حين لا يبقى لك إلا الله: لماذا لا يعني غياب الطريق غياب الفرج؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ربما لا يكون أصعب ما في سقوط الأسباب أنك فقدت ما كان ينفعك. ربما الأصعب أنك فقدت الطريقة التي كنت تعرف بها كيف سيأتيك النفع.

كان المال أمامك، فكنت تعرف كيف ستدفع. وكان الشخص قريبًا، فكنت تعرف بمن ستستعين. وكان الطبيب يقول: بقي هذا العلاج، فكان للخوف اسمٌ يقابله شيء يمكن فعله.

وكانت هناك جهة تنتظر ردها، أو وظيفة يدخل منها راتبك، أو خطة يمكنك أن تقول لنفسك: إذا حدث كذا، سأفعل كذا، ثم تمضي الأمور. لم تكن تملك الغد، لكنك كنت تملك تصورًا له.

ثم انهار التصور.

رجل يجلس أمام أفق واسع عند الغروب في صورة تعبّر عن معنى حين لا يبقى لك إلا الله وسقوط الأسباب دون سقوط التوكل

وهنا تقول:

لم يبق لي إلا الله.

وكأنك لا تصف فقط ما فقدته، بل تصف شيئًا أشد إيلامًا: لم أعد أعرف كيف يمكن أن يحدث شيء.

وهذه زاوية أخرى من جرح سقوط الأسباب.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يختفي «كيف» الذي اعتدت أن تطمئن إليه

فقد لا يكون قلبك يشك في أن الله قادر. قد تؤمن بذلك إيمانًا صادقًا. لكنك كنت مطمئنًا أكثر حين كانت قدرة الله تصل إليك عبر شيء تستطيع رؤيته، وحسابه، ومتابعته.

وحين اختفى ذلك الشيء، بقي الإيمان بالله… لكن اختفى الـ«كيف» الذي اعتدت أن تطمئن إليه.

وهنا يبدأ الامتحان الدقيق:

هل كنت مطمئنًا إلى الله… أم إلى معرفتك بالطريقة التي سيعينك الله بها؟

هل كنت مطمئنًا إلى الله أم إلى معرفتك بالطريقة؟

الفرق بينهما قد لا يظهر ما دامت الأمور تسير كما توقعت.

إذا كنت مريضًا وعندك دواء معروف، فأنت تدعو الله وتتناول الدواء. إذا كنت محتاجًا وعندك راتب منتظم، فأنت تقول: الرزق من الله، ثم تعرف تقريبًا في أي يوم سيدخل المال.

إذا وقعت في أزمة وهناك شخص اعتدت أن يتدخل، فأنت تستعين بالله، لكن في ذهنك وجه بشري تعرف كيف سيأتيك منه العون.

كل هذا مشروع. بل الأخذ بالأسباب من الدين والعقل.

لكن الأسباب تمنح النفس شيئًا زائدًا على منفعتها نفسها: تمنحها تفسيرًا مسبقًا لما سيحدث. وهذا التفسير مريح.

فالإنسان لا يحب الحاجة فقط إلى النجاة؛ يحب أن يعرف من أين ستأتي النجاة. لا يريد الرزق وحده؛ يريد أن يرى مصدره. ولا يريد حل المشكلة فقط؛ يريد أن يستطيع رسم خطوات الحل قبل أن يقع.

ولا يريد أن يقال له: الله قادر. يريد ـ من شدة خوفه ـ أن يسأل:

نعم، ولكن كيف؟

وهذا السؤال مفهوم.

المشكلة ليست في أن تبحث عن «كيف»، ولا في أن تتخذ سببًا. المشكلة تبدأ حين يتحول عجزك عن رؤية الكيفية إلى شعور بأن الإمكان نفسه قد نقص.

كأن المعادلة تصبح في قلبك:

كنت أرى حلًا، إذن كان هناك أمل.
لم أعد أرى حلًا، إذن لم يبق إلا الله.

تأمل العبارة الثانية.

كأن بقاء الله جاء بعد انتهاء الإمكانات، لا قبلها. مع أن الذي انتهى في الحقيقة قد يكون ما تعرفه أنت من الإمكانات.

وهذان شيئان مختلفان جدًا.

بين «لا أعرف كيف» و«إذن لا يوجد كيف»

حين وقف موسى عليه السلام ومن معه أمام البحر، ورأى أصحاب موسى البحر أمامهم والعدو خلفهم، قالوا:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].

وبحسب ما تراه العين، كان الكلام مفهومًا. البحر لا يُعبر، وفرعون يقترب. الأسباب المرئية تقول: انتهى المجال.

لكن موسى عليه السلام لم يكن يملك أمامهم جسرًا خفيًا، ولا سفنًا تنتظر، ولا جيشًا سيظهر من بعيد. قال:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

لم يكن معنى قوله أنه يعرف تفاصيل ما سيحدث. الآية التالية هي التي تخبرنا بما أمر الله به بعد ذلك.

وهنا موضع المعنى: الثقة بالله لم تكن مبنية على أن موسى يرى الوسيلة التي سيرتب الله بها النجاة، وإنما على أنه يعرف من معه وإن لم يكن قد رأى بعد ما سيقع.

وهذا من أصعب التحولات التي يحتاجها القلب عند سقوط الأسباب: أن يفصل بين جملتين ظلتا عنده متلاصقتين طويلًا:

«أنا لا أعرف كيف.»
و:
«إذن لا يوجد كيف.»

الأولى قد تكون حقيقة. والثانية ليست لك.

قد تصل فعلًا إلى لحظة لا تعرف فيها ماذا تفعل بعد أن بذلت ما تستطيع. لا تعرف من أين يأتي المال. لا تعرف كيف تصلح العلاقة. لا تعرف أين ستكون بعد أشهر.

لا تعرف هل ينجح العلاج. لا تعرف ما الذي سيحدث للشيء الذي تخشاه.

وهنا لا يحتاج الإيمان منك أن تخترع سيناريو ورديًا حتى تهدأ. ولا أن تقول: سيحدث حتمًا كذا. ولا أن تبحث عن «علامة» تقنعك بأن ما تتمناه قريب.

ربما لا تعرف.

ومن العبودية أن تعرف حدود معرفتك دون أن تجعلها حدودًا لقدرة الله.

التوكل والكفاية حين لا ترى الصورة القادمة

ولهذا كان من أعظم ما يعيد القلب إلى موضعه قول الله تعالى:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

التوكل هنا لا يلغي العمل. فالآيات والشريعة لا تبني إنسانًا متواكلًا ينتظر النتائج بلا سعي.

لكنه يصحح شيئًا أعمق: أن كفايتك لا تصبح باطلة حين تعجز أنت عن رؤية صورتها القادمة.

أنت مأمور أن تبحث عما تستطيع من الأسباب، لكنك لست مطالبًا بأن تعرف مسبقًا من أي واحد منها سيأتي ما كتبه الله لك.

وهذا يغيّر الطريقة التي تتعامل بها مع سقوط سبب.

حين يغلق باب كنت تعتمد عليه، يكون سؤالك الطبيعي:

ماذا أفعل الآن؟

وهذا سؤال صحيح. فتبحث، وتستشير، وتجرب سببًا مشروعًا آخر.

لكن خلف هذا السؤال قد يخرج سؤال مذعور:

ومن أين سيأتي الحل الآن؟

وهنا ذكّر نفسك:

لا أعلم.

ثم لا تضف بعدها جملة لم يأذن لك علمك بها.

لا تقل: إذن لن يأتي.

لا أعلم من أين سيأتي الرزق، لا تعني أنه لن يأتي. لا أعلم كيف أعبر هذه المرحلة، لا تعني أنه لا يمكن عبورها.

لا أعلم ما الذي سيكون بعد هذا الفقد، لا تعني أن حياتي قد انتهت عنده. لا أعلم كيف يدبر الله هذا الأمر، لا تعني أن تدبير الله متوقف على أن أفهمه أنا.

هذه ليست دعوة إلى التفاؤل الساذج.

فقد يبقى بعض ما فقدته مفقودًا. وقد لا تعود الحياة إلى الصورة التي كنت تريدها. وقد يكون أمامك بلاء حقيقي يحتاج إلى صبر وعمل طويل.

الإيمان لا يمنحك حق كتابة الغيب بصورة مريحة ثم تسميتها حسن ظن بالله.

لا تجعل جهلك بالغيب دليلًا ضد رب الغيب

لكنه يمنع شيئًا آخر:

أن تجعل جهلك بالغيب دليلًا ضد رب الغيب.

وهنا تعرف لماذا يبدو أحيانًا أن «الله وحده» قليل.

لأن الأسباب كانت تمنحك شيئًا تستطيع الإمساك به بعقلك: موعدًا. اسمًا. رقمًا. شخصًا. احتمالًا يمكن حسابه.

أما حين تسقط، فإنك تنتقل من الطمأنينة بما تعرفه إلى عبادة أشد افتقارًا: أن تعمل بما تستطيع، ثم تقف عند حدودك وتقول:

يا رب، أنا لا أرى.
لكن عدم رؤيتي لا ينقص ملكك.

أنا لا أعرف كيف.
لكن جهلي لا يعجز قدرتك.

أنا لا أملك النتيجة.
لكنها لم تكن يومًا في ملكي.

ومن هنا يبدأ علاج القلب.

لا تطلب من نفسك أن تتوقف عن البحث عن الأسباب. ابحث عنها.

لكن كلما اضطربت لأنك لم تجد بعد طريقة واضحة، افصل بين غياب الطريقة عن علمك وغياب القدرة عن الله.

الأولى قد تقع. أما الثانية فلا.

حين لا يبقى لك إلا الله

وحين تقول بعد ذلك:

«لم يبق لي إلا الله»…

فلا تقلها كما يقول من بقي أمامه آخر احتمال ضعيف.

قلها وأنت تعلم أنك قد فقدت القدرة على تفسير ما سيحدث، ولم تفقد ربَّ ما سيحدث.

قد لا يكون في يدك الآن جواب. وقد لا تكون أمام عينك وسيلة. وقد يكون الغد كله خارج قدرتك على الحساب.

لكن الله لم يكن يومًا محتاجًا إلى أن ترى أنت الكيفية حتى يجري أمره.

حين لا يبقى لك إلا الله، قد يكون الذي فقدته هو «كيف» التي كنت تعرفها… لا الكفاية التي كنت تحتاجها.

فلا تجعل عجزك عن رؤية ما بعد هذه اللحظة يجعلك تصغر ما بقي لك فيها.

لقد بقي لك من لا يحتاج إلى الطريق الذي تعرفه، ولا إلى السبب الذي سقط، ولا إلى التصور الذي انهار.

بقي الله.

وحين يكون الذي بقي هو ربُّ ما ترى وما لا ترى…

فلم يبق لك القليل.

تعليقات

عدد التعليقات : 0