حين لا تكون مشكلة القلب أنه لا يقولها… بل أن أشياء كثيرة لم تعد تمر عليه أصلا بوصفها نعما
قد تستيقظ صباحا، تقوم من فراشك، تتحرك أطرافك، تشرب ماء، تسمع صوت من تحب، تفتح هاتفك، تجد بيتك كما تركته، وتبدأ يومك.
يمر كل هذا بلا حادثة تستحق التوقف.
ثم يحدث شيء جميل غير معتاد: يصل مال لم تكن تنتظره، ينجح أمر كنت تخشاه، تأتيك بشارة.
فتقول من قلبك:
الحمد لله.
والكلمة عظيمة.
لكن السؤال ليس: لماذا حمدت الله على البشارة؟
السؤال الأعمق:
لماذا احتاجت بعض النعم إلى أن تكون مفاجئة حتى تراها؟
فـالماء الذي شربته قبل قليل لم يكن أقل منة لأنه كان موجودا بالأمس.
والشخص الذي ما زال في حياتك لم يصبح أقل عطاء لأنك اعتدت صوته.
والجسد الذي أدى وظائفه بصمت لم يفقد كونه نعمة لأنه لم يرسل إليك صباحا إشعارا يقول: «ما زلت أعمل».
لكن شيئا يحدث مع التكرار.
النعمة التي تبقى طويلا قد تفقد في وعينا اسمها.
لا نفقدها هي.
نفقد التسمية.
فتنتقل في داخلنا، بهدوء، من خانة:
«هذا فضل»
إلى خانة:
«هذا هو الطبيعي».
وهنا يبدأ موضوع الشكر قبل أن يصل اللسان إلى كلمة واحدة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تصبح النعمة مجهولة المصدر
لكل شيء يدخل حياتك بطاقة اسم في قلبك، ولو لم ترها.
هذا رزق.
هذا جهد مني.
هذا حق طبيعي.
هذا فلان أعطاني إياه.
هذه مصادفة جيدة.
هذا شيء موجود منذ زمن.
وهذا من فضل الله.
وليست المشكلة في معرفة الأسباب.
أنت تعمل، ومن حقك أن ترى أثر عملك. وقد يحسن إليك إنسان، ومن الوفاء أن تعرف إحسانه وتشكره. وقد تتعلم وتخطط وتأخذ بالأسباب، ولا يطلب منك الإيمان أن تمحو كل ذلك.
لكن الخلل يبدأ حين تقف الأسباب في آخر السلسلة.
حين يصل الرزق إليك، فترى الراتب ولا ترى الرازق.
تشفى، فترى الدواء وحده.
ينجح الأمر، فترى ذكاءك وتخطيطك وحدهما.
يبقى شخص تحبه إلى جوارك سنوات، فترى وجوده كأنه جزء ثابت من تكوين العالم.
تنام آمنا، ثم تستيقظ آمنا، حتى يصبح الأمن خلفية لا تلفت النظر.
وحينها قد يكون اللسان كثير الحمد، لكن القلب يحتاج إلى استعادة شيء يسبق الحمد:
معرفة صاحب النعمة.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
[النحل: 53]
تأمل دقة المعنى.
لم يقل فقط إن النعم كثيرة.
أعاد كل نعمة إلى مصدرها.
فمن الله.
وهذه هي الحركة الأولى للشكر.
قبل أن تقول: الحمد لله، يحدث في القلب شيء:
هذا ليس مجهول المصدر.
هذا من الله.
بعض النعم لا نشكرها لأننا لم نعد نسميها نعما
وهنا يظهر السؤال الكاشف:
هل مشكلتنا أننا لا نشكر الله على النعم… أم أن كثيرا من نعمه لم تعد تدخل عندنا تحت اسم «النعمة» أصلا؟
قد لا تحتاج إلى أن تتعلم كلمات جديدة للحمد بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد أسماء أشياء قديمة.
أن تعيد تسمية النوم الذي يأتيك حين تحتاج إليه:
نعمة.
أن تعيد تسمية القدرة على المشي إلى المكان الذي تريد:
نعمة.
أن تعيد تسمية يوم مر ولم تدخل فيه مصيبة جديدة:
نعمة.
أن تعيد تسمية إنسان اعتدت وجوده حتى كدت تنسى أن وجوده نفسه قابل للفقد:
نعمة.
أن تعيد تسمية باب رزق صغير لم يعد يثير فيك دهشة لأنه يفتح كل يوم:
نعمة.
المؤلم أننا أحيانا لا نعيد هذه الأسماء إلى الأشياء إلا بعد أن تتغير.
تتعب قدمك، فتتذكر كم كانت نعمة أن تمشي دون أن تفكر في المشي.
يغيب شخص، فتكتشف أن صوته الذي كان جزءا عاديا من يومك كان هبة كاملة.
يضطرب أمر كنت تعده مضمونا، فتبدأ فجأة في عد الأيام التي كان فيها مستقرا.
كأن الفقد يعيد طباعة بطاقة الاسم التي محاها الاعتياد:
«هذه كانت نعمة».
لكن لماذا ننتظر الغياب حتى نصحح الاسم؟
الاعتياد لا يحول العطاء إلى استحقاق
هناك خدعة دقيقة يصنعها التكرار.
إذا أعطاك إنسان هدية اليوم، تراها هدية.
فإذا أعطاك مثلها كل يوم مدة طويلة، قد تبدأ بعد زمن في انتظارها.
ثم إن تأخرت يوما، ربما لا تشعر أنك فقدت هدية.
تشعر أن شيئا من حقك لم يصل.
لم تتغير طبيعة العطاء.
الذي تغير هو موضعه في وعيك.
وهكذا قد يفعل القلب مع أشياء كثيرة أدامها الله عليه.
تكرار النعمة قد يصنع وهم الاستحقاق.
كأن كون الشيء كان موجودا بالأمس يعني أنه ينبغي أن يكون موجودا اليوم.
وكأن اعتيادك عليه يعطيك حقا في استمراره.
لكن النعمة لا تتوقف عن كونها نعمة لأنها تكررت.
بل ربما كان تكرارها نعمة أخرى فوق أصلها.
العافية اليوم نعمة.
واستمرارها إلى الغد نعمة.
وأن تمر سنوات وأنت تستخدم شيئا من عطايا الله حتى تنسى أنك تستخدمه، ليس دليلا على أنه صار ملكا ذاتيا خارج فضل الله.
ولهذا فإن الشكر لا يبدأ باللسان فقط.
يبدأ حين يسحب القلب من النعمة بطاقة «مضمون»، ويعيد إليها بطاقة:
ممنوح.
ليس معنى ذلك أن تعيش خائفا من زوال كل شيء.
ولا أن تحول الشكر إلى قلق دائم:
ماذا لو فقدت صحتي؟
ماذا لو مات من أحب؟
ماذا لو انقطع رزقي؟
هذا ليس المقصود.
الشكر لا يحتاج أن تخيف نفسك بالنعم حتى تراها.
يكفي أن تراها وهي موجودة.
«الحمد لله» ليست تنبيها بعد وقوع الاستثناء
نقول «الحمد لله» كثيرا، وهذا من الخير.
لكن من أجمل ما يمكن أن يحدث لهذه الكلمة أن تتسع المساحة التي تسبقها.
ألا تخرج فقط عندما يأتيك شيء جديد.
بل عندما ترى القديم بعين جديدة.
الحمد لله على الأمر الذي طلبته ثم جاء.
والحمد لله على الأمر الذي لم تطلبه هذا الصباح لأنه كان موجودا أصلا.
الحمد لله على الباب الذي فتح.
والحمد لله على أبواب لم تضطر اليوم أن تقف أمامها لأن الله أبقاها مفتوحة منذ زمن.
الحمد لله على النعمة التي صنعت خبرا.
والحمد لله على آلاف النعم التي أدت عملها بصمت فلم تصنع خبرا.
وهنا يصبح الحمد أعمق من استجابة لحادثة جميلة.
يصبح طريقة في رؤية الحياة.
فأنت لا تنتظر أن تلمع النعمة حتى تراها.
ولا تنتظر أن تفقدها حتى تعرف اسمها.
أعد الأسماء إلى الأشياء
إذا أردت أن تدرب قلبك على الشكر، فلا تبدأ بقائمة ضخمة تحاول أن تستحضر فيها كل نعم حياتك.
ابدأ بأقرب شيء صار عاديا.
شيء مر عليك اليوم ولم يلفت نظرك.
ثم انزع عنه اسمه المعتاد للحظة.
لا تقل:
بيتي.
قل:
المكان الذي آواني الله إليه الليلة.
لا تقل:
صحتي.
قل:
الجسد الذي خدم حياتي اليوم دون أن أطلب من كل عضو فيه أن يؤدي وظيفته.
لا تقل:
فلان موجود.
قل:
إنسان أحبه، وقد أذن الله أن يكون اليوم أيضا في حياتي.
لا تقل:
راتبي وصل.
قل:
سبب رزق جرى الله به علي اليوم.
ليست الغاية تغيير المفردات.
الغاية تغيير النسبة.
أن تعود الأشياء من «هذا عندي» إلى:
«هذا آتاني الله إياه».
ومن «هكذا تسير الحياة» إلى:
«هكذا تفضل الله علي اليوم».
ومن «هذا مضمون» إلى:
«هذا فضل متجدد».
ثم قل:
الحمد لله.
ستبقى الكلمة هي الكلمة.
لكن القلب الذي يقولها لن يكون القلب نفسه.
فالشكر لا يبدأ حين يتحرك اللسان.
يبدأ قبل ذلك بلحظة، حين ينظر القلب إلى شيء اعتاده، ويرفض أن يتركه بلا اسم، ثم يكتب عليه من جديد:
هذه نعمة… وهذا من الله.
وعندها لا تعود «الحمد لله» مجرد كلمة تقولها بعد أن تلاحظ العطاء.
بل تصبح خاتمة صحيحة لرؤية بدأت قبل الكلام.
فأول الشكر أن تعرف النعمة نعمة، وأول معرفة النعمة أن تعرف ممن جاءت.