزًا.
لكن وجود ما يفسر تصرفك لا يعني بالضرورة أنه يعفيك منه.
وهذه من أصعب الجمل على النفس.
لأننا نحب أن نفهم أنفسنا، وهذا حق.
لكننا أحيانًا نستخدم الفهم بطريقة أخرى:
لا لنرى الحقيقة كاملة، بل لنجعلها أقل إيلامًا على صورتنا عن أنفسنا.
وهكذا يتحول السؤال من:
ماذا فعلت؟
إلى:
لماذا كان طبيعيًا أن أفعل ما فعلت؟
وهنا تتغير وظيفة القصة.
لم تعد تساعدك على فهم نفسك.
صارت تساعدك على ألا تراها.
يمكن أن تكون مظلومًا ومخطئًا في الوقت نفسه
والتوبة لا تطلب منك أن تكره نفسك.
ولا أن تمحو ما فعله الآخرون بك.
ولا أن تحمل نفسك ذنبًا لم ترتكبه.
بل تطلب منك شيئًا أصعب وأكثر عدلًا:
أن تعيد كل شخص إلى موضعه الصحيح في القصة.
ما فعله بك الآخر يبقى عليه.
وما فعلته أنت يبقى عليك.
لا يمحو أحدهما الآخر.
يمكن أن تكون مظلومًا في أول المشهد، ومخطئًا في آخره.
يمكن أن يكون جرحك حقيقيًا، وردك عليه ذنبًا حقيقيًا أيضًا.
يمكن أن تحتاج إلى المواساة على ما أصابك، وإلى التوبة مما صدر منك، في الوقت نفسه.
والنفس تقاوم هذا؛ لأنها تحب الهوية البسيطة:
إما ضحية تمامًا.
وإما مذنبًا تمامًا.
أما أن تكون مجروحًا ومسؤولًا عن اختيارك في آن واحد، فهذا أشد على النفس.
لكنه أعدل.
ولهذا يأمر الله بالعدل حتى حين تقف النفس في الجهة التي لا تحبها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم﴾
[النساء: 135]
أن تكون شاهدًا على نفسك لا يعني أن تظلمها.
بل ألا تجعل محبتك لها تحذف ما لا يعجبك من شهادتها.
أن تقول:
نعم، كنت موجوعًا.
ونعم، أخطأت.
نعم، ما حدث لي كان قاسيًا.
لكن قسوته لا تجعل كل ما خرج مني بعده صحيحًا.
نعم، لديّ ما يفسر.
لكن ليس كل ما يفسر… يعذر.
التوبة تبدأ حين تعود الحقيقة إلى القصة
وهنا تبدأ التوبة من مكان أعمق من مجرد القدرة على نطق كلمة «أستغفر الله».
تبدأ حين تسمح للحقيقة أن تعود إلى القصة.
حين تسترجع المشهد الذي كنت تختصره.
حين تسمي الشيء باسمه دون أن تسحق نفسك به.
حين تقول:
هذه الكلمة لم تخرج مني مصادفة.
كنت أعرف أنها ستؤذي.
وهذه الحقيقة لم أخفها لأنني نسيتها.
كنت أخشى نتيجتها.
وهذا الحق لم أتجاوزه لأنني لم أره.
رأيته… ثم اخترت ما أردته أنا.
مؤلم أن ترى ذلك.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين الألم الذي يصنعه الصدق، والألم الذي يصنعه الهرب.
الأول قد يفتح لك باب الرجوع.
أما الثاني فقد يبقي الذنب حيًا خلف قصة بريئة.
ولا تخف من أن تسقط صورتك المثالية أمام نفسك إذا صدقت.
أنت لا تدخل على الله بصورة مثالية.
أنت تدخل عليه عبدًا.
والعبد لا يحتاج أن يثبت أنه لم يخطئ كي يتوب.
بل يحتاج أن يصدق في رجوعه، وألا يجعل أعذاره ستارًا يمنعه من رؤية ما يحتاج إلى التوبة منه.
لا تكن محاميًا عن نفسك
فلا تكن محاميًا عن نفسك أمام من يعلم السر وأخفى.
كن صادقًا.
ليس لأن الله يحتاج منك أن تخبره بما حدث.
بل لأن قلبك يحتاج أن يرى ما حدث حتى يعرف ممّ يتوب.
وقد تكون أخطر مسافة بينك وبين التوبة ليست ذنبًا تنكره.
بل ذنبًا تعترف به بعد أن حذفت منه المشهد الذي يكشف مسؤوليتك.
فأعد المشهد.
بل لكي تنقذها من النسخة المعدلة من قصتها.
ولا تقل:
أنا بريء.
ولا تقل:
أنا هالك.
قل فقط:
يا رب، هذا ما كان.
وهذا ما فعلت.
وأنت أعلم بضعفي وظروفي.
وهذا ذنبي الذي لا أريد أن أخفيه خلفها.
ثم قف بين يديه كما أنت.
فالتوبة لا تبدأ حين تجد رواية تستطيع العيش معها.
التوبة تبدأ حين تعيد إلى القصة المشهد الذي كانت براءتك تحتاج إلى حذفه.