الغفلة عن النعم اليومية لا تعني دائمًا إنكار العطاء؛ فقد يكون فضل الله حاضرًا إلى درجة أن الاعتياد حجبه عن الانتباه، فلا يراه القلب إلا حين يتعطل شيء منه.
ينقطع التيار فجأة في ليلة هادئة.
تنطفئ المصابيح، ويسكن صوت الأجهزة، ويتوقف الهواء الذي كان يلطّف الغرفة، وتظهر في لحظة واحدة أعمال كثيرة كان يؤديها شيء لا تراه.
قبل الانقطاع، لم يكن أحد يفكر في التيار وهو يسري داخل الجدران. كان الضوء حاضرًا إلى درجة أنه اختفى من الانتباه، وكانت الأجهزة تعمل في صمت حتى ظن أهل البيت أن عملها هو الوضع الطبيعي الذي لا يحتاج إلى التفات.
ثم جاءت لحظة الظلام، فكشفت مقدار ما كان حاضرًا.
وحين يعود التيار، يفرح به الجميع دقائق، ثم يرجع الضوء إلى صمته، وتعود النعمة إلى المكان الذي لا يراه القلب ما دامت تعمل بلا انقطاع.
هكذا قد تمر أيام الإنسان وهو محاط بعطاء الله، لكنه لا ينتبه إلا إلى ما تعطل منه.
يستيقظ وقد ظل قلبه ينبض، ورئتاه تتنفسان، وأعضاؤه تحفظ توازنها طوال الليل، دون تدبير منه أو أمر. يفتح عينيه، ويحرك يده، ويعرف من حوله، ويجد بابًا يغلقه، وطعامًا يبلغه، وقدرةً على أن يطلب حاجته. ثم يمضي فوق هذه النعم كلها إلى أمر واحد لم يتم، فيملأ ذلك الأمر مساحة الشعور كأن البيت كله قد أظلم.
وهنا يأتي السؤال الكاشف:
هل قلّ النور حولك، أم أن قلبك لا ينتبه إلا حين ينطفئ؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
كيف يحجب الاعتياد النعمة؟
ليس سبب الغفلة دائمًا قسوة متعمدة أو جحودًا صريحًا. قد يكون استمرار النعمة نفسه هو الذي أخفاها عن الانتباه. فما يتكرر كل يوم تفقده النفس من قائمة العطايا، وتضعه في قائمة المسلّمات. لا يعود البصر نعمة، بل يصبح «بصري». ولا يعود البيت فضلًا، بل يصبح «بيتي». ولا يعود وجود من نحب رحمةً متجددة، بل يتحول إلى جزء ثابت من ترتيب الحياة.
ثم إذا اختل شيء منها، عرفنا فجأة أنه لم يكن ثابتًا بذاته.
نعمة واحدة لا تُحصى تفاصيلها
قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النحل: 18]
ومن لطائف التعبير أن الآية جاءت بلفظ: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مفردًا؛ فالعبد يعجز عن إحصاء نعم الله جملةً، بل إن النعمة الواحدة إذا تأمل تفاصيلها وجد وراءها من وجوه الفضل ما لا يكاد يحصيه. لقمة واحدة وراءها جسد قادر على المضغ والبلع والهضم، ومال بلغك، ويد حملتها، وأمن أتاح لك أن تأكلها. وما يبدو عطاءً واحدًا قد يكون في داخله غرف كثيرة مضاءة لا تراها العين مجتمعة.
بقاء النعمة عطاء متجدد
ونحن ننتبه عادةً إلى النعمة حين تدخل حياتنا لأول مرة. نفرح بالبيت يوم نسكنه، وبالعمل يوم نحصل عليه، وبالعافية يوم نخرج من المرض، وبوجود الإنسان يوم نلقاه بعد خوف. ثم يمر الزمن، فيهدأ صوت الفرح، ويظن القلب أن العطاء القديم لم يعد عطاءً.
لكن بقاء النعمة ليس فراغًا بين عطائين. استمرارها نفسه افتقار إلى حفظ الله في كل لحظة. فالشيء الذي وجد بالأمس لا يملك ضمان الغد، والعبد لا يستبقي نعمةً بقوته، وإن كان مأمورًا بحفظ الأسباب والقيام بما يستطيع.
حين يصبح المفقود أعلى صوتًا من الموجود
ومن خداع الاعتياد أنه يجعل المفقود أعلى صوتًا من الموجود. غرفة واحدة مظلمة تستولي على النظر، مع أن بقية البيت مضاء. يرى الإنسان مالًا لم يأته، فيغيب عنه ما كفاه الله به حتى اليوم. ينتظر شخصًا لم يدخل حياته، فيبهت في عينه من أحاطوه بالمودة. يتألم من عضو اعتل، وقد يكون في جسده من العافية ما لا يزال يحمله ويعينه.
ميزان الشكر والألم
ولا يعني ذلك أن الغرفة المظلمة غير مؤلمة. قد يكون المفقود عزيزًا، والحاجة شديدة، والبلاء ثقيلًا. الشكر لا يطلب من المبتلى أن يسمي الظلام ضوءًا، ولا أن ينكر وجعه، ولا أن يبتسم قسرًا بينما قلبه يتألم. وقد حكى الله عن يعقوب عليه السلام أنه بث حزنه وشكواه إلى الله، وسأل الأنبياء ربهم الفرج؛ فلم يكن صدق الألم جحودًا للنعم.
إنما الشكر يمنع الغرفة التي أظلمت من أن تقنعك بأن البيت كله بلا نور.
قد تقول: الحمد لله، وأنا موجوع. وقد تسأل الله ما فقدت، وأنت تعترف بما أبقى. وقد تجتمع في القلب دمعة على باب مغلق، وسجدة شكر على أبواب ما زالت مفتوحة. هذا ليس تناقضًا؛ بل هو رؤية كاملة لا يمحو فيها الألم العطاء، ولا يمحو العطاء الألم.
رؤية ما يعمل في حياتك بصمت
ومن هنا، قد لا يكون أول ما يحتاجه القلب نعمةً جديدة؛ بل أن يرى ما يعمل في حياته بصمت. فنحن نطلب من الله أحيانًا أن يضيء لنا موضعًا آخر، بينما لم نشكره على غرف مضاءة نسكنها كل يوم. نرفع أعيننا إلى بيوت الناس، فنرى ما يسطع عندهم، ولا نرى التيار الخفي الذي يحمل حياتنا نحن.
كيف تستعيد رؤية النعم؟
وليس العلاج أن تعدّ النعم عدًا متوترًا، أو تفتش في كل لحظة عن شعور كبير لا تجده. الشكر عبادة، وقد يبدأ بفعل هادئ وإن لم يصاحبه انفعال شديد.
اختر وقتًا قصيرًا من يومك، ومرّ بقلبك على ما يعمل في حياتك دون ضجيج. سمّ نعمة محددة بدل الحمد العام الذي يجري على اللسان دون حضور: الحمد لله أنني استيقظت، الحمد لله على من بقي من أهلي، الحمد لله على قدرةٍ ما زالت في جسدي، الحمد لله على ستر لم ينكشف، والحمد لله الذي ستر ذنبي، وفتح لي باب التوبة منه.
اجعل الشكر حسن استعمال
ثم لا تترك الشكر كلمةً أمام الضوء؛ اجعله حسن استعمال له. شكر العافية أن تستعين بها على الطاعة، وشكر المال أن تؤدي حق الله وحقوق الناس فيه، وشكر الوقت ألا تبدده كله فيما لا ينفع، وشكر من يحبك أن تحفظ وده قبل أن يتحول وجوده إلى عادة.
اطلب الضوء دون أن تطفئ بقية الغرف
وإذا عرفت نعمةً جاءت عن طريق إنسان، فاشكر الله أولًا، ثم اشكر من أجرى الله الخير على يده، دون أن تنسب إليه ما لا يملكه. وإذا رأيت نقصًا، فاسع في إصلاحه دون أن تجعل السعي ستارًا يحجب الموجود. اطلب الغرفة التي تحتاج إلى الضوء، لكن لا تطفئ بقلبك بقية الغرف.
قد لا يزيد ما في يدك هذه اللحظة، لكن رؤيتك له تتغير. وما كان خلف الاعتياد يعود إلى موضعه الصحيح: فضلًا من الله، لا حقًا مضمونًا، وأمانةً تُستعمل، لا أثاثًا ثابتًا لا يزول.
لا تنتظر انطفاء الغرفة لتعرف أنها كانت مضاءة؛ تعلّم أن ترى عطاء الله وهو يعمل في صمت، وأن تقول قبل أن تفقد شيئًا: الحمد لله الذي أبقاه إلى هذه اللحظة.