تأجيل الصدقة حتى الغنى قد يبدو وعدًا كريمًا، لكنه قد يترك النفس تتذوق صورة العطاء دون أن تتعلم فعله؛ فالسعة لا تفتح يدًا لم تتدرّب على الانفتاح.
يمد العبد يده وهي خفيفة، ويقول في ساعة الضيق:
يا رب، إن وسعت عليّ لأتصدقن، ولأقضين الحقوق، ولأكونن غير الذي أنا عليه الآن.
يبدو الوعد صادقًا؛ فاليد الفارغة لا تجد كثيرًا تخشى فقده، والنفس تنظر إلى مال لم يصل بعد فتراه سهل البذل. تتخيل السعة دون أن تشعر بثقل امتلاكها، وتقسم حصادًا لم تحمله بعد.
ثم يأتيها شيء من الفضل.
فتنطبق الأصابع عليه.
تقول النفس: هذا أول ما وصل، ولا يُعقل أن أنقصه الآن. أنتظر حتى يزداد، فإذا ازداد قالت: لقد كثرت الالتزامات. فإذا اتسعت المعيشة قالت: ينبغي أن أؤمّن المستقبل. وكلما امتلأت اليد، كثر ما تقوله لتبقى مغلقة.
لم تكن تنتظر حدًا معلومًا؛ كانت تؤجل لحظة الفتح.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الوعد الذي اختبرته السعة
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[التوبة: 75-76]
لم يكن الخلل في أن الفضل لم يأتهم؛ لقد أتاهم. ولم يكن الوعد غامضًا؛ لقد عاهدوا أن يتصدقوا ويكونوا من الصالحين. لكن النفس التي رسمت صورتها الكريمة قبل الامتلاك تغيّرت حين صار المال حاضرًا في يدها، فتحول ما كان يسهل الوعد به إلى شيء يشق عليها إخراجه.
وهنا يأتي السؤال الكاشف:
هل الذي يمنعك من العطاء قلة ما في يدك، أم أن يدك لم تتعلم أن تنفتح؟
تأجيل الصدقة حتى الغنى
قد يظن الإنسان أن السعة ستصنع فيه صفات لم يربّها في الضيق. يقول: إذا زاد دخلي سأصبح كريمًا، وإذا انتهت أزمتي سأقوم بحقوق الناس، وإذا استقرت حياتي سأتفرغ للطاعة، وإذا نلت ما أريد سأشكر الله كما ينبغي.
إنه لا يَعِد بفعل واحد فقط، بل يصنع في خياله نسخةً صالحة من نفسه، ثم يضع مفتاح ظهورها في خزانة الغد.
حين يصبح صلاح المستقبل بديلًا عن طاعة الحاضر
وهذا الوعد يريحه اليوم؛ لأنه يمنحه شعور الصالحين دون أن يدفع كلفة الصلاح. يتخيل صدقته، فيذوق شيئًا من رضا النفس عنها، مع أن مالًا لم يخرج. ويرسم وفاءه، فيشعر أنه وفيّ، مع أن الحق ما زال مؤجلًا. وهكذا قد يتحول صلاح المستقبل إلى بديل نفسي عن طاعة الحاضر.
السعة لا تصنع الكرم وحدها
لكن المال لا يعلّم اليد وحده كيف تنفتح؛ بل قد يزيد أسباب انقباضها. من لم يكن يخشى على القليل إلا قليلًا، قد يخشى على الكثير أكثر. تتسع الممتلكات، فتتسع معها الحاجات في نظره، ويصبح الرقم الذي كان يراه يومًا غنىً مجرد بداية لا تكفي. وكلما بلغ الحد الذي وعد نفسه عنده بالعطاء، نقل الحد إلى موضع أبعد.
ميزان القدرة بلا قسوة ولا تبرير
لا يعني هذا أن الفقير يستطيع ما يستطيعه الغني، ولا أن قلة المال عذر موهوم دائمًا. للقدرة أثر حقيقي، والسعة تفتح أبوابًا من الإحسان لا يملكها المعسر. وليس مذمومًا أن يسأل العبد ربه فضلًا، أو أن ينوي إذا وسع الله عليه أن يزيد من صدقته ونفعه.
إنما الخلل أن يجعل صلاحه كله معلقًا بما لم يأت، وأن يعفي نفسه من العمل الممكن بحجة انتظار القدرة الكاملة. فالعاجز عن الكثير قد يملك القليل، ومن لم يجد مالًا قد يملك وفاءً بحق آخر، لكن النفس أحيانًا لا تبحث عن الممكن؛ لأنها مشغولة بصورة كبيرة تؤجل بها البداية.
والآيات لا تمنحنا حق الحكم على قلب كل من بخل مرة، ولا تسمح بأن نرمي الناس بالنفاق لمجرد ضعف أو تردد؛ فذلك باب خطير، والله أعلم بالقلوب. لكنها تكشف خطورة العهد الذي تقطعه النفس في الضيق، ثم تعرض عنه عند السعة، وتوقظنا من الثقة بوعد لم يُختبر.
فالفرق كبير بين من غلبه ضعف فندم وجاهد نفسه، وبين من جعل الإعراض نظامًا مستقرًا، وكلما جاءه الفضل أعاد كتابة الوعد حتى لا يحين موعد الوفاء.
لحظة السعة الأولى
وقد يظهر هذا الخلل في لحظة شديدة الوضوح. يقبض الإنسان مالًا كان ينتظره، فيتذكر فورًا حقًا لله أو لعبد من عباد الله، ثم تبدأ المساومة الداخلية: سأخرج الحق بعد ترتيب بقية المصروفات، سأنتظر الصفقة التالية، سأعطي مبلغًا أكبر لاحقًا.
وتمضي لحظة السعة الأولى، ثم يدخل المال في حسابات الحياة، فيصعب إخراجه أكثر. كان الحق واضحًا وهو في أول اليد، ثم غطته التفاصيل حين استقر فيها.
درّب يدك قبل أن تمتلئ
لذلك يبدأ العلاج قبل أن تمتلئ اليد: لا تعاهد الله على صورة عظيمة من نفسك في المستقبل، ثم تترك حاضرَك بلا تدريب. لا تجعل الدعاء صفقة تقول فيها: أعطني لأطيعك؛ فالطاعة حق لله في السعة والضيق، والعبد مفتقر إلى ربه قبل العطاء وبعده.
افتح يدك الآن بما تقدر عليه، دون أن تضر بمن تلزمك نفقتهم، ودون أن تضيع واجبًا. إن وجبت عليك زكاة أو استقر في ذمتك دين أو حق، فليس ذلك موضع تفضّل تؤجله حتى تجود نفسك؛ بل يُؤدَّى وفق حكمه واستطاعتك. وإن كان الباب صدقة تطوع، فاجعل لك منها قدرًا يناسب حالك، ولو كان قليلًا، حتى تتعلم النفس أن العطاء فعل حاضر لا قصة مؤجلة.
اجعل الشكر حركة في اليد
وحين يأتيك فضل كنت تنتظره، فأدِّ الحق قبل أن تبدأ النفس في توسيع معنى الضرورة. لا تترك كل المال يختلط بمصروفاتك، ثم تطلب من قلبك بعد ذلك أن ينتزعه منها. حدّد ما عليك بوضوح، وأخرجه في وقته، واجعل الشكر حركة في اليد، لا عبارة تمر على اللسان.
أعط لله لا لتفرض نتيجة
ولا تعط لتلزم الله بزيادة دنيوية، ولا تجعل الصدقة ثمنًا لنتيجة بعينها. أعط لأن الله أمر، ولأن المال ماله استخلفك فيه، ولأنك ترجو ثوابه ورضاه. قد يبارك الله لعبده على وجوه يعلمها، لكنك لا تفرض على فضله صورة ولا موعدًا.
إذا وعدت ثم قصرت
وإذا كنت قد وعدت ثم قصرت، فلا تجعل الآية بابًا إلى اليأس. اعترف بالتقصير، وتب إلى الله، وأدِّ ما وجب عليك، وابدأ بما تستطيع من الخير. وإن كان ما صدر منك نذرًا منعقدًا أو عهدًا له حكم شرعي، فاسأل أهل العلم عن الواجب فيه، ولا تكتفِ بالندم المجرد.
السعة لا تصنع عبدًا آخر؛ إنها تكشف ما درّب العبد قلبه ويده عليه قبلها. ومن أراد أن يكون كريمًا حين يكثر المال، فليبدأ بتربية يده على الصدق حين يقل.
لا تنتظر امتلاء اليد حتى تتعلم الانفتاح؛ فقد تمتلئ وهي أشد انقباضًا. افتحها اليوم بما تقدر عليه، فإذا جاء فضل الله وجد يدًا تعرف كيف تشكر.