في آخر الليل، يكون المصباح قد أنفق كثيرًا من زيته.
لا يزال زجاجه دافئًا، وفي فتيله بقية ضوء، فيظن من ينظر إليه أنه قادر على مواصلة الاشتعال كما كان. لكن الصباح إذا جاء، لم تنفعه حرارة الأمس إن لم يُتعاهد: يُملأ زيته، ويُهذّب فتيله، ويُنظف زجاجه مما علق به من دخان.
وهكذا قد يدخل الإنسان يومه.
يستيقظ وفي داخله أثر طاعة سابقة، أو عزيمة وُلدت في ليلة مؤثرة، أو نجاح جعله يثق بحسن تدبيره، أو ثبات نجا به من فتنة بالأمس. فيظن أن ما حصل عليه صار مخزونًا ذاتيًا يكفيه، وأن قلبه سيبقى مستقيمًا بقوة القرار الذي اتخذه، وأن بصيرته لن تخطئ لأنها أصابت مرة.
ثم يمضي في يومه دون أن يستعين.
يخطط وحده، ويقرر وحده، ويواجه شهوته وحده، ويدخل مواطن الغضب والمدح والمال والاختيار متكئًا على ما يعرفه عن نفسه. لا يرفض عون الله بلسانه، لكنه يتصرف كأن المصباح يستطيع أن يستخرج زيته من فتيله.
وهنا يأتي السؤال الكاشف:
بأي نور تدخل يومك: بعونٍ تسأله من الله، أم بما بقي فيك من زيت الأمس؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الافتقار ليس حالة طارئة
الافتقار إلى الله ليس حالة طارئة يستدعيها العبد حين تنطفئ الأنوار كلها، ثم يطويها عندما تستقر أموره. إنه معرفة يومية بأنك لا تستقل بهداية قلبك، ولا ثبات إرادتك، ولا سلامة قرارك، ولا إخلاص عملك، وإن امتلكت من العلم والخبرة والأسباب ما امتلكت.
قد تعرف الحق، ثم تضعف عن اتباعه.
وقد تعزم بصدق، ثم تخور عند أول إغراء.
وقد تبدأ العمل لله، ثم يعلو دخان الثناء على زجاج نيتك.
وقد تملك العبارة الحكيمة، ثم تقول في لحظة غضب ما تندم عليه.
فالمشكلة ليست دائمًا أنك لا تعرف ما ينبغي فعله؛ بل أنك تتعامل أحيانًا مع المعرفة كأنها قوة التنفيذ، ومع العزم كأنه ضمان الثبات، ومع تجربة النجاة السابقة كأنها عصمة من السقوط القادم.
لا تكلني إلى نفسي طرفة عين
ومن هنا جاء في الدعاء النبوي: لا تكلني إلى نفسي:
«اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» رواه أبو داود.
طرفة عين.
ليست سنةً كاملة، ولا شهرًا، ولا يومًا؛ بل اللحظة الصغيرة التي قد يظن الإنسان أنه يستطيع عبورها وحده.
لأن النفس إذا وُكلت إلى علمها قد تغتر، وإذا وُكلت إلى قوتها قد تعجز، وإذا وُكلت إلى هواها قد تزيّن لنفسها ما يضرها، وإذا وُكلت إلى صلاحها السابق قد ترى دخانها نورًا.
الافتقار لا يطفئ الإرادة
ولا يعني هذا أن الإنسان بلا إرادة، أو أن عليه أن يترك التخطيط والعمل منتظرًا قوةً تهبط عليه دون سعي. أنت مأمور أن تتحرك، وتتعلم، وتحذر، وتجاهد، وتأخذ بالأسباب.
لكنك تفعل ذلك مستعينًا لا مستقلًا، وباذلًا لا مدعيًا أن البذل يخلق نتيجته بنفسه.
الافتقار لا يطفئ فتيل الإرادة؛ بل يمنعه من ادعاء أنه مصدر الضوء.
الافتقار ليس احتقارًا للنفس
وقد يختلط افتقار العبد أحيانًا بـاحتقار النفس. يكرر أنه ضعيف وعاجز، لكنه لا يقوم إلى إصلاح شيء. وربما جعل اعترافه بفقره عذرًا لترك المجاهدة: أنا لا أستطيع إلا إذا أعانني الله.
وهذا كلام حق استُعمل في غير موضعه؛ فطلب المعونة نفسه عبادة، وبذل السبب من صدق الطلب.
من سأل الله الثبات ثم أبقى الفتيل غارقًا في الإهمال، وعرّضه لكل ريح، ولم يملأ المصباح بما يستطيع من طاعة وعلم وصحبة صالحة؛ لم يفهم معنى الاستعانة كما ينبغي.
أنت لا تملأ الزيت لأنك مستغنٍ به عن الله، ولا تتركه لأن الله قادر على أن يضيء دون أسباب. تفعل ما أُمرت به، وتعلم أن نفع ما تفعل وتوفيقك إليه بيد الله.
تعاهد زيت المصباح في أول اليوم
والافتقار اليومي لا يحتاج إلى حالة وجدانية هائلة. لا يلزم أن تبكي كل صباح لتكون صادقًا، ولا أن تشعر في كل لحظة بانكسار شديد.
فقد يكون الافتقار قرارًا هادئًا متكررًا: ألّا تبدأ يومك كأنك مالك قلبك، وألّا تدخل عملك كأنك ضامن حكمتك، وألّا تواجه ضعفك كأنك قد تجاوزته إلى الأبد.
ابدأ بتعاهد زيت المصباح قبل أن يزدحم النهار.
حين تستيقظ، وقبل أن تتلقفك الرسائل والمهام، قف لحظات صادقة بين يدي الله. قل دعاء الاستعانة وأنت تستحضر موضع حاجتك، لا بوصفه كلمات صباحية تمر على اللسان.
اسأله أن يصلح قلبك، وقصدك، وقرارك، ولسانك، وما تعلم من شأنك وما لا تعلم.
لا تطلب إعانةً عامة فقط، ثم تنسى موضع ضعفك الخاص.
إذا كنت تخشى غضبك، فاسأل الله حلمًا وضبطًا.
وإذا كنت تخشى شهوةً اعتدت السقوط فيها، فاسأله العفاف والثبات، ثم أبعد أسبابها.
وإذا كنت مقبلًا على عمل، فاسأله صدق النية وحسن الأداء والسلامة من الظلم والعُجب.
تعاهد الفتيل عند التحولات
ثم تعاهد الفتيل عند الانتقالات الصغيرة في يومك.
قبل قرار مؤثر، أو حديث تخشى أن يخرج فيه لسانك عن العدل، أو موقف يوقظ شهوتك، أو مدح يهدد إخلاصك؛ توقف لحظة وقل بقلب حاضر:
يا رب، أعنّي ولا تكلني إلى نفسي.
لا تحتاج هذه الوقفة إلى مشهد طويل.
لحظة صادقة قد تعيد القلب إلى موضع العبودية قبل أن يتصرف من موضع الغفلة.
افتقار بلا وسواس
لكن لا تحوّل الاستعانة إلى قلق يفتش في كل حركة، ولا تجعل كل خاطر علامةً على أنك تُركت لنفسك.
الافتقار رجاء والتجاء، لا وسواس ومراقبة مذعورة.
والزلّة لا تمنحك علمًا بأن الله وكلك إلى نفسك، كما أن سلامة موقف واحد لا تثبت أنك صرت آمنًا من الفتنة.
أنت عبد يجاهد، ويخطئ، ويستغفر، ويطلب العون دون أن يحكم على الغيب.
احفظ زجاج المصباح من الدخان
واحفظ زجاج المصباح من مواطن الدخان.
فالعبد قد يسأل الله صفاء قلبه، ثم يملأ يومه بما يعكره. يطلب الثبات، ثم يقترب كل مرة من الأسباب التي عرف ضعف نفسه أمامها. يطلب الإخلاص، ثم يلاحق الثناء، ويعيد النظر في أثر عمله ليطمئن إلى مكانته في أعين الناس.
من صدق الافتقار أن تبني حول ضعفك حماية عملية: تضبط وقتك، وتغلق منفذ الفتنة، وتختار من يعينك، وتبتعد عن البيئة التي تثير أسوأ ما فيك، وتتعلم ما تجهله، وتستشير حين يلتبس عليك الأمر.
هذه الأسباب لا تناقض افتقارك، بل تمنعك من تحويل الدعاء إلى كلمات لا يتبعها جهاد.
محاسبة المساء
وعند المساء، لا تُطفئ المصباح وتغادر يومك دون مراجعة.
انظر بهدوء إلى مواضع الضوء والدخان: أين وُفقت فاحمد الله، وأين قصرت فاستغفره، وأين اندفعت مع نفسك فاعرف المدخل قبل أن يتكرر غدًا.
لا تجعل المحاسبة محاكمةً طويلة تستنزفك، بل تنظيفًا صادقًا يزيل ما علق بالزجاج ويهيئه ليوم جديد.
وإذا وفقت إلى خير، فلا تدّخره في نفسك بوصفه زيتًا مضمونًا للغد. احمد الله عليه، واسأله الثبات، واعلم أن طاعة الأمس لا تلغي حاجتك إلى عون اليوم.
وإذا أخطأت، فلا تكسر المصباح لأن دخانه كثر. أصلح ما استطعت، وتب، وجدّد الاستعانة.
فالافتقار ليس ادعاء أنك لن تضعف، بل ألّا تجعل ضعفك يدفعك بعيدًا عمن بيده إصلاحك.
اقرأ أيضًا
- لا تكلني إلى نفسي: خطر الاغترار بالقوة الذاتية
- الفقر الذي لا يغادرك: أن تعرق جوارحك ويسجد قلبك
- الغفلة في العافية: حين ينام الافتقار في الأيام الهادئة
لا تعش بزيت الأمس
هكذا يُربّي العبد افتقاره: دعاءٌ واعٍ في أول يومه، واستعانة عند مواطن التحول، وأسباب تحرس قلبه، ومحاسبة هادئة في آخره.
كل صباح يملأ المصباح، لا لأنه يعبد الزيت، بل لأنه مأمور بتعاهده.
وكل مساء ينظف زجاجه، لا لأنه قادر على خلق النور، بل لأنه لا يريد أن يكون إهماله حجابًا يحول بينه وبين ما منحه الله.
ثم ينام وهو لا يثق بحرارة الفتيل الباقية، ولا ييأس من دخانٍ علق به؛ بل يسلّم قلبه لربه، ويردد بصدق:
اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين؛ فلا نورَ لي إلا ما أعنتني على حمله، ولا ثباتَ لي إلا ما ثبّتني عليه.