فهرس المقال
حين تنتظر نهاية العسر لتسمّي اليسر يسرًا
أنت تنتظر أن ينتهي العسر لتقول: جاء اليسر.
تنتظر أن يُقضى الدين.
أن يُشفى الجسد.
أن يعود الغائب.
أن يُفتح الباب.
أن يتغير الحال.
أن تصل الرسالة التي طال انتظارها.
فإذا لم يحدث شيء من هذا، قلت في داخلك:
أين اليسر؟
لكن الله لم يقل: بعد العسر يسرًا.
قال:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
معه.
وهنا قد يكون الخلل في عينك، لا في الوعد.
حين تحصر اليسر في صورة واحدة
لقد حصرت اليسر في صورة واحدة، ثم صرت تفتش عن رحمة الله داخل تلك الصورة فقط.
تقول:
اليسر أن تنتهي المشكلة.
لكن ماذا عن القوة التي أُعطيت لك لتعيش يومًا آخر ولم تكن تظن أنك ستحتمله؟
ماذا عن باب بقي مفتوحًا حين أُغلقت أبواب؟
ماذا عن شر كان يمكن أن يقع فلم يقع؟
ماذا عن جسد ما زال يحمل روحك رغم التعب؟
ماذا عن عقل ما زال يدرك؟
ولسان ما زال يدعو؟
وقلب رغم كل ما مر به، ما زال يعرف الطريق إلى الله؟
أهذه أشياء صغيرة؟
أم أننا لا نسمي النعمة نعمة إلا حين تأتي في الصورة التي رسمناها؟
قد يضيق القلب لأنه حصر الفرج والرحمة في مسار واحد، ولهذا يحتاج أحيانًا أن يتعلم ألا يحصر حسن الظن بتدبير الله في باب واحد.
العسر يصرخ واليسر يعمل في صمت
قد يكون العسر ظاهرًا كجبل، واليسر موزعًا حوله في تفاصيل دقيقة، ولذلك تراه أقل منه.
العسر يصرخ.
واليسر كثيرًا ما يعمل في صمت.
الألم يجمع انتباهك كله في نقطة واحدة.
أما العافية، والستر، والتسخير، والمنع، والتخفيف، والأسباب الباقية، فتمر عليك هادئة؛ لأنك اعتدتها.
فتقول:
ليس عندي إلا العسر.
وأنت في الحقيقة واقف فوق عشرات الألطاف التي لم تسمها يسرًا.
تأمل يومًا شديدًا مر بك.
كنت تظن أنك لن تعبره.
ثم عبر.
كيف؟
لا تقل فقط: مر الوقت.
الوقت لا يحمل إنسانًا.
قد تُعطى ما يكفي للحظة
كان هناك مدد من الله أُعطيت منه ما يكفي للحظة.
ثم ما يكفي للساعة.
ثم ما يكفي لليوم.
وربما لم تُعط قوة الشهر كله دفعة واحدة، لأنك لم تكن تحتاجها دفعة واحدة.
أُعطيت قوتك عند موضع حاجتك.
وهذا أيضًا يسر.
ليست كل صور اليسر تغييرًا في الخارج.
أحيانًا يتغير فيك مقدار الاحتمال.
أحيانًا يُفتح لك فهم لم يكن عندك.
أحيانًا يسقط من قلبك تعلق كان ينهشك أكثر من البلاء نفسه.
أحيانًا يهيئ الله لك سببًا صغيرًا لا يحل المشكلة كلها، لكنه يمنعك من الانهيار تحتها.
وأحيانًا يبقى الألم كما هو، لكنك لا تبقى أنت كما كنت.
اليسر ليس دائمًا تغييرًا في الخارج
ليس معنى هذا أن نتكلف تسمية كل ألم رحمة، ولا أن نجزم بحكمة خاصة وراء كل واقعة.
ولا يعني أن كل عسر سينتهي في الدنيا بالصورة التي يريدها صاحبه.
لكن الخطأ أن تجعل اليسر مساويًا لشيء واحد فقط:
أن يحدث ما تريد.
فإن لم يحدث، أنكرت كل ما حولك.
هذه ليست قراءة كاملة للمشهد.
أنت ترى الباب المغلق.
لكن هل أحصيت الأبواب التي لم تُغلق؟
ترى ما فقدت.
لكن هل عددت ما بقي؟
ترى ما تأخر.
لكن هل فكرت فيما أُعطيت لتعيش زمن التأخير؟
ترى المصيبة التي وقعت.
لكن هل تعلم عدد المصائب التي لم تقع؟
لا تعلم.
ولهذا يحتاج القلب إلى تواضع عجيب وهو يقرأ واقعه.
لا يقل:
أنا لا أرى يسرًا، إذن لا يسر.
بل يقول:
يا رب، أنا أرى من المشهد قدر بصري، وأنت تعلم ما لا أعلم.
قد يكون حولي من لطفك ما ألفته حتى لم أعد أشعر به.
وقد يكون معي من التيسير ما لم أضعه يومًا تحت اسم اليسر.
علمني أن لا أحصر نعمك في صورة.
وأن لا أختصر تدبيرك في النتيجة التي أنتظرها.
لا تجعل المطلوب مقياس الرحمة الوحيد
هناك خداع خفي يصيب القلب في الشدة:
أن يجعل المطلوب المنتظر هو المقياس الوحيد لرحمة الله.
إن جاء، قال: الله لطيف.
وإن تأخر، اضطرب.
كأن لطف الله لا يُعرف إلا من الباب الذي نريده نحن.
وهذا يرهق القلب؛ لأنه يجعله أعمى عن كل يسر حاضر وهو يراقب يسرًا واحدًا غائبًا.
ومن هنا تأتي حاجة القلب إلى أن يتعلم كيف يثق بالله وقت الألم دون أن يجعل قسوة اللحظة هي التفسير الوحيد للمشهد.
قد تكون تدعو بباب، والله قد أبقى لك مئة نعمة تحملك إلى أن يأتي ما يقدره لك.
فلا تحتقر الحامل لأنك منشغل بالمحمول إليه.
لا تقل:
ماذا أفعل بالصبر وأنا أريد الفرج؟
فالصبر الذي يحفظك حتى لا تهلك في الطريق يسر.
ولا تقل:
ماذا أفعل بالسكينة وأنا أريد الحل؟
فالسكينة التي تمنع البلاء من ابتلاع قلبك يسر.
ولا تقل:
ماذا أفعل بسبب صغير لا ينهي أزمتي؟
فربما كان هذا السبب الصغير هو الجسر الذي تعبر به يومًا آخر.
حين تحتقر ما يكفيك
نحن نريد اليسر كبيرًا، واضحًا، نهائيًا.
والله قد يرسل لنا ما يكفينا.
ونحتقر «ما يكفينا» لأننا ننتظر «ما ينهي كل شيء».
لكن كم من إنسان لم يُحمل بقوة سنة كاملة، بل حُمل كل يوم بقوة يومه.
ثم لما نظر خلفه، تعجب:
كيف عبرت كل هذا؟
الجواب ليس أنك كنت أقوى مما تظن فقط.
بل لأنك لم تكن وحدك في حمل الطريق.
فحين يشتد العسر، لا تكذب ألمك.
ولا تتصنع القوة.
ولا تقل عن الجرح إنه صغير وهو يوجعك.
فالصبر الشرعي لا يطلب منك إنكار الوجع، وقد تحتاج إلى فهم كيف تصبر على البلاء دون أن يتحول الألم إلى سوء ظن بالله.
لكن لا تجعل الألم شاهدك الوحيد.
كيف ترى اليسر وأنت في العسر؟
انظر مرة أخرى.
بهدوء.
ما الذي بقي؟
ما الذي لم ينقطع؟
من الذي سُخّر؟
ما الشر الذي صُرف؟
ما القدرة التي وُهبت؟
ما الباب الصغير الذي ما زال مفتوحًا؟
ما الذي كنت تظن أنك لن تحتمله ثم حملك الله خلاله؟
ربما ستكتشف أن اليسر لم يكن غائبًا.
أنت فقط كنت تنتظر أن يأتي من جهة واحدة.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
ليس وعدًا بأن الحياة ستعطيك كل ما تريد.
لكنه يعلّم القلب ألا يؤلّه العسر.
ألا يراه سيد المشهد.
ألا يظن أنه حين نزل، نزل وحده، وأغلق كل أبواب لطف الله.
العسر مخلوق.
محدود.
تحت تدبير الله.
واليسر من الله.
فلا تنظر إلى شدة البلاء حتى تنسى سعة الرب.
ولا تجعل ما يؤلمك أكبر في قلبك من معرفة من بيده أمرك كله.
يا رب، إن كنت قد ضيقت بصري حتى لم أر إلا ما يؤلمني، فافتح لي باب البصيرة.
علمني أن أرى ما أبقيت كما أرى ما أخذت.
وما يسرت كما أرى ما عسرت.
وما حملتني به كما أشعر بما أثقلني.
ولا تجعلني أنتظر نهاية العسر حتى أعرف فضلك.
علمني أن أعرفك وأنا في الطريق.
وأن أرى يسرك معي، وإن لم يأت بعد في الصورة التي أتمنى.
فقد يكون العسر حاضرًا.
لكن اليسر ليس غائبًا.
أنت فقط لم تحسبه يسرًا.
أسئلة شائعة حول اليسر مع العسر
هل معنى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أن كل مشكلة ستنتهي سريعًا؟
لا يلزم من الآية أن تنتهي كل شدة في الوقت أو الصورة التي يختارها الإنسان لنفسه. والمقال لا يجزم بمآل واقعة بعينها، وإنما يلفت القلب إلى أن حصر اليسر في زوال المشكلة وحده قد يحجبه عن صور من التخفيف والعون والستر والأسباب الباقية.
هل البحث عن اليسر في الشدة يعني إنكار الألم؟
لا. لك أن تتألم، وأن تعترف بتعبك، وأن تسأل الله الفرج. المقصود ألا تجعل الألم هو الشاهد الوحيد الذي تفسر به واقعك كله، فتغفل عما بقي من نعم الله وما أُعطيت من أسباب تعينك على العبور.
كيف أتعرف إلى صور اليسر الموجودة في حياتي الآن؟
اسأل نفسك بصدق: ما الذي بقي ولم ينقطع؟ ما الباب الذي ما زال مفتوحًا؟ من الذي سُخر لي؟ ما القدرة التي أُعطيتها لأكمل يومي؟ وما الأمر الذي ظننت أنني لن أحتمله ثم عبرته؟ هذه الأسئلة لا تلغي البلاء، لكنها توسع زاوية النظر.
ماذا أفعل إذا كنت لا أرى أي يسر بسبب شدة الألم؟
لا تتهم قلبك ولا تتكلف مشاعر غير حقيقية. ابدأ بما تستطيع رؤيته ولو كان صغيرًا، واستعن بالله، وخذ بالأسباب المشروعة، وتحدث إلى من تثق بدينه وحكمته عند الحاجة. وقد يحتاج الإنسان وقتًا حتى يهدأ اضطراب الألم ويستطيع قراءة المشهد بقدر أكبر من الاتزان.
هل السكينة والصبر يُعدان من اليسر؟
قد يكون ما يثبّت القلب ويعينه على أداء واجبه ومواصلة الطريق من صور التيسير التي يغفل عنها الإنسان لأنه ينتظر حلًا نهائيًا للمشكلة. ولا يعني ذلك أن السكينة بديل عن السعي أو أن الصبر يمنع طلب الفرج، بل يجتمع الثبات مع الدعاء والأخذ بالأسباب.
اقرأ أيضًا
- حسن الظن بالله لا ينتظر تحسن الظروف
- كيف أصبر على تأخر الفرج دون أن يفسد الانتظار قلبي؟
- بطء الطريق إلى الفرج: لا تجعل التأخير دليلًا على غياب الرحمة
الخاتمة
قد تنظر إلى حياتك فلا ترى إلا الأمر الذي لم يُحل، والدعاء الذي ما زلت تنتظر أثره، والباب الذي لم يُفتح.
لكن لا تختصر المشهد في أكثر مواضعه إيلامًا.
انظر إلى ما بقي.
إلى ما حملك.
إلى ما كفاك يومك.
إلى الأبواب الصغيرة التي لم تُغلق.
ثم اسأل الله الفرج كاملًا، واسع إليه بما تستطيع، دون أن تحتقر اليسر الذي صحبك في الطريق.
ليس كل يسر هو نهاية العسر؛ فقد يكون بعض اليسر هو ما يحملك حتى تعبره.
اللهم افتح لنا من البصيرة ما نرى به نعمك دون أن ننكر آلامنا، وارزقنا قلوبًا تعرف فضلك في السعة والشدة، وأعنّا على الصبر والسعي وحسن الظن بك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.