فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- تفسير المواقف بشكل سلبي: ما الذي نضيفه إلى الألم؟
- رفض فرصة لا يختصر قيمتك ومستقبلك
- خذلان من تحب لا يحدد استحقاقك للمحبة
- المشاعر صادقة في ألمها، لكنها ليست دليلًا على كل تفسير
- لا تجعل ما تجهل حكمته حكمًا على علاقتك بالله
- الفهم الصحيح لا يلزمك بإنكار الحزن
- كيف تراجع تفسيرك لما حدث؟
- راجع ما سمحت للماضي أن يكتبه عنك
تفسير المواقف بشكل سلبي: ما الذي نضيفه إلى الألم؟
قد تتلقى خبرًا لم تكن تتمناه، بعد انتظار طويل وجهد بذلته ورجاء علّقت عليه قلبك. ربما رُفض طلب كنت ترى فيه فرصة لتغيير حياتك، أو ابتعد عنك إنسان عزيز، أو أُغلق باب سعيت إليه سنوات.
تتألم، وهذا مفهوم. لكن شيئًا آخر قد يحدث في داخلك دون أن تنتبه: تبدأ في البحث عن معنى لما جرى، فلا تكتفي بأن تقول: لم يتحقق ما أردته، بل تستنتج أنك لا تصلح لشيء. ولا تكتفي بأن تقول: خذلني هذا الإنسان، بل تتساءل إن كنت تستحق أن يتمسك بك أحد.
وربما دعوت الله طويلًا، ثم لم ترَ ما كنت ترجوه، فتنتقل من ألم الانتظار إلى سؤال أشد وجعًا: هل يعني هذا أن الله لا يريد لي الخير؟ وهكذا تجد نفسك تحمل فوق ألم الواقعة أحكامًا عن نفسك ومستقبلك وعلاقتك بالله، لم يخبرك بها أحد، ولكنك صدقتها حتى أصبحت تؤلمك كأنها حقائق لا تقبل الشك.
وهنا أريد أن أسألك سؤالًا يستحق أن تتوقف عنده:
من الذي أخبرك أن ما حدث يعني ما ظننته؟
لا أسألك إن كنت قد تألمت حقًا، فأنت أدرى بما أصابك. ولا أطلب منك أن تنكر خسارتك أو تتظاهر بأن ما حدث كان هينًا. إنما أسألك عن المعنى الذي أضفته إلى ما جرى: من أين جاء؟ وهل تملك عليه دليلًا، أم أن شدة الألم جعلته يبدو لك صحيحًا؟
رفض فرصة لا يختصر قيمتك ومستقبلك
فتأمل إنسانًا تقدم إلى وظيفة كان يرجوها طويلًا. اجتهد، واستعد للمقابلة، وانتظر الرد، ثم جاءه الاعتذار. هذه حقيقة: لم يُقبل في تلك الوظيفة. وقد تكون مؤلمة، خاصة إذا كان شديد الحاجة إليها.
لكن ماذا لو قال لنفسه بعد ذلك: أنا إنسان فاشل، ولن يثق أحد بقدراتي، وكل ما أبذله من جهد لا فائدة منه؟ هل كانت نتيجة مقابلة واحدة كافية للحكم على جميع قدراته وفرصه القادمة؟
قد تكون هناك مهارة يحتاج إلى تطويرها، أو خطأ ينبغي أن يتعلم منه، أو متقدم آخر كان أنسب لتلك الوظيفة. وقد لا يعرف السبب أصلًا. لكن رفض الوظيفة لا يساوي الحكم الذي أصدره على حياته كلها.
لقد تلقى خبرًا عن فرصة لم تتحقق، ثم حوّله إلى حكم على قيمته ومستقبله. وحين يصدق هذا الحكم، قد يتردد أمام فرصة جديدة، أو ينسحب من محاولة لم يختبرها بعد؛ لأنه أصبح يتعامل مع تجربته الماضية كأنها معرفة بما سيأتي.
وهكذا قد ينتهي الموقف في الواقع، بينما يظل التفسير الذي أعطيته له يؤثر في قراراتك.
خذلان من تحب لا يحدد استحقاقك للمحبة
ولعل الأمر أشد حساسية حين يتعلق بمن نحب. قد يتغير إنسان في معاملته لك، أو يتأخر في السؤال عنك، أو يخذلك حين تحتاج إليه. وقد تكون إساءته حقيقية، ولا ينبغي لك تبريرها أو تجاهل ما تحتاج إليه من حدود تحمي كرامتك.
لكن حتى حين يثبت أنه لم يحسن معاملتك، يبقى سؤال آخر: هل سوء معاملته لك دليل على أنك لا تستحق المعاملة الحسنة؟
قد يخذلك إنسان تحبه، ويكون خذلانه موجعًا لا يحتاج إلى تبرير. لكن فعله يخبرك عن موقفه منك، ولا يمنحه سلطة تحديد قيمتك. وما أصعب أن يتألم الإنسان من خسارة علاقة، ثم يتحول ألم الفقد في داخله إلى شعور بأنه لا يستحق المحبة أصلًا!
المشاعر صادقة في ألمها، لكنها ليست دليلًا على كل تفسير
والذي يجعل هذه الأحكام خطيرة أنها تأتي أحيانًا في اللحظات التي نكون فيها أشد ضعفًا أمامها. فحين يشتد الحزن، قد يبدو لنا التفسير القاسي مقنعًا بصورة عجيبة. نشعر بأننا غير مرغوب فينا، فنظن أن شعورنا دليل على أننا كذلك. ونخاف من المستقبل، فيبدو لنا الخوف كأنه معرفة بما سيحدث.
لكن المشاعر، مهما كانت صادقة في التعبير عما نعانيه، لا تمنحنا علمًا بكل ما وراءه.
فالألم شاهد على أنك تألمت، وليس شاهدًا على صحة كل حكم أصدرته وأنت تتألم.
لا تجعل ما تجهل حكمته حكمًا على علاقتك بالله
وهذا المعنى يكتسب أهمية أعظم حين تبدأ في تفسير ما يقع لك على أنه حكم من الله عليك. ربما تمر بابتلاء طال أمده، أو تسأل الله حاجة لم تتحقق بعد، أو تجد أن بعض أمورك تزداد تعقيدًا رغم محاولاتك، فتقول لنفسك: لعل الله لا يحبني، أو لعل هذه الشدة دليل على أنني لا أستحق رحمته.
وهنا ينبغي أن تتوقف. من أين علمت ذلك؟
هل أخبرك الله أن تأخر أمنيتك دليل على بغضه لك؟ وهل جعل عدم حصولك على أمر دنيوي ميزانًا تعرف به منزلتك عنده؟
إنك تعلم أن حاجتك لم تُقضَ بالصورة التي رجوتها، وأن البلاء الذي تعيشه ما زال قائمًا. لكن هذه المعرفة لا تمنحك حق الجزم بما لم يطلعك الله عليه من الغيب.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
تأمل هذا الأصل العظيم: ألّا تتبع ما ليس لك به علم. فكم نحتاج إليه حين نحاول فهم أقدار الله من خلال مشاعرنا وحدها!
قد يكون في حياتك تقصير يحتاج إلى توبة، أو خطأ يستلزم إصلاحًا، ومن حق نفسك عليك أن تحاسبها فيما تعلمه وتستطيع تغييره. أما أن تجعل كل مصيبة دليلًا على عقوبة مخصوصة، أو كل تأخير حكمًا على محبة الله لك، فذلك ادعاء لعلم لا تملكه.
إننا نعرف الله بما أخبر به عن نفسه، لا بما توحي به إلينا جراحنا. وقد أخبرنا سبحانه عن سعة رحمته وكمال علمه وحكمته، فلا يصح أن نجعل ما نجهل حكمته من أقداره دليلًا ننقض به ما نعلمه عنه.
الفهم الصحيح لا يلزمك بإنكار الحزن
ولست أقول لك إن إدراك هذه الحقيقة سيزيل ألمك. قد تعرف أن رفضًا واحدًا لا يحدد قيمتك، وتظل حزينًا لأنك كنت تحتاج إلى تلك الفرصة. وقد تعلم أن فراق إنسان لا يعني أنك غير جدير بالمحبة، ويبقى غيابه موجعًا. وقد توقن برحمة الله، ثم تبكي لأن البلاء طال عليك.
ولا تناقض في ذلك. فالفهم الصحيح لا يمحو بالضرورة المشاعر التي خلفتها تجاربنا، لكنه يعيننا على ألّا نضيف إلى جراحنا الحقيقية أحكامًا قاسية لا دليل عليها.
كيف تراجع تفسيرك لما حدث؟
ولهذا، حين تواجه مرة أخرى أمرًا مؤلمًا، ويبدأ ذهنك في تفسيره بأقسى الاحتمالات، فلا تسارع إلى إقناع نفسك بأن كل شيء بخير؛ فقد لا يكون كذلك. ولا تستبدل تفسيرًا متشائمًا بتفسير متفائل لا تملك عليه دليلًا. إنما حاول أن تكون منصفًا مع الحقيقة.
اسأل نفسك بهدوء: ما الذي حدث فعلًا؟ وما الذي استنتجته منه؟ وهل هذا الاستنتاج أمر أعلمه، أم احتمال أخشاه؟
ثم انظر فيما تستطيع فعله. إن كان هناك خطأ، فأصلحه. وإن كان هناك حق ضائع، فاطلبه بالوسائل المشروعة. وإن احتجت إلى فهم موقف إنسان، فاستوضح منه ما استطعت. وإن كان في الأمر ما لا تملك تغييره، فاسأل الله العون على احتماله، ولا تحمل نفسك مسؤولية ما خرج عن قدرتك.
وقد تصل أحيانًا إلى جواب لا ترتاح إليه نفسك، لكنه أكثر صدقًا من كل التفسيرات التي أرهقتها: لا أعلم. لا أعلم لماذا لم يتحقق هذا الأمر، ولا ما تخفيه الأيام، ولا الحكمة التفصيلية فيما قدره الله لي.
وليس في الاعتراف بحدود معرفتك ضعف؛ بل فيه إنصاف لعقلك وقلبك، وتواضع أمام ما استأثر الله بعلمه.
اقرأ أيضًا
راجع ما سمحت للماضي أن يكتبه عنك
لست مطالبًا بأن تنسى ما أصابك، ولا بأن تتجاوز وجعك قبل أن يأخذ حقه من الحزن والتعافي. وقد تحتاج إلى وقت حتى تتحرر من تفسير عشت سنوات تصدقه، فلا تقسُ على نفسك إن عاد إليك في لحظة ضعف.
ولكن تذكر أن بوسعك مراجعة ما اعتدت اعتقاده، وأنك تستطيع التعلم من الماضي دون أن تجعل منه حكمًا نهائيًا على بقية عمرك.
فليس بوسعك أن تعيد كتابة كل ما مضى، ولكن بوسعك أن تراجع ما سمحت للماضي أن يكتبه عنك.
اللهم ارزقنا بصيرة نميز بها بين ما نعلم وما نظن، وقلوبًا لا تظلم نفسها حين تتألم، ولا تسيء الظن بك حين تجهل حكمتك. وأعنّا على إصلاح ما نستطيع إصلاحه، والرضا بقضائك، وحسن التوكل عليك فيما لا نعلم.
حين يوقظك الله بكلمة