هل يغفر الله الكبائر

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هناك ذنوب لا تنتهي حين تنتهي المعصية.
تنتهي المعصية… لكن يبقى شيء منها في القلب. يبقى صوت يقول لك:
أنت تعرف ما فعلت.
وتعرف كم مرة وعدت ثم عدت.
وتعرف كم مرة بكيت، ثم ضعفت.
وتعرف أشياء عن نفسك لا يعرفها الناس.
هل يغفر الله الكبائر؟ هذا السؤال قد يشتد في القلب بعد الذنب حين يختلط الندم بالخوف، ثم يحاول اليأس أن يتكلم باسم الحقيقة.

رجل جالس عند باب مضيء تحت المطر مع عبارة لا تقنطوا من رحمة الله، في رمز للرجوع إلى الله بعد الذنب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

في البداية يكون هذا الصوت ندمًا، والندم خير إذا قادك إلى الله.
لكن الشيطان لا يريد أن يتركه ندمًا. يريد أن يدفعه خطوة أخرى، حتى يتحول من:
أنا أذنبت.
إلى:
أنا لا أستحق أن يغفر الله لي.
ومن:
أنا مقصر.
إلى:
مثلي بعيد عن الرحمة.

ومن الخوف من الذنب…
إلى اليأس من رب الذنب.

وهنا ينبغي أن تنتبه.

لأنك قد تكون صادقًا حين تقول:
أنا أعرف ذنوبي.
لكن هل تعرف رحمة الله كلها؟
تعرف كم مرة عصيت.
لكن هل تعرف كم مرة ستر الله؟

تعرف ما فعلته أنت.
لكن هل تعرف ماذا يمكن أن يفعل الله بتوبة صادقة واحدة؟
تعرف ما في صحيفتك مما يؤلمك.
لكن هل رأيت ما محا الله منها؟
هل أحطت بالحسنات التي قبلها؟
هل تعرف دعوةً دعوتها في ليلة منكسرة فرفعها الله؟
هل تعرف دمعةً لم يرها أحد؟
هل تعرف رحمةً قد يكون الله كتبها لك ولم تصل إليها بعد؟
إذن لا تجعل معرفتك بذنبك توهمك أنك عرفت نهاية قصتك.

أنت تعرف الذنب… ولا تعرف ما قد يدخر الله لك من الرحمة.
ولهذا لم يقل الله للمذنبين: ما الذي جاء بكم بعد كل ما فعلتم؟
بل نادى قومًا وصفهم بالإسراف نفسه:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

تأمل:

﴿أَسْرَفُوا﴾.

لم يقل: الذين أخطؤوا مرة.
ولا الذين كانت ذنوبهم قليلة.
ولا الذين بقيت صحائفهم بيضاء.
بل:

﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

ثم ماذا قال لهم؟

﴿لَا تَقْنَطُوا﴾.

وكأن أول ما يحتاجه القلب بعد أن يرى فداحة ما فعل ليس أن يُقال له إن الذنب هين؛ فالذنب ليس هينًا.
بل أن يُقال له:

لا تجعل عِظَم ذنبك يحجب عنك عِظَم ربك.

نعم، أخطأت.
نعم، ربما أخطأت كثيرًا.
نعم، ربما هناك أشياء تتمنى لو استطعت أن تمحوها من تاريخك كله.
لكن الخطأ شيء…
وأن تحكم على نفسك بأن الله لن يرحمك شيء آخر.
الندم عبودية.
أما القنوط فليس تواضعًا.

أن تقول:
يا رب، أنا أسأت.
هذا انكسار.
أما أن تقول:

وقد صرتُ أبعد من أن تغفر لي.
فمن أين عرفت؟
من أعطاك علم حدود الرحمة؟
ومن قال لك إن ما عجزت أنت عن إصلاحه يعجز الله عن مغفرته؟

ومن قال إن الصحيفة التي أخافتك لا يمكن أن تتغير بتوبة؟
إن الذي قال:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

يعرف ذنوب عباده قبل أن يعرفوها.
ومع ذلك قال:

لا تقنطوا.

ثم يأتي شيء آخر يفتح في القلب بابًا عجيبًا من الرجاء.

يقول النبي ﷺ:

«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».

قف قليلًا عند:

أهل الكبائر.

لأن الإنسان الذي أثقلته خطيئته قد يسمع الكلام عن رحمة الله، ثم يقول في داخله:
نعم… لكن هذا الكلام لمن هم خير مني.
ويقرأ عن المغفرة فيقول:
لعلها لمن لم يفعل ما فعلت.

ويسمع عن الرجاء، فيرى نفسه استثناءً من كل شيء جميل.
لكن النبي ﷺ لم يقل في هذا الحديث:
شفاعتي لمن لم يخطئ.
ولا:

لمن كانت صحيفته خفيفة.
بل خصَّ بالذكر:

«أهل الكبائر من أمتي».

ليس لتطمئن إلى الكبيرة.
بل حتى لا يقنعك الشيطان بعد الكبيرة أن كل شيء انتهى.
ليس لتقول:
سأعصي ولي شفاعة.

حاشا.
بل حتى إذا أسرفت، ثم استفقت، ثم وجدت نفسك واقفًا وسط خراب صنعته بيديك…
لا تسمح لصوت أن يقول لك:
لم يعد لك طريق إلى الله.

فالشيطان له مع الذنب مكسبان.

إن استطاع أن يوقعك فيه، فعل.
فإن أفاق قلبك بعده، حاول أن يأخذ المكسب الثاني:
أن يجعلك تيأس بسبب ما فعلت.
فيقول لك:

كيف ستصلي الآن؟
بأي وجه ستدعو؟
ألم تقل المرة الماضية إنك لن تعود؟
ألم تبكِ ثم عدت؟
ألا تستحي أن تطلب المغفرة مرة أخرى؟
وهنا قد يبدو كلامه كأنه تعظيم لله.
لكنه في الحقيقة يريد شيئًا واحدًا:
أن يبقى الذنب واقفًا بينك وبين الله بعد أن انتهى وقوعه.

يريد منك أن تعصي أولًا بجوارحك…
ثم تعصي الأمل في قلبك.
لكن الله لم يقل للمسرف:
ابتعد حتى تصبح جديرًا بالعودة.

بل قال:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.

عُد.

وهذه من أعظم الكلمات التي يحتاجها المذنب:
عُد وأنت منكسر.
عُد وأنت مستحٍ.
عُد ولو لم تجد لنفسك عذرًا.
عُد ولا تدافع عن ذنبك.
عُد وقل:
يا رب، ليس لي حجة أمامك، ولكن لي رب أرجو رحمته.
ليس لي عمل أتباهى به، ولكن لي باب لم تأمرني أن أغلقه.

أنا الذي عصيت، وأنت الذي قلت:

﴿لَا تَقْنَطُوا﴾.

فكيف أجعل ذنبي أصدق في قلبي من وعدك؟

ربما تقول:

لكنني تبت ثم عدت.
فتب مرة أخرى.
لكنني بكيت ثم ضعفت.
فابكِ مرة أخرى.

لكنني أشعر بالخجل.
فليكن خجلك هو الذي يقودك إليه، لا الذي يبعدك عنه.
لكن ماذا لو لم أكن أهلًا للرحمة؟
ومن منا يدخل على الله لأنه يرى نفسه أهلًا؟

نحن ندخل على الله فقراء.
ضعفاء.
مقصرين.
ونقول:

يا رب، أنت أهل المغفرة.
يا رب، أنت الغفور الرحيم.
يا رب، لم آتِ لأنني أملك صحيفة ترضيني؛ أتيت لأنني أعرف ربًّا أمرني ألا أقنط من رحمته.
وهنا تتغير المسألة كلها.
لم تعد التوبة محاولة من إنسان كامل ليحافظ على كماله.
بل رجوع عبد يعرف ضعفه إلى رب يعرف ضعفه أكثر منه، ومع ذلك فتح له الباب.

وقد يكون أكثر ما أتعبك أنك تنظر إلى نفسك كثيرًا.

إلى ضعفك.
إلى تاريخك.
إلى عدد المرات.
إلى قبح ما وقع.
ارفع نظرك قليلًا.
ليس لتنسى الذنب.
بل حتى تراه بحجمه الصحيح أمام سعة رحمة الله.

الذنب عظيم، لكن الله أعظم.
والخطيئة قبيحة، لكن المغفرة ليست عاجزة عنها.
وماضيك حقيقة، لكنه ليس إلهًا يقرر مستقبلك.
وما دام الله قد أبقى في صدرك قلبًا يندم، ولسانًا يستغفر، وروحًا تستطيع أن تعود…

فلا تتعامل مع نفسك وكأن الحكم الأخير قد صدر.
أنت لا تزال في دار العمل.
لا تزال تستطيع أن تسجد.
لا تزال تستطيع أن تقول:

أستغفر الله.
لا تزال تستطيع أن ترد مظلمة.
وأن تترك ذنبًا.
وأن تبدأ صلاة.
وأن تغلق بابًا طال دخولك منه.
وأن تفتح مصحفًا ربما هجرتَه.
وأن ترفع يديك في آخر الليل دون أن تقدم لله خطابًا طويلًا تدافع فيه عن نفسك.
يكفي أحيانًا أن تقول:

يا رب… أنا عدت.

لا تؤخر هذه العودة حتى تشعر أنك صالح.
عُد حتى تصلح.
لا تنتظر أن يختفي منك كل سواد حتى تدخل باب الرحمة.
ادخل باب الرحمة ليطهر الله ما اسود.

ولا تجعل الشفاعة فراشًا تنام عليه وأنت مصرّ على الذنب.
واجعلها نورًا يمنعك من السقوط في حفرة اليأس إذا زللت.
فالشفاعة لا تقول لك:
لا تخف من المعصية.

بل تقول لك:
لا تيأس من الله بعد المعصية.
والفرق عظيم.
نخاف ذنوبنا لأنها ذنوب.

ونتوب منها لأنها تؤذينا في ديننا وآخرتنا.
لكننا لا نعبد ذنوبنا حتى نجعلها هي التي تقرر لنا مقدار رحمة الله.
لا تقل:
ذنبي كبير، إذن انتهيت.

قل:
ذنبي كبير، ولذلك حاجتي إلى المغفرة أكبر.
لا تقل:
عدت إلى الذنب، فلا فائدة من العودة.

قل:
ما دام الطريق إلى الله مفتوحًا فسأعود ولو سقطت في الطريق ألف مرة.
ولا تقل:
لو عرف الناس حقيقتي لما ظنوا بي خيرًا.

فالقضية ليست ماذا سيقول الناس لو عرفوا.
القضية أن الله يعرف.
يعرف ما أخفيت.
ويعرف ما فعلت.
ويعرف ضعفك.
ويعرف ندمك.
ومع علمه كله بك…

هو الذي قال لك:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

فلا تجعل شيئًا في قلبك يقول لك عكس ما قاله الله.
وقد يأتي يوم تنظر فيه إلى ذنب كان يكاد يهلك قلبك، فتدرك أن أعظم ما وقع بعده لم يكن الذنب نفسه…
بل تلك اللحظة التي كسرك فيها الذنب حتى رجعت إلى الله رجوعًا لم تعرفه من قبل.
ليس لأن المعصية خير.

ولكن لأن الله قادر أن يخرج من انكسارك توبة، ومن خوفك قربًا، ومن دمعتك حياةً جديدة للقلب.
فلا تمدح السقوط.
لكن لا تيأس وأنت على الأرض.

انهض.

فربك لم يأمرك أن تكون بلا ماضٍ.
أمرك أن تأتيه تائبًا.
ولا يلزم حتى ترجوه أن تكون راضيًا عن نفسك.
يكفي أن تعرفه هو:

غفورًا. رحيمًا. توابًا. كريمًا.
وإذا جاءك ذلك الصوت مرة أخرى:
«أنت تعرف ماذا فعلت.»
فقل له:

نعم.
وأعرف أيضًا من ربي.
أعرف ذنبي…
لكنني لا أجعل معرفتي بذنبي أكبر من معرفتي بقول الله:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

وإن وقع الذنب، فأن يدفعك إلى باب الله خير من أن يدفعك اليأس بعيدًا عنه.
وما دمت تستطيع أن تعود…
فلا تسمِّ نفسك محرومًا قبل أن يغلق الله الباب، والله لم يغلقه في وجه التائب.

واعلم هذه جيدًا:

لا تجعل معرفتك بحجم ذنبك ادعاءً منك أنك عرفت حدود رحمة الله.
أنت تعرف ما فعلت.
أما سعة مغفرة الله للتائبين، فلا تضع لها حدًّا من عندك.
فارجع.

لا غدًا.
ولا حين تصبح أفضل.
ارجع بهذه النفس نفسها التي أتعبتها المعصية.
وبهذا القلب الذي يخجل.

وبهذه الصحيفة التي تتمنى لو كانت أنقى.
وقل:
يا رب، أنا لا أحسن الدفاع عن نفسي… ولكنني أحسن الظن برحمتك، وأطرق بابك لأنك أنت الذي أمرتني ألا أقنط.
ولعل أجمل ما تحمله معك وأنت تقوم من مكانك:

أنا لست مطمئنًا إلى ذنبي…
أنا مطمئن إلى أن لي ربًّا فتح لي باب التوبة، ونهاني أن أيأس من رحمته.

تعليقات

عدد التعليقات : 0