أشدُّ ما يصنعه الذنب بالقلب ليس دائمًا وقوعه.
بل ما يتركه بعده.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
هل يغفر الله الكبائر بعد تكرار الذنب؟
قد تنقضي المعصية في لحظة.
ويبقى صداها أعوامًا.
ويبقى في القلب صوت لا يفتأ يقول:
أنت تعرف ما فعلت.
تعرف كم مرة وعدت.
وكم مرة ندمت.
وكم مرة بكيت.
ثم عدت.
وفي أول الأمر يكون هذا ندمًا.
والندم حياة.
لكن الشيطان لا يريد له أن يبقى ندمًا.
يريد أن ينقله من موضعه.
من:
أذنبت.
إلى:
هلكت.ومن:
قصّرت.
إلى:
حُرمت.ومن:
أنا خائف من ذنبي.
إلى:
أنا بعيد عن رحمة الله.
وهنا يبدأ الجرح الحقيقي.
لأنك لم تعد تصف فعلك.
بل بدأت تصدر حكمًا على ربك.
لا تجعل علمك بذنوبك جهلًا بربك
نعم.
أنت تعرف ذنبك.
ولكن هل عرفت رحمة الله كلها؟
تعرف ما صنعت يداك.
ولكن هل عرفت ما يصنعه العفو؟
تعرف كم مرة سقطت.
ولكن هل عرفت ما تفعله توبة واحدة صدقت فيها مع الله؟
تعرف ما يؤلمك في صحيفتك.
ولكنك لا تعرف ما محا الله منها.
ولا ما قبل.
ولا ما ستر.
ولا ما رفع.
ولا ما ادخر.
فلا تجعل علمك بذنوبك جهلًا بربك.
ولا تجعل قبح ماضيك ميزانًا تزن به سعة المغفرة.
«لَا تَقْنَطُوا»: النداء الذي جاء للمسرفين
إن الله سبحانه لم ينادِ عباده الذين لم يذنبوا.
بل قال:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
الزمر: 53
تأمل الكلمة:
﴿أَسْرَفُوا﴾.
لم يقل:
أخطؤوا.
ولا:
زلّوا مرة.
بل:
أسرفوا.
جاوزوا الحد.
أثقلوا الصحائف.
وأتعبوا قلوبهم.
ومع ذلك لم يقل لهم:
ابتعدوا.
بل قال:
﴿لَا تَقْنَطُوا﴾.
كأن أول ما يجب إنقاذه بعد الذنب ليس صورتك أمام نفسك.
بل ظنك بالله.
فالذنب يُخاف.
نعم.
ويُبكى منه.
ويُتاب منه.
ويُفرّ منه.
لكن لا يُجعل إلهًا جديدًا يقرر لك من يرحم الله ومن لا يرحم.
أنت مذنب؟
نعم.
لكن من قال إن المذنب لا يعود؟
أنت مفرط؟
نعم.
لكن من قال إن الإفراط أغلق الباب؟
أنت كسرت عهدًا مع نفسك؟
نعم.
لكن من قال إن باب الله يُغلق لأنك ضعفت؟
فرق هائل بين أن تقول:
لا أرى في نفسي ما أستحق به المغفرة.
وبين أن تقول:
لن يغفر الله لي.
الأولى افتقار.
والثانية حكم على الغيب لم يأذن لك الله به.
ومن أنت حتى تعرف نهاية الرحمة؟
ومن أنت حتى تضع حدًا للمغفرة؟
ومن أخبرك أن ذنبًا أفزعك قد أعجز رب العالمين عن العفو؟
إن الذي أمرك أن تخاف ذنبك هو نفسه الذي نهاك أن تقنط.
فلا تأخذ نصف الدين وتترك نصفه.
لا تقل:
أنا أخاف.
ثم تنسى:
أنا أرجو.
ولا تقل:
ذنبي عظيم.
وتنسى:
ربي أعظم.
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»
ثم يأتيك الحديث فيضرب على موضع الجرح مباشرة:
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
لأهل الكبائر.
تأملها.
لا تمر عليها سريعًا.
لأن القلب المذنب له حيلة عجيبة.
يسمع عن الرحمة فيقول:
لغيري.
يسمع عن المغفرة فيقول:
لمن هم خير مني.
يسمع عن الرجاء فيقول:
لكنكم لا تعرفون ما فعلت.
وكأن ذنبه صار استثناءً من كل نص.
وكأن رحمات الله واسعة لكل أحد إلا هو.
فجاء الحديث ليهدم هذا الوهم.
«لأهل الكبائر».
لا لتستريح إلى الكبيرة.
ولا لتؤجل التوبة.
ولا لتقول:
لي شفاعة.
بل حتى لا يقول لك الشيطان بعد الكبيرة:
انتهى كل شيء.
لم ينته شيء ما دمت حيًا.
لم ينته شيء ما دام فيك قلب يعرف الندم.
لم ينته شيء ما دمت تستطيع أن تقول:
أستغفر الله.
لم ينته شيء ما دمت تستطيع أن تسجد.
أن ترد مظلمة.
أن تقطع سببًا.
أن تغلق بابًا.
أن تترك صحبة.
أن تهجر ذنبًا.
أن تبدأ من جديد.
حين يلبس اليأس ثوب الحياء
الشيطان لا يطمع منك في الذنب وحده.
إن ظفر منك بالذنب، طلب ما بعده.
يريدك أن تستحي من الصلاة.
أن تستثقل الدعاء.
أن تبتعد عن المصحف.
أن تقول:
بأي وجه أرجع؟
فإذا قال لك:
بأي وجه ترجع؟
قل:
بوجه عبد أذنب، وله رب يغفر.
وإذا قال:
كم مرة عدت؟
قل:
وكم مرة فُتح لي الباب؟
وإذا قال:
أما تستحي؟
قل:
بلى. ولذلك رجعت.
فالحياء الذي يردك إلى الله حياة.
أما الحياء الذي يبعدك عنه فمصيدة.
لا تجعل الشيطان يلبس عليك اليأس ثوب الأدب.
ليس من الأدب مع الله أن تقول:
ذنبي أكبر من مغفرته.
وليس من التواضع أن تجعل خطيئتك أوسع من رحمته.
وليس من تعظيم الذنب أن تنسى عظمة الرب.
استعظم الذنب ما شئت.
لكن عظّم الله أكثر.
لا تنتظر حتى تستحق العودة
خف من المعصية.
لكن لا تخف من باب التوبة.
وابكِ على ما فات.
لكن لا تجعل دمعتك ستارًا بينك وبين الرجوع.
ثم اسمعها واضحة:
لا أحد يدخل على الله لأنه يرى نفسه جديرًا.
كلنا فقراء.
كلنا ناقصون.
كلنا نحمل من العيب ما لو كشفه الله للخلق لخجلنا.
ولكن الله لم يفتح بابه للكاملين فقط.
بل فتحه للتائبين.
والتائب لا يسمى تائبًا إلا لأن وراءه شيئًا تاب منه.
فلا تقل: حين أصلح سأعود.
عد حتى تصلح.
ولا تقل:
حين يهدأ قلبي سأدعو.
ادع حتى يهدأ.
ولا تقل:
حين أستحق سأطرق الباب.
اطرقه لأنك لا تستحق إلا برحمته.
قل:
يا رب.
أنا لا أحمل إليك عذرًا.
ولا أملك حجة.
ولا أزكي نفسي.أنا أعلم ما فعلت.
لكنني أعلم أيضًا أنك أنت الذي قلت:
﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
فكيف أصدق خوفي وأكذب وعدك؟
وكيف أجعل ذنبي أعلى صوتًا في قلبي من كلامك؟
يا عبد الله،
ربما أتعبك أنك تنظر إلى نفسك أكثر مما تنظر إلى ربك.
كلما فتحت صفحة الماضي، رأيت سوادًا.
فقلت:
انتهيت.
لكن ماضيك ليس ربك.
وصحيفتك ليست هي التي تملك المغفرة.
وذنوبك لا تجلس على عرش الكون.
الله هو الرب.
والحكم حكمه.
والعفو عفوه.
والباب بابه.
فلا تغلقه من داخلك ثم تقول:
لم يُفتح لي.
تبت ثم عدت: هل أعود مرة أخرى؟
قد تقول:
تبت ثم عدت.
تب ثانية.
ثم ثالثة.
ثم عاشرة.
ما دمت كلما سقطت كرهت السقوط ورجعت إلى ربك.
إياك أن تمل من باب لا يملك إغلاقه إلا الله.
وهو سبحانه دعاك إلى الرجوع.
الرجاء الصادق لا يهوّن المعصية
قد تقول:
أخشى أن أكون ممن خدعهم الرجاء.
والجواب:
الرجاء الذي يجرئك على الذنب خداع.
أما الرجاء الذي يوقظك إلى التوبة فعبادة.
الرجاء ليس أن تنام على المعصية.
الرجاء أن تقوم منها.
الرجاء ليس أن تقول:
سيغفر لي.
ثم تتمادى.
بل أن تقول:
كيف أعصي ربًا أرجو منه كل هذا العفو؟
هنا يصير الرجاء وقودًا للعودة.
وهنا تُفهم الشفاعة فهمًا يليق بها.
ليست وسادة للمقيم على الذنب.
بل نافذة لمن أوشك اليأس أن يخنقه.
لا تقول لك:
لا تخف المعصية.
بل تقول:
لا تيأس من الله بسبب المعصية.
وهذا فرق بين طريقين.
طريق يهوّن الذنب حتى يموت القلب.
وطريق يعظّم الذنب حتى ييأس القلب.
والهدى بينهما:
نخاف الذنب.
ونرجو الرب.نبكي على التقصير.
ولا نقنط من المغفرة.نكسر أنفسنا بين يديه.
ولا نسيء الظن به.
قم ولا تجعل السقوط نهاية الطريق
فإذا جاءك الليل وحدك.
وتذكرت ما لا يعرفه أحد.
ورأيت نفسك في عينك صغيرة.
فلا تقل:
لا يصلح مثلي للعودة.
قل:
لذلك أعود.
وإذا أتاك ذلك الصوت:
أنت تعرف ماذا فعلت.
فقل:
نعم.
وأعرف أيضًا من ربي.
أعرف ذنبي.
لكنني أعرف قوله:﴿لَا تَقْنَطُوا﴾.
أعرف ضعفي.
لكنني أعرف أنه سمى نفسه:الغفور.
الرحيم.
التواب.
فلا تجعل معرفتك بنفسك تحجبك عن معرفتك بالله.
ولا تجعل عِظَم الذنب في عينك يحجب عنك عِظَم المغفرة عند ربك.
وإن كنت قد وقعت على الأرض، فلا تمدح السقوط.
لكن لا تمُت فيه.
قم.
ليس لأن الذنب صغير.
بل لأن الله فتح بابًا أكبر منه.
قم.
فما دمت حيًا، وباب التوبة مفتوحًا لك، فلا تيأس من الرجوع.
قم.
ولا تقل:
ضاع الطريق.
أنت أمامه.
قم.
ولا تقل:
بعد كل ما فعلت؟
بل قل:
بعد كل ما فعلت… إلى من أذهب إن لم أذهب إلى الله؟
ثم احمل هذه الكلمة معك:
لا تجعل معرفتك بحجم ذنبك ادعاءً أنك عرفت حدود رحمة الله.
أنت تعرف ما فعلت.
أما ما يغفره الله…
فلا تضع له حدًّا من عندك.
واعلم:
أنا لا أطمئن إلى ذنبي.
لكنني أطمئن إلى ربٍّ نهاني أن أقنط من رحمته.