حين يشتد الألم، يبدو السؤال عن اللطف غريبًا أحيانًا. وفي قلب هذا السؤال يظهر معنى رحمة الله في الشدة.
فأنت لا تحتاج إلى من يخبرك أن في حياتك رحمة؛ أنت تحتاج أولًا إلى أن تفهم:
كيف تكون الرحمة حاضرة، بينما الشيء الذي يؤلمني ما زال حاضرًا؟
كيف يقال إن الله يلطف بي، والباب الذي دعوت أن يُفتح ما زال مغلقًا؟
وكيف يكون هناك ترميم، وأنا أشعر أن شيئًا في داخلي ما زال ينكسر كل يوم؟
هذه أسئلة لا ينبغي أن نهرب منها.
لأن الموعظة التي لا تستطيع أن تقف أمام حقيقة الألم، لن تستطيع أن تصل إلى قلب المتألم.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
والحقيقة أن بعض الشدائد تكون شديدة فعلًا.
تستيقظ عليها.
وتنام وهي معك.
وترى أثرها في جسدك، وفي مزاجك، وفي خوفك، وفي الأشياء الصغيرة التي لم تكن يومًا تحتاج منك إلى كل هذا الجهد.
ومع طول الطريق يحدث شيء مفهوم جدًا:
يصبح الألم هو أكثر ما تراه.
وليس لأنه كل ما يحدث.
بل لأنه أعلى ما يحدث صوتًا.
الألم يعلن نفسه.
أما ألطاف كثيرة فتأتي بهدوء.
لا تقول لك عند كل مرة:
انتبه، هذه رحمة.
ولا تأتي دائمًا في الصورة التي تنتظرها.
ولهذا ربما يبدأ فهم الترميم من سؤال بسيط:
إذا كان الألم هو أكثر ما أراه، فهل يعني ذلك أنه هو كل ما يجري؟
إذا بقي الألم… فهل يعني أن شيئًا لم يتغير؟
نحن نعرف التغير غالبًا من الخارج.
كان الباب مغلقًا ففُتح.
كان المرض قائمًا فزال.
كان الأمر معقدًا فانحل.
كان القلب ينتظر، فجاءه ما ينتظر.
هذه تغيرات واضحة.
ولهذا يسهل علينا أن نسميها فرجًا ورحمة.
لكن ماذا عن تلك المرات التي لم يتغير فيها الخارج كثيرًا…
وتغير شيء فيك؟
كم مرة خفت من الغد؟
من تشابه الأيام.
من أن يستمر كل شيء كما هو.
من خواطر تعرفها أنت، ولا يعرف أحد كم أثقلت قلبك.
وقد يبلغ بك الأمر أحيانًا ذروة الألم.
تشعر أن صدرك لم يعد يحتمل مزيدًا.
وأنك لا تعرف كيف ستعبر هذه الساعة، فضلًا عن الأيام التي بعدها.
ثم…
دون أن يتغير الواقع كله…
يتغير شيء فيك.
يخف الخوف.
يهدأ البال.
يطمئن القلب بعد اضطراب.
تستطيع أن تتنفس بصورة أهدأ.
وربما تنام بعد أرق.
أو تصلي بعد تشتت.
أو تنظر إلى الغد نفسه الذي كان يرعبك قبل قليل، فلا يعود يملك قلبك بالطريقة نفسها.
المشكلة ما زالت موجودة.
والجواب لم يأتِ بعد.
والغد ما زال مجهولًا.
لكن حالك لم يعد هو الحال نفسه.
فهل تستطيع أن تقول إن شيئًا لم يحدث؟
وهل تستطيع أن تقول بيقين إنك حملت تلك الساعة وحدك؟
تلك اللحظة التي بلغت فيها من الخوف ما بلغت…
ثم هدأت.
وتلك الليلة التي ظننت أنك لن تعبرها…
ثم عبرتها.
وتلك الخواطر التي كانت تطوف بقلبك حتى ضاق بها…
ثم خف سلطانها عليك.
من أين جاءت تلك المساحة من السكينة؟
ومن أين جاءت القدرة على أن تكمل، حين كنت قبل قليل تظن أنك لم تعد تملك شيئًا؟
قد لا نستطيع أن نسمي كل لطف وقع.
وقد لا نعرف كيف جاء.
لكن هل نستطيع، بالصدق نفسه، أن نجزم أن تلك اللحظات المؤلمة مرت خالية من لطف الله؟
هل نستطيع أن نقول إن الرحمة لم تكن هناك لمجرد أن الألم كان حاضرًا؟
ربما كان الألم هو أكثر ما شعرت به.
لكنه لم يكن بالضرورة كل ما كان يحدث.
ربما كنت ترى الخوف…
ولا ترى ما كان يخففه.
وترى الثقل…
ولا ترى ما كان يحمل عنك بعضه.
وترى أنك ما زلت داخل الشدة…
ولا ترى كيف كان الله يرمم قلبك داخلها، مرة بعد مرة.
ولهذا قد تكون بعض ألطاف الله أوضح ما تكون، لا حين يمنع عنك الألم كله…
بل حين تنظر بعد أن تهدأ وتسأل نفسك:
كيف عبرت تلك الساعة أصلًا؟
وعندها ربما تعرف أن الألم كان حاضرًا فعلًا…
لكن الرحمة لم تكن غائبة.
ولماذا نظن أن الرحمة تبدأ عند نهاية البلاء؟
ربما لأن النهاية سهلة الرؤية.
حين تنتهي الشدة، نستطيع أن نشير إلى اللحظة ونقول:
هنا جاء الفرج.
لكن ماذا عن كل ما سبق تلك اللحظة؟
من الذي حمل القلب إليها؟
لو كانت الرحمة لا تبدأ إلا بعد نهاية البلاء، فكيف نفسر أنك استطعت أصلًا أن تصل إلى النهاية؟
كيف مرت تلك الليالي؟
كيف عبرت الساعات التي كنت تظن أنها لن تمر؟
كيف قمت في صباح لم تكن تملك له رغبة؟
كيف استمر دعاؤك بعدما تعبت؟
كيف بقي فيك شيء يقاوم اليأس؟
قد يكون الجواب أن الفرج لم يكن أول رحمة في القصة.
ربما كان آخر صورة ظاهرة من صور رحمة بدأت قبل ذلك بكثير.
بدأت حين أعانك الله على أول يوم.
ثم اليوم الذي بعده.
وحين خفف عنك شيئًا.
وحين سخّر لك إنسانًا.
وحين صرف عنك ما لم تعرف.
وحين أعطاك من الصبر بقدر اللحظة.
حتى جاءت النهاية التي استطعت أن تراها وتسميها فرجًا.
لكن كم من الرحمة كان قد سبقها؟
وما السكينة إذا لم تكن صورة من هذا الترميم؟
قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4]
تأمل أين جعل الله محل السكينة في هذه الآية:
﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وهذا يفتح معنى دقيقًا جدًا.
قد لا يتغير كل ما حول الإنسان في اللحظة نفسها…
ثم يُحدث الله في قلبه من السكينة ما يغيّر طريقة احتماله لما حوله.
وهذا لا يعني أن السكينة خبر عن المستقبل.
فلا يلزم من أن يطمئن قلبك أن ما تتمناه سيقع بعينه.
ولا أن الباب الذي تريده سيُفتح حتمًا.
لكن لماذا نحتاج إلى أن نجعل السكينة وعدًا بالمستقبل حتى نعترف بعظمتها؟
أليست رحمة في نفسها؟
أن يأتيك في ساعة خوف ما يخفف خوفك.
أن يمنحك الله في لحظة عجز قدرًا من القوة يكفيك لتكمل.
أن لا تتغير المشكلة…
لكن تتغير قدرتها على سحقك.
أليس في هذا معنى الترميم؟
الجرح ما زال موجودًا.
لكن شيئًا حوله بدأ يلتئم.
هناك فرق بين أن يرفع الله الحمل… وأن يعينك على حمله
نحن نحب الصورة الأولى.
ونطلبها.
ونسأل الله أن يرفع عنا ما يؤلمنا.
لكن إذا لم يُرفع الحمل بعد، فهل يعني أن العون غائب؟
تأمل الطريق الذي يمشيه الإنسان في شدة طويلة.
ربما لا تأتيه قوة عظيمة يشعر بعدها أنه أصبح قادرًا على كل شيء.
غالبًا لا يحدث الأمر هكذا.
يأتيه ما يكفيه ليوم.
ثم يتعب.
ثم يأتيه ما يكفيه لليوم التالي.
ساعة سكينة.
كلمة طيبة.
نوم بعد أرق.
دعاء يخفف ازدحام صدره.
شخص يسمعه.
قدرة على القيام بما يجب عليه فقط.
ثم يمضي.
ولو نظرت إلى كل واحدة من هذه الأشياء وحدها، ربما بدت صغيرة.
لكن ماذا يحدث إذا اجتمعت؟
يكتشف الإنسان بعد أشهر أنه عبر مسافة كان يظن في أولها أنه لا يستطيع أن يعبر يومين منها.
فكيف عبر؟
ربما لم يحمله لطف واحد ضخم.
بل حملته ألطاف صغيرة كثيرة.
وربما لهذا لا ننتبه إليها.
لأننا ننتظر حدثًا كبيرًا نسميه رحمة…
بينما الرحمة كانت تأتي كل يوم بقدر ما يحتاجه ذلك اليوم.
تمر بنا لحظات ننطفئ فيها
تمر بنا لحظات ننطفئ فيها.
نذبل.
ويخفت فينا الرجاء حتى نظن أن القلب لم يعد يملك شيئًا يستند إليه.
وقد تأتي ساعات لا نرى فيها إلا الألم.
لا سكينة واضحة.
ولا قوة نشعر بها.
ولا معنى نستطيع أن نمسك به.
وهذه الساعات، حين نكون داخلها، قد تبدو كأنها خالية تمامًا من كل شيء إلا الوجع.
لكن حين تمر…
وحين تنظر إليها من بعيد قليلًا…
اسأل نفسك:
هل مرت وحدها حقًا؟
هل كان الألم هو الشيء الوحيد الحاضر فيها؟
أم كان هناك، إلى جواره، شيء آخر أقل صوتًا؟
لطف من الله أمسك قلبك أن يسقط أكثر.
قوة جاءت بقدر ما تحتاج.
شخص ظهر في الوقت الذي احتجته.
دعاء خرج منك رغم أنك كنت تظن أن قلبك قد انطفأ.
ساعة نوم بعد أرق.
هدوء قصير وسط خوف طويل.
قدرة على أن تقوم في اليوم التالي، مع أنك في الليلة السابقة كنت تظن أنك لن تستطيع.
وربما لم تشعر بهذه الأشياء وقتها على أنها شيء كبير.
لأن الألم كان أكبر من أن يترك لك مساحة واسعة للنظر.
لكنها كانت هناك.
لم تمنع الألم من أن يكون مؤلمًا.
ولم تجعل الليلة سهلة.
ولم تُنهِ الشدة.
لكنها منعت الألم من أن يكون وحده.
وهذا فرق كبير.
فأحيانًا لا يكون لطف الله في أن لا ننطفئ أبدًا…
بل في أن لا يتركنا داخل انطفائنا وحدنا.
وقد يكون الترميم أبطأ وأهدأ من أن تراه وهو يحدث.
لكنك حين تنظر وراءك، تكتشف أن تلك الساعات التي ظننت أنك خرجت منها وحدك…
كان فيها من لطف الله ما أبقاك قادرًا على الخروج أصلًا.
وحين تخاف من الغد… ما الذي يدخل في حسابك؟
تخيل أن أمامك أمرًا تخشاه.
تنظر إليه من بعيد.
ثم تقول:
لو وقع، لن أستطيع.
وهذا شعور مفهوم.
لكن لاحظ كيف تكوّنت المعادلة.
أخذت شدة تتوقعها غدًا.
ثم قستها بقدرتك التي تملكها اليوم.
وبدا الناتج مخيفًا.
لكن هناك عنصرًا غائبًا عن الحساب كله:
ما الذي سيعطيك الله حين تأتي الساعة نفسها؟
أنت الآن لا تملك صبر يوم لم يأتِ.
ولماذا ينبغي أن تملكه الآن؟
ولا تملك سكينة حادثة لم تقع.
ولماذا ينبغي أن تكون عندك قبل الحاجة إليها؟
كم مرة خاف الإنسان من شيء وقال:
إن حدث فلن أحتمل.
ثم حدث منه شيء…
فاكتشف أن القدرة جاءت مع الساعة التي احتاج إليها.
لم يصبح الألم سهلًا.
لكن القوة التي كان يقيس بها من بعيد لم تعد هي القوة نفسها حين وقع الأمر.
وربما لذلك يكون الخوف من المستقبل ناقص الصورة بطبيعته.
هو يستطيع أن يتخيل البلاء.
لكنه لا يستطيع أن يتخيل بدقة العون الذي سيأتي معه.
يستطيع أن يرسم لك الألم.
لكن من أين له أن يعرف مقدار السكينة؟
ومن أين له أن يعرف من سيسخر الله؟
وما الذي سيُصرف؟
وما الذي سيخف؟
وما القوة التي ستولد عند الحاجة؟
فنحن لا نجهل فقط مقدار ما قد يأتي من شدة.
نحن نجهل أيضًا مقدار ما قد يأتي معها من رحمة.
ولهذا قد يكون الغد أصعب مما تتمنى…
لكن ليس بالضرورة أن تواجهه بالقلب نفسه الذي تخاف به منه اليوم.
وإذا لم أستطع أن أرى لطف الغد… فماذا عن الأمس؟
الغد مستور.
لكن الماضي ليس كله مستورًا.
ارجع قليلًا.
ليس إلى القصص التي انتهت كما أردت فقط.
بل إلى أيام الشدة نفسها.
هناك ليلة قديمة خفت فيها بشدة.
ماذا حدث؟
مرت.
وهناك أمر ظننت أنه أكبر من قدرتك.
كيف وصلت من قبله إلى ما بعده؟
وهناك يوم قلت فيه:
لا أظن أنني أستطيع أن أبدأ يومًا آخر هكذا.
ثم بدأت يومًا آخر.
ثم آخر.
قد لا تكون خرجت من كل شيء كما تمنيت.
وقد تكون بعض الآثار باقية إلى اليوم.
لكن السؤال هنا ليس:
هل حصلت دائمًا على النهاية التي أردتها؟
السؤال:
كيف حُملت في الطريق قبل أن تعرف النهاية؟
هذا سؤال مختلف.
وربما أصدق.
لأنك قد تنظر إلى الماضي فتقول:
نعم، هناك أشياء لم تُعطَ لي.
لكن هناك أيضًا أوقات كان يمكن أن أنهار فيها ولم أنهَر.
هناك خوف كان يمكن أن يأخذني كله، ولم يأخذني.
هناك وحدة جاءت معها صحبة.
هناك عجز جاء معه مدد.
هناك أشياء لم أفهم يومها لماذا خفّت فجأة.
وهناك ساعات لم أكن أملك فيها شيئًا إلا أن أقول:
يا رب.
وربما كانت قدرتك على قول «يا رب» نفسها جزءًا من الرحمة.
وهل نعرف أصلًا كل ما نجا منا؟
هناك شيء آخر يجعل حكمنا على المشهد ناقصًا.
نحن نعرف ما وقع.
لكننا لا نعرف كل ما لم يقع.
نعرف الوجع الذي وصل إلينا.
لكن من يستطيع أن يعدّ ما صُرف عنا؟
نعرف الباب الذي أُغلق في وجوهنا.
لكن هل نعرف كل ما كان وراءه؟
نعرف مقدار الحمل الذي شعرنا به.
لكن هل نعرف مقدار ما خُفف قبل أن يصل؟
وهنا لا نحتاج إلى أن نخترع حكمًا لكل قدر.
لا نقول عن كل باب مغلق: أعرف يقينًا لماذا أُغلق.
ولا عن كل ألم: أعرف سره.
فهذا من علم الله.
لكن معرفة حدودنا نفسها تكشف لنا شيئًا:
أن ما نراه من القصة ليس القصة كلها.
وقد حدث لك ربما أن فهمت بعد سنوات معنى شيء لم تفهمه حين وقع.
أمر حزنت عليه.
ثم اتسعت الصورة.
ورأيت شيئًا لم تكن تراه يومها.
وقد توجد أشياء لن تتضح لك.
لكن إذا كان بعض ما خفي انكشف لاحقًا، ألا يكفي هذا ليعلّم القلب قدرًا من التواضع أمام ما لا يزال خفيًا؟
أن يقول:
أنا أعرف أن هذا يؤلمني.
لكنني لا أعرف كل ما يحدث من حوله.
فما معنى أن يقول الله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾؟
قال سبحانه:
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19]
حين تقرأها وأنت في رخاء، يسهل أن يمر المعنى على القلب.
لكنها تصبح أعمق حين تُقرأ في الشدة.
لأن السؤال يصبح:
كيف يكون لطفه معي الآن؟
ولعلنا لا نملك أن نحدد كل صورة من صور لطفه.
لكننا نعرف شيئًا مهمًا:
أن لطف الله لا يساوي فقط حصول العبد على ما طلبه.
لو كان كذلك، لكانت معرفتنا بلطف الله معلقة دائمًا بنتائج الأقدار كما نحبها.
لكن الله أخبرنا عن نفسه قبل أن نعرف نحن نتيجة قصصنا.
هو لطيف بعباده.
فقد يظهر لطفه في أن يعطي.
وقد يظهر في أن يصرف.
وقد يظهر في أن يخفف.
وقد يظهر في أن يؤخر.
وقد يظهر في أن يحمل القلب خلال أمر لم يرفعه بعد.
قد تقول:
لكنني لا أرى هذا الآن.
وهذا ممكن جدًا.
لكن هناك فرقًا هادئًا وعظيمًا بين عبارتين:
لا أراه.
و:
ليس موجودًا.
الأولى تصف حدود رؤيتك.
والثانية تحكم على ما وراء رؤيتك.
وفي الشدة، قد لا يحتاج القلب أكثر من أن يبقى عند الأولى.
لا يفهم.
لا يرى.
لكنه يعرف أن عدم رؤيته ليس علمًا بالغياب.
وماذا إن كنت الآن لا أشعر بشيء من هذا؟
قد يكون هذا هو أكثر الأسئلة صدقًا.
ماذا لو قرأ الإنسان عن السكينة وهو لا يجدها؟
وعن الترميم وهو يشعر أنه في ذروة الانكسار؟
وعن الرحمة وهو لا يستطيع في ساعته إلا أن يبكي؟
فهل فاته المعنى؟
لا.
لأن الترميم ليس شعورًا يجب أن تلاحظه في كل لحظة.
وأنت لا ترى الجسد وهو يرمم جرحه خلية خلية.
ترى الجرح.
وترى الألم.
أما ما يجري في العمق فلا تراه لحظة بلحظة.
ثم يأتي وقت تكتشف فيه أن الموضع لم يعد كما كان.
وربما هكذا بعض ما يحدث في القلب.
ليست كل ساعة في الشدة ساعة فهم.
بعض الساعات لا يُطلب منك فيها إلا أن تعبرها.
أن تصلي بما تستطيع.
أن تدعو بما تستطيع.
أن تبكي إن احتجت.
أن ترتاح إن قدرت.
أن تقول:
يا رب، أنا متعب.
ثم تمضي.
وقد ترى بعد ذلك ما لم تستطع أن تراه وأنت داخل الموج.
فاللطف لا يصبح غائبًا لمجرد أن قلبًا متعبًا لم يستطع أن يشعر به في لحظته.
وهل الترميم يعني أن تعود كما كنت؟
ربما لا.
وهذا معنى يحتاج إلى شيء من الرفق.
هناك شدائد تمر على الإنسان، ثم لا يعود بعدها الشخص نفسه تمامًا.
تبقى آثار.
وتتغير أشياء.
وقد يحزن الإنسان حتى على نسخته القديمة من نفسه.
لكن هل كل تغير بعد الألم خراب؟
قد يخرج الإنسان من بعض الشدائد وهو أهدأ.
أعرف بضعفه.
أكثر رحمة بضعف الناس.
أصدق في دعائه.
أقل اغترارًا بالأسباب.
أعرف بمعنى الافتقار.
ليس لأن الألم جميل.
ولا لأن كل خسارة تتحول ببساطة إلى مكسب.
بل لأن الله قادر أن يُحدث في موضع الكسر نفسه من الخير ما لم يكن الإنسان يراه وهو يتألم.
والترميم لا يعني دائمًا أن يمحو أثر الجرح.
بعض الجروح تلتئم، وتبقى ندبتها.
لكن هناك فرقًا بين الندبة والجرح المفتوح.
قد تتذكر ما حدث بعد سنوات.
وتحزن.
لكن الشيء نفسه لم يعد ينزف فيك كما كان.
أليس هذا أيضًا ترميمًا؟
وربما لم يكن الألم يعمل وحده
هذه هي الفكرة التي ربما تستحق أن تُحمل من الموعظة كلها.
حين تكون داخل الشدة، يبدو لك أن الألم هو الفاعل الوحيد.
الألم يتعبك.
الخوف يغيرك.
الانتظار يستنزفك.
الفقد يترك أثره.
وكل هذا صحيح.
لكن هل يمكن أن يكون هناك أثر آخر يتكون في الوقت نفسه؟
أن يكون الألم يضغط…
واللطف يسند؟
أن يكون الخوف يهز…
والسكينة تعيد شيئًا إلى موضعه؟
أن يكون الطريق يأخذ منك قوة…
والله يمدك بقوة جديدة بقدر الحاجة؟
أن تكون أشياء تنكسر…
وأشياء أخرى تُحفظ؟
ربما لهذا لا يكون وصف المرحلة كاملًا إذا قلنا:
كنت أتألم.
فقط.
ربما بعد زمن تقول:
كنت أتألم…
وكان الله يحملني في أثناء ذلك أكثر مما كنت أرى.
وربما كنت تنتظر الرحمة… وهي تحملك بالفعل
هذه الفكرة وحدها قد تغير زاوية النظر كلها.
قد تكون منذ شهور تقول:
يا رب، متى تأتي رحمتك؟
وأنت لم تنتبه إلى أن بعض رحمته هو الذي حملك خلال هذه الشهور.
كنت تنتظر رحمة في صورة نهاية.
لكن جاءت رحمات في صورة استمرار.
أن استمر قلبك.
أن بقي فيك شيء يستطيع أن يدعو.
أن بقي فيك قدر من الرجاء، وإن ضعف.
أن استطعت أن تقوم بعد الليالي الثقيلة.
أن لم يأخذ الألم منك كل شيء.
أن ظهرت فيك قوة كلما احتجت قدرًا منها.
قد لا تكون هذه الصورة التي طلبتها.
لكن هل يجعلها ذلك شيئًا قليلًا؟
ربما كنت تنتظر أن يخرجك الله من الطريق…
بينما كان، في جزء من رحمته، يرممك وأنت تمشي فيه.
وبعض الرحمة قد تسبق الفرج بوقت طويل
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأدق:
متى تبدأ رحمة الله؟
بل:
كم من رحمة بدأت بالفعل وأنا ما زلت أنتظر الفرج؟
سكينة جاءت.
شر صُرف.
إنسان سُخر.
قوة ظهرت.
قلب عاد.
دعاء استمر.
خوف خف.
ليلة مرت.
يوم عُبر.
شيء فيك بقي حيًا رغم كل ما كان يمكن أن يطفئه.
هذه الأشياء لا تقول إن البلاء انتهى.
ولا تعدك بأن نهايته ستكون على الصورة التي تريدها.
لكنها تقول شيئًا آخر عظيمًا:
إنك لم تكن وحدك في الطريق.
وكان هناك من لطف الله ما يعمل فيك حتى حين لم يكن الألم يسمح لك أن تراه بوضوح.
فانظر مرة أخرى… لا لتصغر ألمك، بل لتكتمل الصورة
لا حاجة لأن تقول إن الأمر بسيط.
ربما ليس بسيطًا.
ولا حاجة أن تتظاهر بأنك بخير.
ربما أنت متعب فعلًا.
ولا حاجة أن تحب ما حدث لك حتى تعرف أن الله لطف بك خلاله.
يكفي أن تتسع الصورة قليلًا.
أن تقول:
هذا الألم حقيقي.
ثم تسأل:
هل كان وحده؟
وهذه الشدة قاسية.
لكن كيف بقيت إلى اليوم؟
وهذا الباب ما زال مغلقًا.
لكن كم مرة ثبت قلبي وأنا واقف أمامه؟
وهذا الفرج لم يأتِ بعد.
لكن هل يعني أن كل الرحمة مؤجلة إلى يوم مجيئه؟
وحين تنظر بهذه العين، قد لا يختفي الألم.
لكن ربما يفقد شيئًا من قدرته على احتلال المشهد كله.
لأنك بدأت ترى إلى جواره شيئًا آخر.
لطفًا لم يكن مرتفع الصوت.
لكنه كان حاضرًا.
يا رب…
نحن لا نطلب أن نرى في كل ألم حكمة نفهمها.
ولا أن نعرف سر كل قدر.
ولا أن نقنع أنفسنا بأن ما يوجعنا لا يوجع.
لكننا نسألك ألا تجعل شدة الألم تحجب عنا كل ما تصنعه بنا ونحن فيه.
إذا لم ترفع الشدة بعد، فأرنا من عونك ما يحملنا خلالها.
وإذا لم نستطع أن نراه، فارزقنا من الثقة بك ما يكفي حتى نعبر الساعة.
وإذا أخافنا الغد، فذكّر قلوبنا أننا لا نعرف فقط ما قد يأتي فيه من ألم…
بل لا نعرف أيضًا ما ستنزل معه من سكينة، وما ستفتح من أبواب، وما ستصرف من شر، وما ستخلق فينا من قوة.
وإذا نظرنا إلى ما مضى، فأرنا لا كيف انتهت بعض شدائدنا فقط…
بل كيف حملتنا قبل أن تنتهي.
كيف مررت بنا من ليلة إلى ليلة.
ومن خوف إلى سكينة.
ومن ضعف إلى قدر جديد من القوة.
يا رب…
إن كنا لا نرى لطفك الآن، فلا تجعل عجزنا عن رؤيته يقطع حسن ظننا بك.
فنحن نعرف من المشهد قدر ما تسمح به أعيننا.
وأنت تعلم المشهد كله.
ونحن نعرف ما وقع علينا.
وأنت تعلم ما صرفته عنا.
ونحن نرى ما بقي من الحمل.
وأنت تعلم كم حملت عنا في الطريق.
فإذا طال البلاء…
فلا تجعلنا نظن أن الرحمة كلها تأخرت معه.
وإذا بقي الوجع…
فلا تجعل بقاءه يحجب عنا ما رممته فينا ونحن نتوجع.
وإذا جاء يوم الفرج…
فأرنا أن رحمتك لم تبدأ في ذلك اليوم وحده.
بل كانت معنا في الطريق كله.
في كل مرة أوشكنا أن نسقط فثبتنا.
وفي كل مرة ضاق القلب ثم اتسع.
وفي كل مرة خفت فينا الرجاء حتى ظننا أننا انطفأنا…
ثم لم تتركنا داخل انطفائنا وحدنا.
وفي كل مرة قلنا:
لا نستطيع أكثر…
ثم أعطيتنا من فضلك ما يكفي لخطوة أخرى.
حتى إذا نظرنا إلى ما مر بنا وقلنا:
ما أشد ما كان هذا الطريق…
استطعنا أن نرى الحقيقة الأخرى التي كانت تمشي معه من أوله:
وما أكثر ما كان الله يرممنا ونحن نظن أننا فقط نتألم.