الغلو في الأشخاص: حين تصبح اللافتة هي الوجهة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

الغلو في الأشخاص قد يبدأ حين تدفعنا كلمة نافعة إلى رفع قائلها فوق مقامه البشري؛ فننسى أن الكلمة سبب، وأن المنعم والتوفيق من الله.

مسافر يقف عند لافتة طريق بينما يمتد أمامه طريق مضاء، تعبيرًا عن الغلو في الأشخاص وتحويل الدال إلى وجهة

يمضي مسافر في طريقٍ اضطربت عليه معالمه، حتى يبلغ مفترقًا لا يعرف أي جهة يسلك.

ثم يرى لافتة صغيرة على جانب الطريق تشير إلى الاتجاه الصحيح.

يقرأها، فيزول شيء من حيرته، ويستعيد سيره. كانت اللافتة سببًا نافعًا في لحظة احتاج فيها إلى الدلالة؛ لكنها لم تنشئ الطريق، ولم تصنع الوجهة، ولم تحمل المسافر إليها. أدت مهمتها حين أشارت، وأدى هو مهمته حين فهم الإشارة ومضى.

لكن المسافر قد ينسى الطريق من شدة فرحه باللافتة. فيبقى واقفًا عندها، ويظن أن نجاته كلها خرجت منها، ثم يمنحها من المعاني ما لا تملكه، حتى تصبح الإشارة في قلبه أعظم من الجهة التي دلّت عليها.

وهكذا قد يقع القلب حين تنفعه كلمة في وقت شدة.

يكون الإنسان في حيرة، أو خوف، أو فتور، ثم يقرأ عبارة تضع يدها على موضع ألمه. يبكي، ويسكن شيء في صدره، ويشعر أن الكلام جاء في اللحظة التي كان أحوج ما يكون إليه. وقد تكون الكلمة حقًا، وقائلها صادقًا، وأثرها عظيمًا بإذن الله.

لكن شدة الأثر قد تدفع القلب إلى تجاوز حد الشكر، فيرفع قائل الكلمة فوق مقامه البشري. يظن أنه يعرف خفايا النفوس، أو أن كل ما يقوله رسالة خاصة إليه، أو أن إصابته في موضع واحد دليل على صحة كل ما يصدر عنه. وربما نسب إليه من التثبيت والبشرى والهداية ما لا يجوز أن يُنسب استقلالًا إلا إلى الله.

وهنا يأتي السؤال الكاشف:

هل دفعتك الكلمة إلى الله، أم أوقفتك عند الإنسان الذي قالها؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

رد النعمة إلى الله

قال الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

[النحل: 53]

كل نعمة وصلت إليك فمن الله: المعنى النافع، والقلب الذي فهمه، والوقت الذي وقع فيه، والقبول الذي فتح له موضعًا في صدرك. قد يقدّر الله أن تكون كلمة إنسان سببًا في تنبيهك، لكن نفع السبب لا ينقله من مقام العبودية، ولا يجعل ما جرى على لسانه خارجًا عن تقدير الله وفضله.

فاللافتة تدل، أما التوفيق إلى الطريق فمن الله.

الكلمة النافعة ليست خطابًا غيبيًا خاصًا

وقد يكتب الكاتب كلامًا عامًا لا يعرف من سيقرؤه، ثم يقع في قلب إنسان كأنه كُتب لحاله. ليس في ذلك دليل على أن الكاتب يعلم وجعه، ولا أنه اطّلع على سره، ولا أن الكلمة خطاب غيبي خُص به القارئ. إنما قد يقدّر الله أن يلتقي معنى نافع بحاجة موجودة في قلب، فيحصل الأثر بإذنه.

ومن الضبط أن نقول: نفعني الله بهذه الكلمة. ولا نجزم بأن الله أرسل هذا المنشور بعينه رسالة خاصة إلينا، أو أن قائله أُلهم تفاصيل حالنا، ما لم يوجد على ذلك دليل معتبر. نحن نثبت النعمة، ونشكر الله عليها، دون أن نبني حولها دعوى في الغيب.

شكر السبب لا يعني الغلو فيه

لكن رد الفضل إلى الله لا يعني جحود الإنسان الذي كان سببًا. قال رسول الله ﷺ:

«لا يشكر الله من لا يشكر الناس»

رواه أبو داود والترمذي

فتشكر من كتب، وتدعو له، وتذكر الخير الذي وجدته في كلامه بصدق. تقول: جزاك الله خيرًا، نفعني الله بكلمتك، أحسنت البيان، أو فتحت لي معنى كنت غافلًا عنه. هذا شكر مشروع يحفظ للسبب قدره دون أن يمنحه ما ليس له.

متى يتحول الامتنان إلى غلو في الأشخاص؟

المشكلة لا تبدأ من المحبة، ولا من الامتنان، ولا من الثناء المنضبط؛ بل من الغلو الذي يغيّر مقام الدال إلى مقام الوجهة. حين يصبح تعلقك بالشخص أكبر من تعلقك بالحق الذي دلّك عليه، وحين تتلقى كل كلامه بلا ميزان لأن كلمة سابقة أصابت موضعًا منك، وحين يصعب عليك قبول خطئه لأنك ربطت سكينتك بصورته.

خذ الحق واترك العصمة للبشر

قد تكون اللافتة صحيحة في اتجاه، ثم يصيبها خلل في اتجاه آخر. وقد يكون الكاتب موفقًا في مقالة، ثم يخطئ في عبارة أو اجتهاد. نفعك السابق لا يجعل قوله اللاحق معصومًا، كما أن خطأه اللاحق لا يلزم أن يمحو كل خير سبق منه. ميزان العدل أن تقبل الحق بدليله، وترد الخطأ بأدب، وتبقي الإنسان في منزلته التي لا تخرجه من البشرية.

فالكاتب الذي رقّق قلبك بشر يصيب ويخطئ، والذي ذكّرك بالافتقار محتاج إلى الافتقار مثلك، والذي دعاك إلى التوبة لا يستغني عن التوبة. وقد يكتب عن معنى يجاهده ولم يبلغه كما ينبغي. هذا لا يبطل الكلمة الصحيحة، لكنه يمنعك من صناعة صورة لا يقدر بشر على حملها.

حين يهتز الرمز الذي جعلته وجهتك

وكلما رفعت إنسانًا فوق مقامه، عرّضت قلبك لاضطراب مؤلم. لأنك ستكتشف يومًا نقصًا لم تضع له مكانًا في الصورة، أو تسمع منه ما لا يوافق الحق، أو لا تجد في كلامه الأثر الذي اعتدته. فإذا كان إيمانك متعلقًا بالوجهة، بقيت منتفعًا بما صح، متزنًا أمام ما أخطأ. أما إذا صار الدليل نفسه وجهتك، فقد تهتز مع كل اهتزاز يصيبه.

تكريم البشر لا يكون برفعهم فوق مقامهم

ولا يجوز أن تدفعنا شدة التأثر إلى تشبيه بشر بالملائكة، أو نسبة ما خصّهم الله به من وظائف وأوصاف إلى بشر، أو استعمال عبارات تخرجه عن مقامه. الملائكة خلق من خلق الله، لهم أوصافهم ووظائفهم التي أخبر بها الوحي، والإنسان إنما يقول كلمة قد يجعلها الله سببًا في تثبيت قلب. تكريم البشر لا يحتاج إلى رفعهم بما لم يثبت لهم؛ بل من حسن محبتهم أن نحفظ لهم عبوديتهم، وألا نحملهم ثناءً يضرهم أو يفتن من يتعلق بهم.

ومن صدق في دلالته إلى الله لا يرضى أن يصبح هو الوجهة. إذا بالغ الناس فيه، ردّ الفضل إلى الله، وصحح العبارة، ولم يتغذَّ قلبه على الغلو. لا يحتقر أثر الكلمة، لكنه يعرف حدها؛ ولا يجحد نعمة الله عليه، لكنه لا يسمح أن تتحول النعمة إلى تعظيم لشخصه.

كيف تنتفع بالكلمة دون أن تتعلق بقائلها؟

أما علاج القلب المنتفع، فيبدأ من لحظة الأثر نفسها. حين تهزك كلمة، لا تذهب أولًا إلى تعظيم قائلها؛ ارفع الحمد لله الذي فتح لك بها معنى. ثم خذ الإشارة التي حملتها وامض بها: إن ذكرتك بصلاة فحافظ عليها، وإن كشفت لك ذنبًا فتب منه، وإن دلتك على افتقار فادع الله واستعن به. قيمة اللافتة أن تغيّر اتجاه السير، لا أن تزيد مدة الوقوف أمامها.

ثم اشكر صاحبها في حدوده، من غير مبالغة ولا أوصاف موهمة. وازن كلامه بعد ذلك بالوحي والعلم الصحيح، ولا تجعل تأثرك السابق تفويضًا دائمًا لعقلك وقلبك. وانتفع من غير تعلق، وأحب من غير غلو، وادع له من غير أن تنسب إليه ما ليس له.

اشكر الدال وتجاوز إلى الوجهة

إذا نفعك الله بكلمة، فقد أكرمك بالمعنى، وأكرم قائلها بأن جعله سببًا. فلا تجحد السبب، ولا تنسَ المسبّب، ولا تنزع اللافتة من جانب الطريق لتعلقها في قلبك.

اشكر من دلّك، ثم تجاوزه إلى الجهة التي دلّك عليها؛ فالكلمة سبب، وقائلها بشر، والمنعم أولًا وآخرًا هو الله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0