وقع ما لم تُرِد.
أُغلق الباب، أو ضاع منك ما أحببت، أو تأخر ما دعوت الله به طويلًا.
لم تعترض بلسانك، ولم تقل إن الله ظلمك. قلت فقط:
أنا راضٍ… لكنني أريد أن أفهم لماذا حدث هذا.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
هل تؤجل الرضا بقضاء الله حتى تفهم الحكمة؟
تبدو العبارة إيمانية هادئة. لكن دقّق فيها أكثر: هل أنت راضٍ فعلًا، أم أنك تؤجل رضاك حتى يقدم لك القدر تفسيرًا يقنعك؟
تقول: لو عرفت الحكمة، لسكن قلبي. لو علمت أن هذا الحرمان حماني من شر، لرضيت. لو رأيت الخير الذي سيأتي بعده، لهان عليّ ما حدث. لو فهمت لماذا اختار الله هذا الطريق تحديدًا، لتوقفت عن السؤال.
أي أنك لا تزال تنتظر من الله أن يكشف لك ملف القضية، ويشرح لك الأسباب، ويبيّن لك النتائج؛ ثم تنظر أنت في الحكمة، فإن وافقت فهمك وظهرت لك معقولة، أذنت لقلبك أن يرضى.
وهنا الخلل الذي يصعب على النفس أن تسميه: أنت لا تطلب فهم الحكمة فقط؛ قد تكون تشترط فهمها حتى تقبل حكم الله.
كأن القدر قرارٌ موقوف التنفيذ داخل قلبك حتى تصلك حيثياته. وكأنك تقول دون أن تشعر:
يا رب، سأثق باختيارك حين أعرف لماذا اخترته.
سأطمئن إلى تدبيرك حين أرى أنه يقود إلى ما أعدّه خيرًا.
وسأرضى بما فعلت بعد أن يثبت لعقلي أن ما حدث كان يستحق أن يحدث.
لكن إن لم تسكن إلا بعد ظهور الحكمة، فبماذا وثقت؟ بحكمة الله، أم بقدرتك أنت على فهمها؟
وإن لم تقبل القدر إلا حين ترى الخير المختبئ فيه، فأنت لم تسلّم للحكيم قبل أن تفهم؛ بل وافقت على الحكمة بعدما أصبحت واضحة لك. وهذا فرق مؤلم.
الفرق بين فهم الحكمة والتسليم لله
أن تعرف الحكمة ثم ترضى، أمرٌ يقدر عليه كثير من الناس؛ لأن الألم عندئذٍ صار مفهومًا، والخسارة ظهرت بوصفها طريقًا إلى مكسب، والحدث الذي كان يوجعك قدّم أوراق براءته.
لكن موضع العبودية الأشد هو أن تقول:
لا أفهم، ولا أرى الخير الآن، ولا أعرف لماذا اختار الله لي هذا دون غيره؛ ومع ذلك لا أتهم حكمته، ولا أجعل قصور فهمي دليلًا على غياب الحكمة.
قال الله تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
ليس معنى ذلك أن سؤال العبد طلبًا للفهم محرّم، ولا أن الحزن والبحث عن المعنى اعتراض. فقد يسأل الإنسان ليتعلم، ويتأمل ليزداد بصيرة، ويبحث في نفسه عما ينبغي إصلاحه.
لكن هناك فرقًا بين سؤال عبدٍ يقول: يا رب، علّمني ما ينفعني، وسؤال قلبٍ يضع القدر موضع الاتهام، ثم يطالب بالحكمة حتى يسقط التهمة. الأول يسأل وهو مسلّم، والثاني يعلّق تسليمه على الجواب.
حين يصبح البحث عن الحكمة محاولة لاسترداد السيطرة
وقد لا يكون بحثك المتواصل عن الحكمة بحثًا عن العلم كما تظن. قد يكون محاولةً لاسترداد السيطرة.
فالعقل يتألم أمام حدث لا يستطيع تفسيره؛ لأن ما لا يفهمه لا يستطيع إحكامه. فيظل يعيد المشهد، ويفتش في الاحتمالات، ويربط الوقائع، ويستمع إلى عشرات التفسيرات؛ لا لأنه اقترب من الحقيقة، بل لأنه لا يحتمل أن يبقى عبدًا لا يرى إلا جزءًا من الصورة.
تريد تفسيرًا ينهي الحيرة. لكن الله لم يعدك أن يكشف لك سر كل ما يقدره عليك.
قد تظهر لك بعض الحكم بعد زمن. وقد تفهم جزءًا وتخفى عليك أجزاء. وقد تمضي أعوام وأنت لا تعرف لماذا وقع الأمر بهذه الصورة. وربما لا تعرف في الدنيا أصلًا.
فهل سيظل قلبك معلقًا كل تلك المدة؟ هل ستؤجل حسن ظنك بالله حتى يصلك الشرح؟
إن الله حكيم قبل أن تفهم حكمته، وحكيم حين تخفى عليك، وحكيم ولو انتهى عمرك دون أن ترى إلا الوجه المؤلم مما حدث.
حكمته ليست صحيحة لأن عقلك أدركها. وما خفي عنك لم يصبح عبثًا لأنك عجزت عن تفسيره.
أنت ترى لحظةً واحدة، وتقيس بها القصة كلها. ترى ما أُخذ، ولا تعلم ممَّ حُفظت. ترى الباب الذي أُغلق، ولا تعلم ما وراءه. ترى دعاءً لم يتحقق بالصورة التي طلبتها، ولا تعلم أين كان الخير ولا كيف دُبّر.
ولسنا نملك أن نخترع لكل ألم حكمةً محددة، أو نجزم بأن الله فعل هذا ليعطيك ذاك، أو حرمك هنا ليعوضك هناك. هذا من الغيب الذي لا نعلمه.
لكننا نعلم ما هو أعظم من معرفتنا بتفاصيل الحكمة:
نعلم أن الله لا يقدّر عبثًا، ولا يخفى عليه شيء، ولا تنفصل حكمته عن علمه ورحمته وعدله.
كيف ترضى بقضاء الله مع خفاء الحكمة؟
الرضا لا يعني أن تحب الألم. ولا يعني ألا تحزن، أو تبكي، أو تدعو الله أن يكشف الضر، أو تسعى لتغيير الواقع، أو تسترد حقك ممن ظلمك. ولا يعني أن تتوقف عن السؤال النافع والتأمل الصادق.
الرضا هو ألا تجعل ألمك حجةً على الله. أن تحزن دون أن تتهم. وأن تسأل دون أن تحاكم. وأن تطلب كشف الحكمة دون أن تجعل انكشافها ثمنًا لثقتك.
فتش في قلبك عن العبارة التي لم تقلها بصوت مرتفع:
لن أهدأ حتى أعرف لماذا.
ثم سمِّها باسمها. هذه ليست رغبةً في الفهم فقط؛ إنها محاولة لجعل السكينة نتيجةً لامتلاك التفسير، لا ثمرةً لمعرفة من هو الله.
واستبدل بها قولًا أصدق:
يا رب، أحب أن أفهم، لكنني لا أشترط على حكمتك أن تظهر لي حتى أؤمن بها.
إن كان في الفهم خيرٌ لي فبصّرني، وإن حجبت عني الحكمة، فلا تحجب عني حسن الظن بك.
وارزقني قلبًا يسكن بك قبل أن يسكن إلى التفسير.
كلما عاد السؤال: لماذا حدث هذا؟ اسأل نفسك:
هل أبحث عن هدايةٍ أعمل بها، أم عن جواب يمنحني الإذن بأن أرضى؟
فإن وجدت عملًا ينبغي إصلاحه، فأصلحه. وإن وجدت سببًا مشروعًا يرفع الضرر، فخذه.
وإن لم تجد إلا بابًا مغلقًا وعقلًا عاجزًا عن الإحاطة، فتوقف عن استجواب القدر، وأعد قلبك إلى الأصل:
الله يعلم، وأنت لا تعلم.
الله يرى المشهد كاملًا، وأنت ترى موضع جرحك منه.
والله حكيم، سواء كشف لك الحكمة أم أبقاها في علمه.
اقرأ أيضًا
لا تقل: سأرضى عندما أفهم. قل: سأطلب الفهم، لكنني لن أجعل ثقتي بالله رهينةً له.
فإذا لم تسكن إلا بعد أن تُشرح لك الحكمة، فقد سكنت إلى الشرح؛ أما الرضا بالله فيبدأ حين تغيب عنك الحكمة، ويبقى يقينك بحكمة الله حاضرًا.