ثمة خوف لا يأتيك بعد خبر سيئ، بل يأتيك في صباح عادي جدًا؛ حين تفتح عينيك، وتنظر إلى هاتفك، فتجد التاريخ قد تغيّر… بينما يبدو كل شيء في حياتك واقفًا في مكانه.
ليس لأن شيئًا جديدًا حدث، بل لأن لا شيء جديدًا يحدث.
تستيقظ في الموعد نفسه، وتدخل في التفاصيل نفسها، وتعود إلى السؤال نفسه الذي لم يجد جوابًا، وتنظر إلى الشيء الذي تمنيت أن يتغير فتجده في مكانه. يمر يوم، ثم آخر، ثم أسبوع، وربما زمن أطول… حتى لا يعود الذي يثقل قلبك هو يومك وحده.
يبدأ الغد بالدخول في ألمك قبل أن يصل. لا لأنه فعل شيئًا، بل لأنك أرسلته إلى قلبك محمّلًا بكل ما تخشاه.
تقول في داخلك: أعرف هذا المشهد. سأستيقظ غدًا، وستكون الأمور كما هي. ثم بعده يوم آخر. ثم آخر. وفجأة لا تعود متعبًا من هذا اليوم فقط؛ تحمل معه صباح الغد، وبعده، والأيام التي رسمها خوفك لك قبل أن تعشها.
وربما لا تكون خائفًا من الغد نفسه، بقدر ما أنت متعب من أن تضطر إلى البدء من جديد كل صباح. متعب من أن تجمع شتاتك، وتؤدي ما عليك، وتبدو أمام الناس بخير، بينما في داخلك سؤال واحد لا يهدأ:
إلى متى؟
وهذا لا يجعلك ضعيفًا، ولا سيئ الإيمان. يجعلك إنسانًا طال عليه الانتظار.
وهنا يتحول تشابه الأيام من واقع تعيشه… إلى حكم تصدره على مستقبلك.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يتحول التكرار إلى نبوءة
العقل يتعلم من التكرار. وهذا نافع في مواضع كثيرة؛ فمن الطبيعي أن تستفيد من التجربة، وأن تتوقع الاحتمالات، وأن ترتب أسبابك على ما تراه من الواقع.
لكن الألم الطويل قد يدفع النفس خطوة أبعد دون أن تنتبه.
ما تكرر بالأمس واليوم يصبح في داخلك دليلًا على ما سيقع غدًا، ثم يتحول الاحتمال إلى يقين نفسي، ثم يبدأ قلبك في التعامل مع سنوات لم تأتِ كأنها قد وقعت بالفعل.
وهكذا يصبح وجعك أكبر من حجمه الحقيقي.
أمامك في الواقع يوم واحد، لكنك تحمل معه عشرات النسخ التي صنعتها مخيلتك للمستقبل.
قد تجلس في نهاية يومك على طرف السرير، لا تملك طاقة للكلام، وتفكر: هل سأظل أعود إلى هذا التعب نفسه بعد عام؟ ثم لا يكون الذي أتعبك في تلك اللحظة هو يومك وحده، بل صورة أعوام كاملة رأيتها دفعة واحدة أمامك.
تتعب من عملك اليوم، ثم يضيف الخوف: وهكذا سأظل أعوامًا.
يتأخر أمر تتمناه، فيضيف: ولن يتغير شيء.
تعيش ظرفًا ثقيلًا، فيهمس: هذه هي حياتك من الآن فصاعدًا.
والجملة الأخيرة هي التي تستنزفك.
فقد يستطيع الإنسان أن يحتمل يومًا صعبًا، لكنه ينهار حين يطلب من نفسه أن يحتمل في اللحظة نفسها عمرًا كاملًا من الأيام الصعبة المتخيلة.
أنت لا تعيش ما يحدث فقط؛ قد تبدأ في معاناة ما تخشى أن يحدث أيضًا.
عندها قد تتسلل إلى داخلك جملة موجعة:
هم يعيشون… وأنا أنتظر أن أعيش.
لكنّك في الحقيقة لا تنتظر الحياة وحدها؛ أنت تنتظر إذنًا داخليًا بأن تسمح لنفسك أن تعيش قبل أن تتغير كل الظروف.
الغد ليس ملكًا لخوفك
حين يعجز قلبك عن معرفة ما ينتظره، قد يحاول أن يصنع لنفسه يقينًا، ولو كان يقينًا مؤلمًا. لكنه ليس مطالبًا بأن يعرف الغد حتى يطمئن؛ لأن الغد ليس في يده أصلًا.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾
[لقمان: 34]
تأمل دقة المعنى.
الآية لا تقول لك إن الغد سيأتي حتمًا بالصورة التي تريدها، ولا تعطيك وعدًا شخصيًا بأن ظرفًا بعينه سينتهي غدًا أو قريبًا. إنها تقرر شيئًا أعمق وأكثر أمانًا:
أنت لا تعلم الغد.
وهذا الذي يبدو للوهلة الأولى نقصًا في الطمأنينة، قد يكون بابًا من أبوابها.
لأن خوفك حين يقول لك: سيبقى كل شيء هكذا، لا يملك دليلًا على هذه الجملة. هو يأخذ ما يعرفه من الأمس، ثم يمده داخل مساحة لم يُكشف لك منها شيء.
ولعل ما يحتاجه قلبك هنا ليس أن ينكر خوفه، بل أن يتعلم ألا يسلّمه مفاتيح الغد.
والمشكلة ليست في أن تستعد لاحتمال استمرار ظرفك؛ فالحكمة قد تقتضي أن تخطط، وأن تبحث عن سبب، وأن تغير ما تستطيع، وأن تتعامل بواقعية مع المعطيات.
المشكلة أن يتحول الاستعداد لاحتمال إلى استسلام أمام مستقبل متوهَّم.
أن تنظر إلى الباب قبل أن تصل إليه، وتقرر أنه مغلق.
أن تحزن على سنوات لم تأتِ.
أن تفقد قدرتك على السعي اليوم لأنك أقنعت نفسك مسبقًا بأن كل غدٍ لن يكون إلا إعادةً لما مضى.
ولعل ما يحتاج قلبك إلى التحرر منه ليس الواقعية، بل تحويل الواقعية إلى ادعاء معرفة بالمستقبل.
وماذا لو جاء الغد شبيهًا باليوم؟
وهنا الاعتراض الذي لا ينبغي الهروب منه:
ماذا لو جاء الغد فعلًا ولم يتغير شيء؟
ماذا لو استيقظت ووجدت الظرف نفسه، والانتظار نفسه، والعمل نفسه، وربما الألم نفسه؟
فليكن جوابك منضبطًا، ورحيمًا بنفسك:
حين يأتي ذلك اليوم، ستعيشه يومًا واحدًا.
لن يكون مطلوبًا منك اليوم أن تعيش ألمه مقدمًا.
وإذا جاء اليوم الذي بعده، فسيكون له تكليفه وأسبابه وقوته التي يقدّرها الله لك فيه. أما أن تجمع على قلبك الآن ثقل هذا اليوم وثقل مئة يوم لم تصل، فليس هذا استعدادًا للمستقبل؛ إنه استنزاف للحاضر.
ولهذا قد يكون من أرحم ما تفعله بنفسك أن تتوقف كلما سمعت تلك العبارة الداخلية:
ستظل حياتي هكذا.
ثم تعيدها إلى حجمها الصحيح:
هذا ما أعيشه الآن… وليس ما أعلمه عن بقية عمري.
قد يبدو الفرق لغويًا صغيرًا، لكنه نفسيًا وإيمانيًا هائل.
لأن العبارة الأولى تغلق العمر كله، أما الثانية فتعترف بالألم دون أن تجعل منه نبوءة.
لا بأس أن تسمع خوفك، لكن لا تسلّمه حق كتابة بقية قصتك.
لا تنتظر حياةً مختلفة كي تعود إلى الحياة
وهناك خسارة أخرى قد يصنعها الخوف من تشابه الغد: أن تؤجل ما بقي ممكنًا في يومك حتى تتغير الصورة الكبيرة.
تقول: عندما يتغير هذا الظرف سأرتاح. عندما ينتهي هذا الانتظار سأبدأ. عندما تتبدل حياتي سأعود إلى نفسي.
ثم يمضي اليوم الذي بين يديك لأنه لم يكن بالصورة التي تمنيتها.
وهكذا لا يعود التكرار وحده هو الذي يسلب منك الأيام؛ بل انتظارك ليوم مختلف قد يسلب منك أيضًا ما كان ممكنًا داخل الأيام المتشابهة.
وليس معنى ذلك أن ترضى بكل واقع مؤذٍ، أو تتوقف عن محاولة تغييره، أو تسمي العجز رضا. إن كان هناك سبب مشروع تستطيع أخذه فخذه، وإن استطعت إصلاح شيء فأصلحه، وإن احتجت إلى طلب مساعدة فاطلبها.
اسعَ إلى تغيير يومك، لكن لا تقل لقلبك: لن أعيش حتى يتغير. خذ بالأسباب، واطلب المساعدة، وأصلح ما تستطيع، لكن لا تجعل قدرتك على الحياة معلقة على نتيجة لا تملك توقيتها.
فالأخذ بالأسباب لا يعني أن تؤجل حياتك حتى تظهر النتيجة.
ربما لا تملك اليوم حلًا كاملًا، لكنك تملك شيئًا صغيرًا لا يزال ممكنًا: صلاة تؤديها ولو كان قلبك مثقلًا، سببًا تأخذه ولو لم تضمن نتيجته، عملًا تنجزه، جسدًا تمنحه بعض الراحة، علاقة تصلح منها ما تستطيع، ودعاءً ترفعه دون أن تعرف متى تأتي الإجابة.
لا تحتقر هذه الأشياء لأنها لا تشبه التغيير الكبير الذي تنتظره. أحيانًا تكون هذه الخطوات الصغيرة هي الطريقة التي تنقذ بها ما تبقى منك أثناء الانتظار.
هذه ليست بدائل صغيرة عن «الحياة الحقيقية».
هذه هي حياتك الآن.
حين لا تحتاج إلى معرفة الغد
لست مطالبًا أن تستيقظ كل صباح مقتنعًا بأن شيئًا استثنائيًا سيحدث.
ولست مطالبًا أن تنكر أن التكرار يؤلمك.
ولست ضعيف الإيمان لأنك تتمنى أن يتغير المشهد، أو لأن امتداده أخافك.
لكن لا تسلّم خوفك حق كتابة بقية عمرك.
دعه يقول: قد يشبه الغد اليوم.
ولا تسمح له أن يقول: إذن سيبقى العمر كله هكذا.
فبين العبارتين مساحة واسعة يعيش فيها الإيمان، والسعي، والدعاء، والاحتمال، وكل الأشياء التي لم تأتِ بعد.
وحسن الظن بالله ليس أن تكتب للغد سيناريو جميلًا ثم تسميه يقينًا؛ بل أن تعلم أن الغد في علم الله، وأنك لا تحتاج إلى امتلاك تفاصيله حتى تستند إلى ربك اليوم.
ربما يتغير المشهد.
وربما يستمر بعضه.
لكن ما لا يحق للخوف أن يفعله هو أن يأخذ أيامًا متشابهة من ماضيك، ثم يوقع بها حكمًا على بقية عمرك.
فإذا جاءك غدٌ يشبه اليوم، فلا تجعله شاهدًا على كل ما بعده.
عشه كما جاء.
خذ سببه.
أدِّ ما عليك فيه.
واستعن بالله على ثقله.
ثم اترك الغد الذي بعده حيث وضعه الله: في الغيب، لا في يد خوفك.
فإذا تغيّر التاريخ غدًا، ولم تتغير كل الأشياء، فلا تقل: ها هو اليوم يعيد نفسه.
قل: جاءني يوم آخر، ولم يُطلب مني أن أعيش عمري كله فيه.
سأعيش هذا اليوم بما فيه، وآخذ سببه، وأترك ما بعده لله.
فليس كل غدٍ يشبه اليوم نسخةً من حياتك؛ أحيانًا يكون فرصةً لأن تدخل المشهد نفسه بقلب لم يعد يصدّق أن المشهد هو قدَره الأخير.
ما تكرر هو ما مضى؛ أمّا ما لم يأتِ بعد، فلا تحوّله إلى ذكرى قبل أن يصبح واقعًا.