حين تتحول عطايا الله في قلبك إلى «كشف درجات» تقيس به قيمتك ومنزلتك
تأتيك نعمة كنت تنتظرها طويلا.
يفتح باب رزق. ينجح أمر. يشفى جسد. يستقر بيت. يحبك الناس. يتحقق شيء دعوت الله به كثيرا.
فتفرح.
وتقول: الحمد لله.
لكن قد تتحرك تحت الحمد فكرة أكثر خفاء:
ربما لأنني أحسنت.
ربما لأنني أصبحت أقرب إلى الله.
ربما لأن الله راض عني.
وربما لا تنطق بهذا كله، لكنك تبدأ في حمل النعمة بطريقة مختلفة.
لا تعود مجرد شيء أعطاك الله إياه.
تصبح في داخلك شهادة.
كأن الرزق توقيع على أنك فعلت الأمور بشكل صحيح.
وكأن النجاح درجة مرتفعة في ورقة علاقتك بالله.
وكأن تيسير الطريق ختم يقول:
أنت على ما يرام.
والمشكلة لا تظهر كاملة ما دامت النعم مستمرة.
تظهر حين تتغير الدرجة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تجعل الدنيا كشف نتائج
إذا تعلم القلب أن يقرأ العطاء بوصفه شهادة استحقاق، فسيتعلم تلقائيا أن يقرأ الحرمان بالطريقة نفسها.
كان العمل مستقرا، ثم اضطرب.
كان الجسد معافى، ثم مرض.
كان الباب مفتوحا، ثم أغلق.
كانت الأمور تتيسر، ثم بدأت تتعقد.
وهنا لا يتألم الإنسان من تغير الحال فقط.
يبدأ في قراءة «النتيجة»:
ماذا فعلت؟
هل تغيرت منزلتي عند الله؟
هل كان الله راضيا عني ثم لم يعد؟
هل خسرت شيئا في علاقتي به؟
وهكذا يتحول كل تغير في الدنيا إلى ورقة تقييم روحي.
السعة علامة.
الضيق علامة.
النجاح علامة.
التأخر علامة.
الإقبال علامة.
المنع علامة.
ثم يجد الإنسان نفسه يعيش أمام لوحة نتائج تتغير كل يوم، ويحاول أن يعرف مقامه عند الله من أرقام الدنيا.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يتوقف عنده القلب:
من قال إن ما بين يديك من النعم هو شهادة بأنك تستحقها أصلا؟
هذه ليست دعوة إلى احتقار نفسك.
بل إلى معرفة معنى الفضل.
فالفرق بعيد بين أن تقول:
أعطاني الله لأنني لا قيمة لي.
وبين أن تقول:
أعطاني الله، وليس لي على الله حق أوجب عليه أن يعطيني.
الأولى إهانة للنفس.
والثانية عبودية.
الفضل يسقط دعوى الاستحقاق، لا كرامة العبد
هناك شعور دقيق قد يدخل القلب حين يطول عليه الخير:
«أنا حصلت على هذا لأنني فعلت ما ينبغي».
قد يكون وراء النعمة أسباب أخذت بها فعلا.
درست، فنجحت.
عملت، فكسبت.
عالجت نفسك، فتحسنت.
أحسنت إلى الناس، فأحبك بعضهم.
والإيمان لا يطلب منك إنكار الأسباب ولا إلغاء جهدك.
لكن هناك مسافة هائلة بين:
أنا بذلت سببا.
وبين:
إذن النتيجة كانت مستحقة لي.
لأنك لا تملك كل حلقات النتيجة.
كم من إنسان بذل السبب نفسه ولم يحصل على النتيجة نفسها؟
وكم من خطة صحيحة اصطدمت بأمر لم يكن صاحبها يملكه؟
وكم من جسد أخذ الدواء نفسه، ثم اختلفت الاستجابة؟
وكم من أبواب احتاج نجاحها إلى أمور لم يصنعها الإنسان بيده: وقت مناسب، صحة، فرصة، إنسان يساعد، عائق يصرف، قدرة تبقى، ظرف يتغير؟
فحين ترى النهاية، لا تمح الطريق الطويل من التوفيق الذي لم تصنعه وحدك.
وهنا يلتقي المعنى مع ما يكشفه وهم الاستحقاق حين يتحول الجهد من سبب مأمور به إلى حجة خفية يطالب بها القلب بالنتيجة.
ولهذا كان من أعجب ما قاله سليمان عليه السلام حين رأى أمامه أمرا عظيما قد تحقق:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40].
لم يقرأ النعمة شهادة تفوق.
قرأها فضلا وابتلاء.
وهذا انقلاب كامل في طريقة النظر.
الإنسان قد يقول:
حصلت عليها، إذن اجتزت الاختبار.
أما الآية فتعيد ترتيب المشهد:
حصلت عليها… والآن بدأ جانب من الاختبار.
النعمة لا تقول لك: أنت أفضل
حين يمنحك الله مالا أكثر من غيرك، لم تسلمك الأموال شهادة بأنك أكرم عنده من الفقير.
وحين يهبك صحة، لا تستطيع أن تقرأ العافية على أنها حكم بأنك أفضل من المريض.
وحين يستقيم لك بيت بينما يتألم بيت آخر، لا يجعل استقرارك منك أحق بالرحمة ممن ابتلي.
وحين يفتح لك باب كان مغلقا على غيرك، ليس لك أن تحول المفتاح إلى وسام.
لأن النعمة تخبرك يقينا بشيء واحد:
أن الله أنعم عليك.
أما لماذا أعطيت هذه النعمة بهذه الصورة، وما منزلتك الخاصة عند الله بسببها، وما منزلة من حرمها، فهذه معان لا يجوز أن تستخرجها من مجرد امتلاك الشيء.
وإلا أصبح الغني قادرا على الاستدلال بغناه على نفسه.
والصحيح قادرا على الاستدلال بصحته.
والناجح بنجاحه.
وكل صاحب حظ من الدنيا يستطيع أن يصنع من حظه دليلا على فضله.
ثم يصبح المحروم مطالبا أن يقرأ نقص الدنيا كأنه نقص فيه.
وهذا ميزان فاسد.
أخطر الاستحقاق أنه يغير معنى الفقد
قد تظن أن مشكلة الشعور بالاستحقاق هي الكبر فقط.
لكن له وجها آخر أشد إيلاما.
فمن اعتاد أن يرى النعمة شهادة على صلاحه، سيشعر عند فقدها كأن الشهادة سحبت منه.
وهنا تتضاعف المصيبة.
لا يخسر المال فقط.
يخسر معه شعوره بأنه «على ما يرام».
لا يتعطل أمر فقط.
بل يبدأ في الشك في نفسه وعلاقته بالله.
لا يتأخر مطلوب فقط.
بل يسمع في التأخير حكما لم يقله الله.
ولهذا فإن تحرير النعمة من معنى الاستحقاق يحميك في حالتين معا:
يحميك حين تأتي، من العجب.
ويحميك حين تذهب، من أن تجعل ذهابها إدانة.
فإذا كان وجودها فضلا، فإن زوالها لا يعني تلقائيا أنك أصبحت بلا قيمة.
وإذا كانت السعة لا تثبت وحدها الرضا الخاص، فالضيق لا يثبت وحده السخط.
وهذا ميزان يحتاجه القلب بشدة.
فالطاعة طاعة، والمعصية معصية، ولها أحكامها وآثارها، والإنسان مأمور بمحاسبة نفسه والتوبة من ذنبه.
لكن لا يجوز أن يحول كل تفصيل دنيوي إلى تقرير خاص عن منزلته عند الله بلا دليل.
لا تقل: أنا لا أستحق شيئا
وهنا يقع بعض الناس في الطرف الآخر.
حين يسمعون الكلام عن الاستحقاق، يظنون أن الشكر يقتضي أن يحتقر الإنسان نفسه:
أنا لا أساوي شيئا.
أنا لا أستحق أي خير.
أنا حقير أمام هذه النعمة.
وهذا ليس هو المعنى.
الإسلام لا يعلمك أن تهين الإنسان الذي كرمه الله.
المقصود أن تسقط دعوى الحق على الله، لا كرامتك التي منحك الله إياها.
أنت عبد له قيمة وحرمة ومسؤولية.
وقد تعمل عملا صالحا فيثيبك الله عليه.
وقد وعد سبحانه أهل الإيمان والطاعة بخير عظيم.
لكن حتى طاعتك نفسها تحتاج إلى توفيق منه.
ووجودك، وقدرتك، ووقتك، وعقلك، وإرادتك، والفرصة التي استطعت فيها أن تعمل… كلها لم تبدأ منك.
فلا يصبح الافتقار محوا للنفس.
بل معرفة لموضعها.
أنا أعمل.
وأبذل.
وأحسن.
وأرجو الثواب.
لكنني لا أقف أمام فضل الله ومعي فاتورة أقول:
لقد دفعت الثمن، والآن أعطني حقي.
استقبل النعمة بسؤال مختلف
حين تأتيك نعمة بعد اليوم، لا تسأل فقط:
لماذا أعطاني الله؟
فربما لا تعرف الحكمة الخاصة.
ولا تسارع إلى استخراج شهادة منها عن نفسك.
اسأل السؤال الذي علمتنا إياه الآية:
ماذا ستفعل هذه النعمة بي؟
هل ستجعلني أعرف المنعم أكثر؟
أم أعرف نفسي أكثر؟
هل سأشكر بها؟
أم سأبني بها شعورا صامتا بأنني أستحق؟
هل سأستخدمها فيما يرضيه؟
أم سأجعلها درجة أرتفع بها على خلقه؟
هل سأرحم من حرم منها؟
أم سأتخيل أن الفرق بيني وبينه دليل على فرق في القيمة؟
هذا هو الامتحان الذي يبدأ بعد وصول العطية.
وقد يكون من أجمل آثار الشكر أن تتغير الجملة في قلبك.
بدلا من:
«حصلت على هذا لأنني أهل له».
تقول:
«من فضل ربي».
وهذا المعنى نفسه يعيده القلب إلى أصله حين يتذكر فضل الله بعد النعمة، فلا يرى النتيجة وحدها وينسى منة الله التي سبقتها وأحاطت بها.
وبدلا من أن تنظر إلى من لم يعط مثل ما أعطيت من موقع أعلى، تنظر إليه وأنت تعرف أن توزيع الدنيا لم يسلم إليك معيار التفاضل بين العباد.
وبدلا من أن ترتعب إذا تغيرت الأحوال كأن درجتك عند الله هبطت مع رصيدك وصحتك ونجاحك، تعرف أن عبوديتك أعمق من تقلب هذه الأشياء.
فإذا أعطاك الله، اشكر.
وإذا تغيرت الحال، فاصبر وخذ بالأسباب وراجع نفسك فيما تعلم من تقصير، دون أن تخترع من الحدث حكما غيبيا عليك.
ولا تجعل الدنيا ورقة العلامات التي تعرف بها قيمتك عند الله.
فالعطية ليست وساما.
والحرمان ليس إدانة تلقائية.
والنعمة ليست أجرة سلمت إليك لأنك دفعت ثمنها كاملا.
هي فضل.
وحين تعرفها كذلك، يحدث للشكر شيء أعمق من مجرد قول «الحمد لله»:
تستقبل النعمة بيد مفتوحة…
لا بيد تحمل إيصال استحقاق.
فالنعمة التي تراها شهادة على فضلك تكبر بها نفسك؛ والنعمة التي تراها من فضل الله تكبر بها معرفة ربك.