الفقر الذي لا يغادرك ليس شعورًا عابرًا يظهر حين تسقط الأسباب، بل حقيقة ملازمة للإنسان في قوته وضعفه. والافتقار الصحيح أن تبذل الجوارح وسعها، بينما يبقى القلب ساجدًا لله قبل السبب ومعه وبعده.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
أن تعرق جوارحك، ويسجد قلبك
كان كلُّ شيء يسير كما رتَّبتَه.
الخطة واضحة، والأسباب متاحة، والأبواب تبدو قريبة، وفي يدك من الخبرة والقدرة ما يُخيَّل إليك معه أن الأمر قد حُسم، ولم يبقَ إلا أن تأتي النتيجة في موعدها.
ثم حدث ما لم تحسبه.
تأخَّر الرد، وانسحب الشخص الذي بنيتَ عليه، وتعطَّل السبب الذي ظننته ثابتًا، وانغلق الباب قبل أن تبلغَه، ووقفتَ فجأة أمام حياتك كأنك لا تعرف كيف تُدار.
عندها فقط شعرتَ بحاجتك إلى الله.
رفعتَ يديك، وأطلتَ الدعاء، وانكسر صوتك، وأدركتَ أنك عاجز.
حين ينكشف الفقر الذي كان قائمًا
لكن الحقيقة الأعمق ليست أنك افتقرتَ إلى الله حين انهارت خطتك.
الحقيقة أنك كنت مفتقرًا إليه طوال الوقت، غير أن انتظام الأسباب حجب عنك رؤية فقرك.
لم يبدأ عجزك عندما أُغلق الباب؛ بل انكشف لك عجزٌ كان قائمًا وأنت تفتحه.
ولم تبدأ حاجتك إلى الله عندما ضاعت الخطة؛ بل ظهرت لك حاجةٌ كانت ترافقك وأنت ترسمها.
كنتَ تحتاج إليه حين فكَّرت، كما احتجتَ إليه حين تحيَّرت.
وتحتاج إليه حين تمشي، كما تحتاج إليه حين تسقط.
وتحتاج إليه وأنت قويٌّ قادر، كما تحتاج إليه وأنت ضعيفٌ منكسر.
غير أن الإنسان كثيرًا ما لا يرى فقره ما دامت أدواته تعمل، ولا يشعر بعجزه ما دامت النتائج توافق حساباته، حتى إذا اضطرب سببٌ واحد، سقط عنه وهم الاستقلال، ورأى الحقيقة التي كانت تسير معه في كل خطوة:
أنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا إلا بما أقدره الله عليه.
الفقر وصف وجود لا حالة طارئة
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
[فاطر: 15]
لم يقل: أنتم الفقراء إلى الله حين تمرضون.
ولا حين تضيق أرزاقكم.
ولا حين تخذلكم الأسباب.
بل قال: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
هذا وصفكم في القوة والضعف، في الإقبال والإدبار، في أول الطريق وآخره، قبل الدعاء وبعد الإجابة، عند الخسارة وعند النجاح.
فالافتقار إلى الله ليس حالة طارئة تصيبك حين تنكسر، ثم تفارقك حين تستقيم أمورك.
إنه وصف وجودك الذي لا يغادرك.
أنت مفتقر إلى الله في النَّفَس الذي يدخل صدرك، وفي العقل الذي تدبِّر به، وفي الإرادة التي تنهض بك، وفي القلب الذي يثبت أو يتقلَّب، وفي السبب الذي يعمل أو يتعطَّل، وفي النتيجة التي تأتي أو تُصرف عنك.
قد تملك المال، ولا تملك البركة فيه.
وقد تملك العلم، ولا تملك الهداية به.
وقد تعرف الطريق، ولا تملك الثبات عليه.
وقد تتوافر لك الأسباب كلها، ثم لا تبلغ بها شيئًا.
وقد تُفتح لك الأبواب، ثم تدخل منها إلى ما يضرُّك.
وقد تُغلق في وجهك أبوابٌ بكيتَ عندها، ثم يتبيَّن لك بعد حين أن نجاتك كانت في إغلاقها.
أنت لا تستقلُّ بهداية قلبك، ولا بسلامة قصدك، ولا بحسن اختيارك، ولا بقوة عزيمتك، ولا بثباتك على الطاعة، ولا ببلوغ النتائج التي تسعى إليها.
وما بين إرادتك ووقوع مرادك عالمٌ كامل لا تملكه.
أن تعرق الجوارح ويسجد القلب
ولكن الافتقار إلى الله ليس يأسًا من النفس، ولا احتقارًا لها، ولا دعوةً إلى العجز والخمول، ولا حالة حزن دائمة يعيش فيها الإنسان مستصغرًا كل قوة أودعها الله فيه.
ليس أن تلقي أدواتك ثم تقول: أنا فقير إلى الله.
ولا أن تُهمل واجباتك وتسمِّي إهمالك توكُّلًا.
ولا أن تهرب من القرار لأنك لا تضمن العاقبة.
ولا أن تترك الأسباب بحجة أن الأسباب لا تنفع.
فالذي أمرك أن تفتقر إليه هو الذي أمرك أن تعمل، وتسعى، وتُحسن، وتستعد، وتأخذ بالأسباب المشروعة، ثم قال لك بعد العزم:
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
[آل عمران: 159]
إنما الفقر الصحيح أن تعرق جوارحك، ويسجد قلبك.
أن تبذل غاية ما تستطيع، وأنت تعلم أن استطاعتك نفسها منحة، وأن حسن استعمالها توفيق، وأن نفاذها إلى النتيجة ليس حقًّا واجبًا لك.
أن تتحرك بقوة، من غير أن ترى القوة ملكًا ذاتيًّا لك.
وأن تُحكم خطتك، من غير أن تمنحها في قلبك سلطة الوعد بما لا تملك.
وأن تطرق الباب، من غير أن تعتقد أن الباب هو الذي يرزقك.
وأن تثق بالله، لا لأن حساباتك مطمئنة، بل لأنك عبدٌ لربٍّ لا يضلُّ ولا ينسى، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
المجاديف في اليد لا في القلب
تخيَّل أنك بحَّار في قارب وسط محيط شاسع.
واجبك أن تمسك بالمجاديف، وأن تجدف بكل ما أوتيت من قوة، وأن تقرأ اتجاه الريح، وتحذر مواضع العواصف، وتسدَّ كل ثغرة قد يتسرَّب منها الماء.
لا مكان هنا للكسل، ولا للتراخي، ولا لتعليق التقصير على اسم التوكل.
هذه وظيفة الجوارح.
لكن للقلب وظيفة أخرى.
وأنت تجدِّف، وتشتد عضلاتك، وتتشقَّق يداك من طول المقاومة، ينبغي أن يشهد قلبك أن المجداف لا يملك بذاته أن يحرِّك قطرة، وأن يدك لا تقبض ولا تبسط إلا بحول الله، وأن القارب لا يثبت، والريح لا تهب، والموج لا يهدأ، والمسافة لا تُطوى إلا بإذنه سبحانه.
الجوارح تبذل أقصى ما تستطيع، والقلب لا يتكئ على شيء مما بذلت.
والخلل لا يبدأ حين تمسك المجداف، بل حين يلتفت قلبك إليه ويهمس:
أنا الذي سأعبر هذا المحيط.
في تلك اللحظة يتحول السبب من أداة في يدك إلى سند في قلبك، وتبدأ السكينة في الانسحاب؛ لأنك علَّقت نجاتك بشيء هشٍّ لا يملك لنفسه بقاءً، فضلًا عن أن يملك لك نجاة.
وهنا يقوم السؤال الذي يمتد في أعماق الطريق كله:
كيف تعمل بكل ما تستطيع، من غير أن يتكئ قلبك على ما تستطيع؟
كيف تجمع بين قوة السعي وصدق الافتقار؟
كيف تستخدم السبب دون أن تعبده؟
كيف تخطط للمستقبل دون أن تستمدَّ طمأنينتك من الخطة؟
كيف تنجح دون أن ترى النجاح شهادةً باستغنائك؟
وكيف تطيع دون أن تنظر إلى طاعتك كأنها ثمنٌ ألزمتَ الله به، أو فاتورةٌ تنتظر مقابلها ما تريد؟
الامتحان الخفي في زمن القوة
هذا هو الامتحان الخفي.
ليس الامتحان أن تعرف بلسانك أن الله هو الرزاق والمدبِّر؛ فهذه كلمة يقولها كثيرون.
إنما الامتحان أن تعرف ذلك بقلبك حين يكون الراتب بين يديك، والباب مفتوحًا، والناس من حولك، وخبرتك تسندك، وخطتك تمضي كما أردت.
في الشدة يسهل على الإنسان أن يرى ضعفه؛ لأن كل شيء يذكّره به.
أما في القوة، فقد يختبئ الاستغناء خلف النجاح.
قد يقول العبد: الحمد لله، بينما يسكن قلبه اعتمادٌ خفيٌّ على ذكائه.
وقد يذكر فضل الله بلسانه، بينما يرى في باطنه أن خبرته هي التي أنقذته.
وقد يدعو قبل القرار، ثم إذا لاحت له الحسابات المطمئنة، سلَّم قلبه لها، كأنها اطَّلعت على الغيب.
وهكذا تنشأ دعاوى الاستغناء.
لا في جملة صريحة يقول فيها الإنسان: لا أحتاج إلى الله، بل في الطريقة التي يطمئن بها، ويخاف بها، ويتخذ قراراته بها.
فالاستغناء قد لا يظهر في كلامك، لكنه ينكشف في موضع فزعك.
ويظهر في الشيء الذي إذا حضر سكن قلبك، وإذا غاب تزلزل.
ويظهر في السبب الذي لا تكتفي باستعماله، بل تمنحه سرًّا سلطة تحديد مستقبلك، وتقرير قيمتك، وإخبارك بما سيكون.
فكلما كان قلبك ساكنًا ما دام السبب موجودًا، مضطربًا بمجرد غيابه، ففتِّش:
من أين كنت تستمد الأمان؟
وكلما ظننتَ أن مستقبلك قد ضاع لأن بابًا أُغلق، فاسأل نفسك:
هل كان رجاؤك في ربِّ الباب، أم في الباب؟
وكلما رأيت الطاعة من نفسك، وأُعجبت بثباتك، فاعلم أن الفقر الذي عرفته عند الذنب قد يغيب عنك بعد الطاعة.
الافتقار بعد الطاعة والنجاح
فالافتقار لا تحتاجه فقط حين تزلُّ قدمك، بل تحتاجه أكثر حين تستقيم؛ لئلا ترى استقامتك منك.
ولا تحتاجه فقط حين تفشل، بل تحتاجه حين تنجح؛ لئلا يتحول النجاح في قلبك إلى حجاب.
ولا تحتاجه فقط حين تحار في القرار، بل تحتاجه بعد أن تقرر؛ لأنك لا تملك سلامة الطريق، ولا ثبات القلب، ولا حسن العاقبة.
ولا تحتاجه فقط عندما تسقط، بل تحتاج إلى شهوده وأنت واقف.
تحتاج إلى تثبيت الله وأنت قوي، وإلى حفظه وأنت آمن، وإلى هدايته وأنت مصيب، وإلى مغفرته وأنت مطيع، وإلى فضله وأنت ناجح.
فربما ردَّ الفشل قلبًا إلى الله، وربما صار النجاح فتنةً لقلبٍ أقنعه أنه استغنى.
وفي الشدة، ليس الافتقار أن تطلب من الله رفع الألم فقط، بل أن تطلب منه ألَّا يفسد الألم قلبك، وألَّا يدفعك إلى ما لا يرضيه، وألَّا يجعل ضيقك بابًا لسوء الظن به.
وفي القرار، ليس الافتقار أن تقول: يا رب اختر لي، ثم تتعلق سرًّا بما اخترته لنفسك؛ بل أن تبذل وسعك، وتستشير، وتستخير ربك، ثم تبقى عبدًا له إن جاء الأمر على خلاف رغبتك.
لا تدَّعي أنك تعلم الغيب، ولا تجعل طمأنينة حساباتك دليلًا على سلامة العاقبة، ولا اضطراب مشاعرك دليلًا على فساد الطريق.
اعمل بما ظهر لك، واستعن بالله، ثم فوِّض إليه ما غاب عنك.
وبعد الطاعة، ليس الافتقار أن تفرح بنفسك لأنك أطعت، بل أن ترى أن الله هو الذي هداك، وأعانك، وسترك، وأنك لو وُكلت إلى نفسك طرفة عين لتبدَّل حالك.
لا تجعل عبادتك مطالبةً مستترة.
ولا تنظر إلى دعائك وطاعتك كأنهما ثمنٌ دفعتَه، فوجب أن تأتيك الحياة بالصورة التي طلبت.
أنت تعبد الله لأنه ربك، وتفتقر إليه لأنه مولاك، وتسأله فضله؛ لا لأنك ألزمتَه بعملك، تعالى الله عن ذلك، ولكن لأنك عبدٌ لا غنى له عن رحمته.
وبعد النجاح، ليس الافتقار أن تنكر جهدك، أو تتظاهر بأنك لم تعمل، أو تحتقر ما وهبك الله من قدرة؛ بل أن تضع جهدك في موضعه الصحيح:
سببٌ أُمرتَ به، لا ربٌّ صنع النتيجة.
فالعبد المفتقر لا ينكر أن يده عملت، لكنه لا ينسى من أقدرها.
ولا ينكر أن عقله فكَّر، لكنه لا ينسى من أناره.
ولا ينكر أنه اجتهد، لكنه يعلم أن التوفيق لم يكن نتيجةً حتمية لاجتهاده.
قبل العمل وأثناءه وبعده
ولهذا لا يبدأ الافتقار بعد انقطاع الحيلة، بل قبل العمل، وأثناءه، وبعده.
قبل العمل، لا تدخل مهمتك دخول من يملك نفسه وأدواته، بل دخول عبد يعلم أنه محتاج إلى توفيق الله حتى في أبسط خطواته.
ابدأ باسم الله بقلبك، لا بلسانك وحده.
واسأله صلاح القصد، والفهم، والسداد، وأن ييسِّر لك الخير، ويصرف عنك ما لا يصلح لك.
وقل في نفسك:
سأسعى لأن الله أمرني بالسعي، لا لأن سعيي يضمن لي ما أريد.
فالافتقار يبدأ قبل أن تتعثَّر، لا بعد أن تنقطع بك الأسباب.
وأثناء العمل، إذا انفتحت لك فكرة، أو انحلَّت عقدة، أو وُفِّقت إلى قرار صائب، فلا تدع نشوة الإنجاز تستولي على سويداء قلبك.
يجوز أن تفرح بما أنجزت، وأن تعرف أثر اجتهادك، لكن لا تنسَ من أعطاك العقل، ومن جمع لك خيوط الفكرة، ومن صرف عنك الخطأ، ومن هيَّأ لك الأسباب.
قل بقلبك:
هذا من فضل ربي.
أنت لا تبدأ بنفسك ثم تستعين بالله عند العجز.
بل تبدأ بالله، وتسير مستعينًا بالله، وتردُّ الأمر بعد السعي إلى الله.
وبعد العمل، حين ينتهي ما عليك، لا تبدأ عبوديةً جديدة اسمها مراقبة النتائج.
لقد كان السعي في يدك، أما فتح الأبواب، وقبول الناس، وبلوغ الثمرة، وتوقيت ظهورها، فليست إليك.
إن أثمر عملك، فاشكر ولا تطغَ، واعلم أن النجاح هبة، لا شهادة استغناء.
وإن لم يثمر كما أردت، فلا تجعل تعطل النتيجة حكمًا بأن الله قد أضاعك، أو أن جهدك لم يكن له معنى.
قد تكون أخطأت فتتعلم.
وقد تحتاج إلى مراجعة خطتك.
وقد يكون ما طلبته غير صالح لك.
وقد تتأخر ثمرة سعيك إلى وقت آخر.
وقد يكون لك في صدق العمل والصبر أجرٌ لا تراه.
لا نجزم بالحكمة الخفية في كل واقعة، ولا ندَّعي معرفة ما غاب عنا، لكننا نوقن أن الله لا يظلم عباده.
وواجبك بعد بذل السبب أن تراجع نفسك بصدق، وتصحح خطأك إن ظهر لك، ثم تسلِّم ما لا تملكه إلى من يملكه، دون أن تجعل جهلَك بالحكمة بابًا لسوء الظن بالله.
التحرر من عبودية النتائج
من يعتمد على قدرته وحدها يعيش في قلق دائم؛ لأنه يحمل على كتفيه ما لا يستطيع حمله:
ضمان المستقبل، والتحكم في الناس، ومنع المفاجآت، وإجبار النتائج على موافقة خطته.
فإذا تعطَّل سبب، اضطرب.
وإذا تأخرت ثمرة، انهار.
وإذا تفوق عليه غيره، شعر أن وجوده كله قد تهدَّد.
أما المفتقر إلى الله، فيأخذ بالأسباب دون أن يُستعبد لها.
يخطط، لكن الخطة لا تصبح ربَّ قلبه.
ويجتهد، لكن النجاح لا يصبح دليل قيمته.
ويخسر، لكن الخسارة لا تسلبه يقينه بأن له ربًّا يدبِّر أمره.
هو لا ينام مطمئنًا لأنه ضمن النتيجة، بل لأنه أدَّى ما عليه، وردَّ ما لا يملكه إلى مالكه.
سيأتيك معنى الفقر إلى الله من كل باب.
سيأتيك في أصل وجودك، ليهدم وهم أنك قائمٌ بنفسك.
وسيأتيك في دعاوى الاستغناء الدقيقة، ليكشف لك ما الذي يستند إليه قلبك حقًّا.
وسيأتيك في الشدة والقرارات، حين تضيق الرؤية وتتزاحم المخاوف، لتتعلم أن تعمل دون أن تدَّعي علم العاقبة.
وسيأتيك بعد الطاعة والنجاح، حين يكون خطر العُجب أشدَّ خفاءً من خطر الانكسار، لتعلم أن حاجتك إلى الله لا تنتهي عند بلوغ المراد.
فلا تنتظر سقوط الأسباب كي تعرف أنك فقير.
ولا تنتظر حيرتك كي تعترف أنك لا تعلم.
ولا تنتظر ضعفك كي تطرق باب القوة.
اعرف فقرك وأنت قادر، حتى لا تفتنك قدرتك.
واعرف فقرك وأنت مطيع، حتى لا تحجبك طاعتك.
واعرف فقرك وأنت ناجح، حتى لا يتحول فضل الله عليك إلى شاهدٍ تستدل به على نفسك.
أنت لا تفتقر إلى الله لأنك ضعيف فقط.
بل أنت ضعيف لأنك مفتقر إليه.
ولا تحتاج إليه لأنه ضاع منك شيء.
بل كل ما معك لا يبقى معك، ولا ينفعك، ولا يهديك، ولا يبارك لك فيه إلا به.
اقرأ أيضًا
- التوكل مع الأخذ بالأسباب: كيف تعمل دون أن يتكئ قلبك على السبب؟
- كيف ندعو الله بافتقار لا باستحقاق؟ دعاء يطهّر القلب من وهم الرصيد
ازرع البذرة واترك الحياة للمحيي
ازرع البذرة بكلتا يديك.
اختر لها الأرض، وتعاهدها بالماء والرعاية، واحمها من الآفات ما استطعت.
لكن لا تنسَ، وأنت تتصبَّب عرقًا، أنك لا تملك أن تشقَّ قشرتها، ولا أن تمدَّ منها جذرًا، ولا أن ترفع منها ساقًا، ولا أن تُخرج من جوفها سنبلة.
وظيفتك أن تزرع.
أما الحياة، فمن أمر المحيي.
فامضِ في حياتك بيدٍ تعمل، وقلبٍ يسجد.
خطِّط، واستعد، وتعلَّم، واسأل، واطرق الأبواب، وابذل ما تستطيع.
لكن لا تمنح شيئًا من ذلك حقَّ الجلوس في موضع لا يليق إلا بالله.
وحين تنجح، فلا تقل بقلبك:
وصلتُ لأنني كنت قادرًا.
وحين تتعثر، فلا تقل:
انتهيتُ لأن أسبابي انتهت.
ولكن قل في سرِّك وعلانيتك:
يا رب، أنا فقير إليك قبل السبب، ومعه، وبعده.
فقير إليك في ضعفي وقوتي.
في طاعتي وتقصيري.
في اختياري وترددي.
في بداياتي ونهاياتي.
لا أستغني عنك بما أعطيتني، ولا أستقلُّ بشيء دونك، ولا أملك لنفسي هدايةً، ولا ثباتًا، ولا حسن عاقبة إلا بفضلك.
يا رب، بذلت ما استطعت، وما استطعتُ إلا بك، ولا يبلغ سعيي غايته إلا إن أذنت.
ذلك هو الفقر الذي لا يغادرك.
فإن شهدتَه، لم يُضعفك، بل حرَّرك.
حرَّرك من عبودية النتائج، ومن رعب الأبواب المغلقة، ومن الاغترار بالقوة، ومن الانكسار للأسباب.
وجعلك تعمل بكل ما تستطيع، بينما يبقى قلبك معلَّقًا بمن بيده ما تستطيع، وما لا تستطيع.
هذا الكتاب لا يعلِّمك كيف تبدو ضعيفًا؛ بل كيف تعرف موضع قوتك، ثم لا تعبدها.
جوارحٌ تعرق في ميدان الأسباب، وقلبٌ ساجدٌ لا يرى لنفسه حولًا ولا قوة.
فلا يطغيك عطاء، ولا يحطِّمك منع، ولا يستعبد قلبك بابٌ فُتح، ولا بابٌ أُغلق.