حين تظن أن مراعاة المكسورين تقتضي أن تكسر فرحتك أنت
تأتيك البشارة التي انتظرتها.
ينفتح الباب. ينجح الأمر. يعود إلى جسدك شيء من العافية. يصل رزق أراحك. يتحقق لك ما كنت تسأل الله إياه.
وفي اللحظة الأولى يسبقك قلبك إلى الفرح.
ثم يحدث شيء غريب.
تتذكر شخصا لم يحصل على ما حصلت عليه.
إن كنت قد رُزقت، تذكرت من ما زال ينتظر. وإن تعافيت، مر في بالك من لا يزال يتألم. وإن نجح ولدك، تذكرت أما ما زالت تحمل هم ولدها. وإن استقرت حياتك بعد اضطراب، تذكرت من لا يزال في قلب العاصفة.
فتفعل شيئا لا يراه أحد:
تخفض صوت فرحتك في داخلك.
كأن شيئا يقول لك:
ليس من اللائق أن تفرح كثيرا.
كيف تفرح وهناك من يتألم؟
كيف تستمتع بما عندك وغيرك محروم منه؟
كيف تقول إنك سعيد، وأنت تعرف شخصا يتمنى نصف ما بين يديك؟
فتبدأ في الاعتذار عن النعمة التي لم تسرقها من أحد.
لا أمام الناس فقط.
بل أمام نفسك.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تشعر أن للفرح حصة محدودة
قد يتسلل إلى القلب تصور غريب:
كأن الفرح شيء موزع بين الناس بحصص.
فإذا أخذت أنت منه كثيرا، بقي للآخرين أقل.
وكأن حزنك إلى جوار المحروم يعيد إليه شيئا مما فقد.
وكأن شعورك بالذنب ثمن أخلاقي يجب أن تدفعه مقابل أن تكون حياتك في هذه اللحظة أيسر من حياته.
ولهذا قد يفرح الإنسان، ثم يراقب فرحه.
يبتسم… ثم يتراجع.
يستمتع… ثم يؤنبه شيء في داخله.
يحمد الله على عطية… ثم يشعر أنه ينبغي ألا يسترسل كثيرا في الشعور بها.
ليس لأنه متكبر.
بل ربما لأنه رحيم.
وهنا بالذات يمكن لمعنى جميل أن ينقلب على صاحبه.
فالرحمة بالناس شيء.
ومعاقبة نفسك على نعم الله شيء آخر.
والسؤال الكاشف هنا:
هل يحتاج من حُرم النعمة إلى أن تحرم نفسك من الفرح بها حتى تكون رحيما به؟
تأمل السؤال جيدا.
هل حزنُك سيعيد إلى المريض عافيته؟
هل خجلك من رزقك سيغني الفقير؟
هل رفضك أن تستمتع بأهلك سيعيد الغائب إلى من فقده؟
هل انطفاؤك إلى جوار المنكسر يجبر كسره؟
لا.
قد يحتاج منك شيئا آخر تماما:
ألا تتعالى عليه. ألا تستعرض أمامه ما يوجعه. ألا تفسر عطيتك بأنها دليل على أنك أفضل منه. أن تراعي موضع ألمه. أن تساعده إن استطعت. أن تدعو له. أن ترحمه.
لكن أيا من ذلك لا يحتاج منك أن تعاقب قلبك على نعمة ساقها الله إليك.
ليس كل صوت مرتفع فرحا محمودا… وليس كل فرح تباهيا
وهنا يلزم ميزان دقيق.
ليس المقصود أن تجعل كل نعمة مسرحا.
فقد يكون إظهار بعض الأشياء أمام بعض الناس جارحا.
وقد يكون الحديث عن نعمة في موضع معين استعراضا أو مباهاة أو قلة مراعاة.
وقد يفرح الإنسان بطريقة تنسيه المنعم، أو تجعله يرى نفسه أعلى من غيره.
هذا كله خلل.
لكن الخطأ المقابل أن تظن أن علاج البطر هو قتل الفرح.
هناك فرق بين أن تقول:
انظروا ماذا عندي.
وبين أن يقول قلبك:
يا رب، ما أطيب ما أعطيتني.
هناك فرق بين أن تستخدم النعمة لرفع نفسك على الناس، وبين أن تستقبلها بقلب منشرح شاكر.
وبين أن تراعي مشاعر من أمامك، وبين أن تتحول مراعاتك إلى أمر دائم لنفسك:
لا تفرح.
ليس المطلوب أن تخفض صوت النعمة في قلبك؛ المطلوب ألا تحولها إلى مكبر صوت فوق رؤوس الناس.
وهذا فرق بالغ الدقة.
فالتواضع لا يعني الجحود الوجداني.
والرحمة لا تعني أن تتظاهر بأن ما أعطاك الله لا يسرك.
الله لم يعلمك أن تستقبل فضله بالخجل
قال الله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[يونس: 58]
تأمل أن الفرح نفسه لم يُجعل معنى مشبوها في أصله.
هناك فرح محمود.
فرح يعرف مصدر ما وصل إليه.
فرح لا يقول:
أنا أفضل.
بل يقول:
الله تفضل.
فرح لا ينظر إلى المحروم من أعلى.
بل يعرف أن الذي أعطاه قادر أن يعطي غيره، وأن العبد لا يملك لنفسه خزائن الفضل.
هذا النوع من الفرح ليس خصما للشكر.
هو جزء من استقبال العطية.
فلو أهداك إنسان تحبه هدية، ثم وجدك تخفي سرورك بها خوفا من أن يبدو فرحك كثيرا، لكان في الأمر شيء غريب.
فكيف تتحول نعم الله أحيانا في أيدينا إلى أشياء نخشى أن نفرح بها؟
الشكر ليس أن تقول بلسانك:
الحمد لله.
بينما يقف قلبك على باب النعمة معتذرا عن دخوله.
ربما تعلمت أن الفرح يحتاج إلى اعتذار
بعض الناس عاش طويلا وسط الضيق حتى صار الفرح عنده شعورا غريبا.
لا يعرف كيف يسكن فيه.
إذا استقرت الأمور، شعر أنه ينبغي أن يتذكر شيئا يحزنه.
إذا ضحك كثيرا، مر بخاطره من لا يستطيع الضحك.
إذا اشترى شيئا يحبه، قارن نفسه بمن لا يستطيع شراءه.
إذا وجد راحة، شعر أن الراحة نوع من الأنانية لأن آخرين متعبون.
فتصبح النفس وكأنها لا تسمح لنفسها بالفرح إلا بعد أن تتأكد أن العالم كله بخير.
وهذا الشرط لن يتحقق.
في اللحظة التي تفرح فيها، هناك من يحزن في مكان ما.
وفي اليوم الذي تتعافى فيه، هناك من يمرض.
وفي الساعة التي يفتح لك فيها باب، يغلق على شخص آخر باب.
الدنيا لم تكن يوما مكانا تتزامن فيه أحوال الناس.
فإن جعلت سلامة الجميع شرطا لأن تسمح لنفسك بفرح شاكر، فقد منعت قلبك من استقبال كثير من فضل الله طوال حياته.
ولن يصبح العالم أرحم لأنك امتنعت عن الفرح.
قد يصبح فقط في العالم إنسان آخر أطفأ الله عنه بعض الكرب… ثم رفض أن يسمح للنور أن يصل إلى قلبه.
لا تخن النعمة باسم الوفاء للألم
وربما يكون أصعب من ذلك أن الإنسان نفسه قد مر بأيام قاسية.
ثم إذا جاء الفرج، شعر كأن فرحه خيانة للنسخة القديمة منه.
كيف أضحك بهذه السهولة بعد كل ما بكيت؟
كيف أستمتع الآن وكأن ما حدث لم يحدث؟
كيف أكون سعيدا بينما جزء مني ما زال يتذكر تلك الأيام؟
لكن التعافي لا يهين ألمك السابق.
والفرح اليوم لا ينكر أنك بكيت بالأمس.
وأخذ العافية حين تأتي لا يعني أنك قللت من شأن المرض الذي سبقها.
ليس الوفاء للألم أن تبقيه حيا بعد أن فتح الله لك بابا للخروج منه.
قد يبقى أثره.
وقد تعود بعض الذكريات.
لكن ليس عليك أن تجعل الحزن ضريبة تدفعها حتى تثبت أن ما مررت به كان حقيقيا.
دع الفرح يتحول إلى عبادة
حين يعطيك الله شيئا يفرحك، اسمح لقلبك أن يفرح.
ثم أعط الفرح اتجاهه الصحيح.
لا تجعله يتوقف عند النعمة.
ليصعد منها إلى المنعم.
إن وسع الله عليك، فافرح واشكر، واجعل في سعتك مساحة لإحسان.
إن عافاك، فافرح واشكر، وارحم من لا يزال مريضا.
إن أصلح لك بيتا أو ولدا أو علاقة، فافرح واشكر، ولا تجعل استقرارك سببا للحكم على من ابتلي في بيته.
إن أعطاك ما كنت تنتظر، فلا تخف من أن تقول في قلبك:
يا رب، أسعدتني.
هذه ليست جرأة على الله.
هذه معرفة بالعطية.
ثم إذا جلست مع من حُرم منها، غيّر طريقة التعبير لا حقيقة الشعور.
راع جرحه.
ولا تكذب على قلبك.
فيمكنك أن تكون ممتنا دون استعراض.
سعيدا دون بطر.
رحيما دون أن تتحول إلى حزين محترف.
متواضعا دون أن تعتذر عن فضل الله.
وهذه هي المساحة الناضجة التي قد تضيع بين طرفين:
طرف يتباهى بالنعمة حتى يؤذي بها الناس.
وطرف يخجل منها حتى يكاد يؤذي بها نفسه.
أما الشكر فيأخذ طريقا ثالثا:
يفتح قلبه للعطية، ويخفض جناحه للناس.
فلا تجعل في داخلك شرطيا يضع إصبعه دائما على زر خفض الفرح.
إذا أعطاك الله ما يسرك، فليس عليك أن تقابله بوجه داخلي متجهم حتى تثبت أنك عميق أو رحيم أو زاهد.
افرح.
ثم اشكر.
ثم أحسن.
فمن أجمل ما تصنعه النعمة في الإنسان ألا تنتهي عنده.
يدخل الفرح إلى قلبه، ثم يخرج منه رحمة.
لا تطفئ فرحك حتى تشعر مع المحروم؛ اجعل فرحك بالله منحة، وشكرك بالنعمة رحمة.