افتقار المعونة والإخلاص والقبول.
ترفع الحجر بجهد، وتضعه في موضعه، ثم تتراجع قليلًا لتنظر إلى ما بنيت.
ترى صفًّا مستقيمًا، وعملًا اكتمل، وأثرًا لم يكن موجودًا قبل أن تبدأ. في تلك اللحظة قد يحدث داخل القلب شيء بالغ الخفاء: تنسى ثقل الحجر الذي كاد يعجزك، واليد التي ثبّتك الله بها، والقدرة التي لم تخلقها، والوقت الذي هُيّئ لك، والدافع إلى الخير الذي لم ينبع من ذاتك مستقلةً عن فضل ربك.
ثم تميل النفس إلى الحجر، وتنقش عليه اسمها:
أنا الذي قمت.
أنا الذي صبرت.
أنا الذي قاومت شهوتي.
أنا الذي أعطيت، وعلّمت، وخدمت، وحفظت، وثبتّ حين ضعف غيري.
لا تنكر بلسانك فضل الله، لكن قلبك يقف أمام الطاعة وقفة المالك أمام بنائه، لا وقفة العبد أمام فضلٍ أُعين عليه ثم أُمر أن يرجو قبوله.
وهنا يأتي السؤال الكاشف:
هل خرجت من الطاعة أشدّ افتقارًا إلى الله… أم أشدّ امتلاءً بنفسك؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تنقش النفس اسمها على الطاعة
فالطاعة لا تكشف صدقك حين تبدأها فقط، بل تكشفه أيضًا حين تنتهي منها. قد تدخل العمل مستعينًا بالله، ثم تخرج منه معجبًا بنفسك. وقد تبدأه تريد وجه الله، ثم تستدير في أثنائه قليلًا نحو أعين الناس. وقد تتمه على خير، ثم تتعامل معه كأنه صار حقًّا مكتسبًا لك عند الله، أو شهادةً ترفع بها مقامك في نفسك.
هنا لا تكون المشكلة في الحجر الذي رفعته، بل في الاسم الذي أسرعت إلى نقشه عليه.
أنت فعلت الطاعة حقيقة، ولك إرادة واختيار، وعلى ذلك يقع التكليف والثواب والعقاب. وليس التواضع أن تنكر فعلك أو تتظاهر بأنك لم تبذل جهدًا.
لكن قدرتك على الفعل، وانشراح صدرك له، وتهيؤ أسبابه، وصبرك عليه، وثباتك حتى تمامه؛ كل ذلك من توفيق الله وفضله.
من الذي أعانك على رفع الحجر؟
كم من إنسان عرف الخير ولم يفعله.
وكم من إنسان بدأ ثم انقطع.
وكم من إنسان امتلك وقتك نفسه، وسمع الموعظة نفسها، ورأى الحاجة نفسها، ثم لم يتحرك قلبه.
فإذا تحرك قلبك، ونهضت جوارحك، وتم العمل، فليس أول ما يليق بك أن تنظر إلى ارتفاع البناء، بل أن تعرف من أعانك على رفع أول حجر فيه.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا حين تنظر إلى عملك: لقد فعلت حقيقة، لكنك لم تفعل مستقلًا عن توفيق الله، ولم تخلق في نفسك القدرة والهداية والثبات.
يداهما في العمل وقلباهما في الدعاء
ولهذا يضع القرآن أمامنا مشهدًا مهيبًا: إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت، ويقومان بعمل من أجلّ الأعمال، لكن ارتفاع البناء لم يشغلهما عن الافتقار إلى القبول:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
يداهما في العمل، وقلباهما في الدعاء.
يرفعان القواعد، ولا يتعاملان مع رفعها بوصفه برهانًا يملكان به الحكم على القبول.
فالطاعة تُفعل، أما قبولها فعند الله. والعبد يرجو فضل ربه، ويحسن الظن به، لكنه لا يمنح نفسه شهادة قبول لم يطّلع عليها.
بين فعل الطاعة وقبولها مسافة لا يملؤها العُجب، بل يملؤها الافتقار.
المعونة والإخلاص والقبول
في أول العمل تحتاج إلى المعونة.
وفي أثنائه تحتاج إلى الإخلاص.
وبعده تحتاج إلى القبول.
ولا توجد لحظة تستطيع فيها أن تستغني عن الله.
لكن النفس قد تتعامل مع الإعانة كأنها كانت حقًّا طبيعيًا، ومع الإخلاص كأنه ملك ثابت لا يتغير، ومع القبول كأنه نتيجة تلقائية لمجرد أن العمل اكتمل في الظاهر.
فتجمع حجارة الطاعة، ثم تبني منها لنفسها مقامًا تنظر منه إلى الناس.
وقد يظهر هذا الخلل حين ترى عاصيًا فتنسى أنك ما ثبتّ إلا بفضل الله. أو حين ترى مقصرًا فتتعالى عليه بالطاعة التي كان ينبغي أن تزيدك رحمةً وخوفًا على نفسك.
أو حين لا تجد تقديرًا لعملك، فتغضب غضبًا يكشف أن جزءًا من البناء كان ينتظر أعين الناس، وإن ردد اللسان طويلًا أنه لله وحده.
ليس كل فرح بالطاعة عُجبًا
وليس كل فرح بالطاعة عُجبًا.
أن تفرح بأن وفقك الله، وأن تسعد بعمل صالح أعانك عليه، وأن ترجوه ذخيرةً عنده؛ كل ذلك لا حرج فيه.
موضع الخطر يبدأ حين يتحول الفرح بالفضل إلى افتخار بالنفس، وحين تنسى المنعِم وأنت تنظر إلى النعمة، وحين ترى عملك سببًا لتزكية قلبك أو احتقار من لم يعمل مثلك.
الفرح المشروع يقول: الحمد لله الذي أعانني.
أما العُجب فيهمس: لولا قوتي ما فعلت.
وقد لا ينطق اللسان بهذه العبارة، لكن نقشها يظهر في قسوتك على الضعفاء، وفي حاجتك المستمرة إلى الثناء، وفي ضيقك إذا نُسب الخير إلى غيرك، وفي استكثارك لعملك على الله، وفي شعورك أنك صرت بالطاعة آمنًا من الضعف والفتنة.
وهنا يلتقي هذا المعنى مع خطر العُجب بعد الطاعة؛ حين تتحول العبادة من باب افتقار إلى مرآة تتأمل فيها النفس صورتها.
الإخلاص يحتاج إلى حراسة
والإخلاص نفسه ليس حجرًا تضعه في الأساس ثم تضمن بقاءه إلى آخر البناء.
القلب يتقلب، وقد يبدأ العمل لله ثم تتسلل إليه رغبة في المدح، أو خوف على الصورة، أو انتظار للمكانة.
لكن علاج ذلك ليس أن تهدم كل عمل صالح خفت على إخلاصك فيه، ولا أن تترك الطاعة حتى تبلغ نيةً لا يمر بها خاطر.
الخوف من الرياء لا يُعالج بترك الخير، ومحاسبة النية لا ينبغي أن تتحول إلى تفتيش وسواسي يجعل العبد شاكًّا في كل طاعة.
الإخلاص يُحفظ بتصحيح الاتجاه كلما ظهر الانحراف.
إذا شعرت أن قلبك بدأ ينقش اسمك، فامحُ النقش، ولا تلقِ الحجر.
جدّد نيتك، واستر من عملك ما لا حاجة لإظهاره، ولا تستدعِ ثناء الناس بالتلميح، ولا تكثر من استعراض ما بذلت، ولا تجعل غياب المدح سببًا لفتورك.
وإذا احتيج إلى إظهار العمل لمصلحة معتبرة، فأظهره بقدره، ثم راقب قلبك برفق وصدق دون أن تعذبه بالشكوك.
فالنية قد تبدأ صافية ثم تتقلب في الطريق، وعلاج ذلك حراستها وتجديدها، لا ترك الطاعة.
قبل الطاعة وأثناءها وبعدها
وقبل كل طاعة، قف عند أساسها لحظة: اسأل الله الإعانة، واستحضر أنك لولا توفيقه لم تقم بها.
لا تدخل العمل متكئًا على نشاطك؛ فالنشاط يتبدل، والقلب يضعف، وما قام بالله لا ينبغي أن يُنسب استقلالًا إلى النفس.
وفي أثناء العمل، لا تنشغل بالنظر إلى ارتفاع الجدار عن مراقبة ما يتسلل بين حجارته.
صحح قصدك حين تحتاج، لا كل لحظة على نحو يقطعك عن العمل، بل عندما ترى التفاتًا حقيقيًا إلى غير الله.
وبعد تمام الطاعة، لا تقف طويلًا تتأمل جمال ما صنعت.
استغفر من نقصه، واشكر الله على إعانته، واسأله القبول.
لا تستكثره مهما بدا كبيرًا، ولا تحتقره مهما بدا صغيرًا؛ فأنت لا تعرف مقدار ما صحّ منه، ولا ما قُبل، ولا ما دخله من نقص.
الخوف من عدم القبول دون قنوط
والخوف من عدم القبول ينبغي أن يورث تواضعًا وإصلاحًا، لا قنوطًا.
فلا تجزم لنفسك بالقبول، ولا تحكم عليها بالرد.
أحسن الظن بالله، وارجُ فضله، واعلم أن ربك كريم، ثم ابقَ عبدًا بين الرجاء والخوف، لا صاحب بناء يطالب بثمنه.
وهذا هو الميزان حين يعود إليك سؤال: كيف أعرف أن عبادتي مقبولة؟ فلا تجعل شعورك شهادة قبول، ولا خوفك حكمًا بالرد.
إذا أثنى عليك الناس، فلا تكذب الثناء تكلفًا، ولا تشربه بقلبك كأنه وصف كامل لحقيقتك.
احمد الله على الستر والتوفيق، واعلم أن الناس رأوا الحجر بعد أن استقر، ولم يروا مواطن ضعفك، ولا تقصير نيتك، ولا مقدار المعونة التي سبقت كل حركة منك.
وإذا رأيت طاعتك، فانظر معها إلى فضل الله.
وإذا رأيت تقصير غيرك، فتذكر أنك لولا المعونة ربما كنت مكانه أو أشد.
وإذا اكتمل العمل، فلا تنقش اسمك عليه؛ اتركه لله، واسأله أن يطهّره مما خالطه، ويتقبله بفضله.
اقرأ أيضًا
- العجب بعد الطاعة: كيف تقبض النفس ثمن العمل الصالح قبل الآخرة؟
- تقلب النية: كيف يبدأ العمل صافيًا ثم يُسرق في الطريق؟
- كيف أعرف أن عبادتي مقبولة؟ حين يصبح شعورك محكمة على الغيب
اخرج من الطاعة أشد افتقارًا
فالعبد الصادق لا يخرج من الطاعة وهو يقول في نفسه: انظروا ماذا بنيت.
بل ينزل عن موضع العمل وقلبه أكثر افتقارًا مما كان، لأنه رأى كم احتاج إلى الله في النية، والحركة، والثبات، والسلامة من العجب، ثم في القبول الذي لا يملكه.
ارفع حجر الطاعة بكل ما تستطيع… لكن لا تنقش عليه إلا معنى واحدًا:
ربنا تقبّل منا؛ فلولا معونتك ما رفعناه.