كيف ترى فضل الله في حياتك؟ فضلٌ يحيط بك وأنت تنتظر وصوله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

تقف أمام بابٍ لم يُفتح، وتقول في داخلك: لعل فضل الله يأتيني.

تنتظر خبرًا يطمئنك، ورزقًا يوسّع عليك، وشفاءً يرفع وجعك، ومخرجًا يغيّر وجه أيامك. وكلما تأخر ما تنتظره، شعرت أن الفضل بعيد، وأن حياتك تمرّ الآن في منطقة خالية منه، حتى يأذن الله للفرج أن يصل.

لكن تأمل المشهد قليلًا:

أنت تنتظر فضل الله… بالنَّفَس الذي وهبه لك.
وتدعوه… باللسان الذي أقدرك على تحريكه.
وتشكو إليه… بقلبٍ لم يتركه يتيه بعيدًا عنه.
وتحزن على تأخر النعمة… داخل نعم لا تستطيع إحصاءها.

فهل فضل الله غائب حقًّا؟

أم أنك حصرت الفضل في الشيء الذي تريده، حتى غابت عنك الإحاطة كلها؟

رجل ينتظر أمام باب مغلق بينما تحيط به نافذة مضيئة وماء ونبات في مشهد يعبّر عن فضل الله المحيط به

قال الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

[النحل: 53]

لم يقل: وما يأتيكم أحيانًا من نعمة.

بل: ﴿وَمَا بِكُمْ﴾.

ما استقر فيك، وما قام به جسدك، وما حُفظ به عقلك، وما اهتدى به قلبك، وما عرفت به ربك، وما نجا بك من أبواب لم ترها، وما وصل إليك حتى صار مألوفًا لا تلتفت إليه.

كل ذلك من الله.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يخفي الاعتياد النعمة

لكن النفس لها مقياس ضيق: لا تسمي الشيء فضلًا إلا إذا جاء على هيئة مفاجأة كبيرة. مال بعد ضيق. شفاء بعد مرض. نجاة بعد خوف. باب بعد طول إغلاق.

أما النعم التي لم تنقطع، فغالبًا لا تراها؛ لأنها لم تُفقد.

لا تشعر بنعمة القدرة على الحركة إلا حين يعجز عضو.
ولا تعرف نعمة النوم إلا حين تسكن الأرق ليلةً طويلة.
ولا ترى نعمة اجتماع القلب إلا حين يتشظى من القلق.
ولا تستشعر نعمة الإيمان إلا حين ترى قلبًا يعرف الطريق ولا يريد أن يسلكه.

النعم المستمرة تختبئ خلف اعتيادها.

ولهذا قد يعيش الإنسان داخل بحر من الفضل، ثم يرفع رأسه قائلًا: متى يصلني فضل الله؟

كسمكة تبحث عن الماء.

ليست المشكلة أن الماء بعيد عنها، بل أنها لم تعرف كيف ترى ما يحيط بها.

وهم الزيارة

وهذا هو وهم الزيارة: أن نتعامل مع فضل الله كأنه ضيف يطرق حياتنا في مواسم متفرقة، ثم يرحل، بينما نحن لا نقوم لحظة واحدة إلا به.

تستيقظ، فتظن أن يومًا جديدًا بدأ بصورة عادية.

لكن من الذي ردّ إليك وعيك بعد نومٍ لا تملك فيه لنفسك شيئًا؟

تمشي إلى عملك، وتفتح هاتفك، وتتحدث، وتتذكر، وتختار، وتفهم، وتدبر أمرك، ثم لا ترى في ذلك حدثًا يستحق الوقوف؛ لأن كل شيء جرى كما اعتدت.

ولو اختل واحد منها، لعرفت أن ما كنت تسميه «عاديًّا» كان بناءً هائلًا من النعم يعمل بصمت.

إننا لا نفقد النعمة فقط حين تزول؛ قد نفقدها وهي في أيدينا حين نعجز عن رؤيتها.

حين لا ترى إلا الباب المغلق

يدخل أحدنا بيته متعبًا، فيرى الشيء الناقص أولًا: كلمة لم تعجبه، حاجة لم تُقض، أمرًا لم يسر كما أراد. ولا يرى سقفًا يؤويه، وأهلًا يعود إليهم، وجسدًا حمله إلى بيته، وأمنًا أتاح له أن يغلق الباب ويستريح.

وتجلس امرأة تترقب رسالة قبول أو جوابًا منتظرًا، فيضيق صدرها؛ لأنها لا ترى إلا الباب المغلق. وربما يغيب عنها أن الله أبقى في قلبها قدرةً على الرجاء، وحفظها من أبواب لو فُتحت لأتعبتها، وأعطاها من العلم والعقل والستر ما لا يدخل في الرسالة التي تنتظرها.

ويجلس شاب يحصي ما لم يبلغه بعد، ولا يحصي كم مرة صُرف عنه ما كان يظنه خيرًا، وكم مرة تأخر عن خطوة ثم بان له بعض ضررها، وكم مرة هُيئت له توبة بعد أن كاد يأنس بالذنب.

ليس كل ما صُرف عنا نستطيع الجزم بأنه صُرف رحمةً بنا في تفصيله؛ فحِكَم الله أوسع من إدراكنا. لكن يكفي أن نعلم أننا لا نرى الصورة كلها، وأن الفضل لا ينحصر في الشيء الذي وصل إلينا، بل قد يكون في هداية، أو ستر، أو تنبيه، أو تثبيت، أو تأخير يربينا، أو باب يُغلق فلا نعرف ما وراءه.

قد يكون الوجع من الفضل

وقد يكون من فضل الله عليك أنك ما زلت تتألم من ذنبك.

نعم، حتى هذا الوجع الذي تظنه عذابًا داخليًا قد يكون علامة حياة في القلب، إذا دفعك إلى التوبة ولم يدفعك إلى اليأس. هناك من يذنب ثم لا يضطرب فيه شيء. أما أن يوقظك الله، ويعرّفك خطأك، ويمنع قلبك من الاطمئنان إلى البعد، فهذه ليست قدرة صنعتها بنفسك.

وحتى حين تقول: هذا فضل الله، فإن معرفتك أنه فضل ليست خارج الفضل.

من الذي فتح عين قلبك لترى؟
من الذي ألهمك أن تنسب النعمة إلى صاحبها؟
من الذي منعك من أن تقول: إنما أوتيته على علم عندي؟
من الذي أخرج من قلبك كلمة الحمد بدل أن يتركك مستغرقًا في نفسك؟

حتى الشكر يحتاج إلى عون

ولهذا دعا سليمان عليه السلام فقال:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾

[النمل: 19]

حتى الشكر يحتاج إلى عون.

لم يقل: سأشكر بقوتي.

بل سأل الله أن يلهمه، ويعينه، ويجمع قلبه على الشكر.

فالنعمة من الله، ورؤيتها من الله، وشكرها بتوفيق الله، والثبات على الشكر فضل جديد لا يملكه العبد استقلالًا.

طبقات من الفضل فوق طبقات.

يعطيك، ثم يعرّفك أنه أعطاك.
ثم يحبب إليك حمده.
ثم يجري الحمد على لسانك.
ثم يقبل منك ما وفقك إليه.

فبأي استحقاق يخرج العبد من هذه الدائرة لينسب شيئًا إلى نفسه؟

رؤية الفضل لا تعني إنكار الجرح

ليس معنى ذلك أن يتوقف الإنسان عن السعي، أو أن يتجاهل ألمه، أو أن يجمّل الفقد حتى يظلم نفسه. قد يكون النقص موجعًا حقًّا، والمرض شديدًا، والدين ثقيلًا، والانتظار مرهقًا. والشكر لا يعني إنكار الجرح، كما أن رؤية النعم لا تلغي الحاجة إلى الفرج.

لكن الميزان أن لا تجعل الشيء المفقود يمحو من عينك كل ما بقي.

لا تجعل بابًا مغلقًا يقنعك أن البيت كله مظلم.

ولا تجعل دعاءً لم تر إجابته على الصورة التي أردتها يحجب عنك حقيقة أنك ما زلت عبدًا يعرف إلى مَن يرفع يديه.

ولا تجعل تأخر الرزق يمحو رزق الإيمان، والعقل، والستر، والقدرة على المحاولة، ومن يقف إلى جوارك، وما نجاك الله منه وأنت لا تعلم.

القلب الغافل يقول: إذا جاءني ما أريد، سأعرف فضل الله.

أما القلب الذي بدأت عيناه تنفتحان، فيقول: أنا أطلب من الله فضلًا جديدًا، وأنا في أثناء طلبي محمول بفضله القديم والمتجدد.

الفرق بينهما ليس أن الثاني لا يتألم.

الفرق أنه لا يفسر الألم على أنه خروج من رحمة الله.

ولا يظن أن تأخر مطلوبه يعني أن الفضل توقف.

ولا يحوّل النعمة الوحيدة التي ينتظرها إلى حجاب عن آلاف النعم التي يعيش بها.

كيف تفتح عينك على الفضل؟

وعلاج هذا العمى لا يبدأ بقائمة طويلة من النعم ترددها سريعًا، ثم تنساها. يبدأ بأن تتوقف عند شيء واحد كنت تعدّه عاديًّا.

نَفَسك الآن.
قدرتك على قراءة هذه الكلمات.
شعورك بأن قلبك يريد أن يقترب من الله.
تألمك لأنك قصّرت.
وجود شخص تحبه.
باب معصية لم تدخله اليوم.
خاطر خير مرّ بقلبك.
ركعة استطعت أن تقوم بها.
دعاء لم تملك فيه إلا أن تقول: يا رب.

خذ نعمة واحدة، ولا تعبرها.

لا تقل فقط: الحمد لله على الصحة.

انظر ماذا تعني الصحة في يومك: أن تقوم دون من يحمل جسدك، وأن تأكل دون ألم، وأن تذهب حيث تريد، وأن تقضي حاجتك بنفسك، وأن تخدم من تحب.

ولا تقل فقط: الحمد لله على الإيمان.

انظر ماذا يعني أن تعرف أن لك ربًّا ترجع إليه، وأن الذنب لا يغلق بابه، وأن الضعف لا يلغي عبوديتك، وأنك حين تضيق بك الأسباب لا تقف أمام كون أصم، بل تدعو سميعًا قريبًا.

التفصيل يوقظ الشكر.

أما الإجمال الذي اعتاده اللسان فقد يمر أحيانًا دون أن يتحرك القلب.

ثم لا تكتفِ برؤية الفضل في الأشياء المريحة فقط. فتش عنه في الحركات الدقيقة التي أصلحك الله بها: فكرة ردّتك عن ظلم، انقباض منعك من كلمة، شخص نصحك، انكشاف عيب في نفسك، سقوط صورة كنت معجبًا بها، عودة بعد فتور.

قد يكون بعضها مؤلمًا، لكنه أخرجك من غفلة أعمق.

ولا تقل: أنا الذي انتبهت.

فالذي كان يستطيع أن يتركك نائم القلب هو الذي أيقظك.

من الغفلة عن الفضل إلى رؤيته

نحن لا ننتقل من خارج فضل الله إلى داخله؛ نحن ننتقل من الغفلة عن فضله إلى رؤيته.

وحين تنفتح عين القلب، لا تتغير الحياة كلها بالضرورة، لكن يتغير وجهها.

البيت نفسه.
الجسد نفسه.
العمل نفسه.
الابتلاء نفسه.

لكن القلب يرى خيوطًا من الرحمة كانت تمر أمامه فلا يلتفت.

يرى أن الفضل لم يكن فقط في النجاة من السقوط، بل في اليد التي أمسكت به بعد أن سقط.

ولم يكن فقط في الطاعة، بل في الندم حين قصّر فيها.

ولم يكن فقط في الدعاء، بل في أن الله لم يترك قلبه يستغني عن الدعاء.

ولم يكن فقط في العطاء، بل في أن العطاء لم يقطعه عن المعطي.


اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

فلا تنتظر حادثة كبيرة حتى تقول: جاء فضل الله.

قلها الآن.

وأنت تتنفس.
وأنت تعجز.
وأنت تسأل.
وأنت تتوب.
وأنت لا تفهم.
وأنت تنتظر بابًا لم يُفتح بعد.

قلها لا لأنك أحطت بنعم الله، بل لأنك أيقنت أنك لن تحيط بها:

أنا لا أعيش بين زيارات متفرقة من فضل الله؛ أنا أعيش لأن فضله لم يتركني لحظة.

اللهم أوزعنا أن نشكر نعمك، وافتح أعين قلوبنا على فضلك، ولا تجعل اعتياد النعمة يحجبنا عنها، ولا تجعل ما فقدناه ينسينا ما أبقيت لنا. اللهم ارزقنا قلبًا يرى عطاياك، ويستحيي من تقصيره، ويحمدك على ما علم وما لم يعلم، ويعرف أن كل خير فيه فمنك، وأن كل رجوع إليك فضلٌ جديد منك عليه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0