قد لا تقولها بصوت مرتفع.
لكنها تمر في داخلك كلما طال عليك شيء، أو أُغلق باب، أو تكرر تعثر، أو دعوت فلم ترَ ما كنت تنتظر:
«ربما الله غاضب مني.»
ثم تبدأ تجمع الأدلة.
هذه الأمنية لم تتم.
هذا الأمر تعقّد.
ذلك الذي تمنيت بقاءه رحل.
دعوت كثيرًا ولم يتغير المشهد.
وكلما ضاقت عليك الدنيا قليلًا، شعرت أن ملفًا سريًا قد فُتح في السماء، وأن ما يحدث حولك ترجمة لما يراه الله فيك.
وهنا يقع القلب في خطأ مؤلم جدًا:
إنه لا يكتفي بأن يتألم مما حدث… بل يجعل ما حدث حكمًا على علاقته بالله.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يصبح الألم حكمًا على علاقتك بالله
والقرآن قد كشف هذا الميزان البشري قبل أن تصفه أنت.
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾
[الفجر: 15–16]
ثم جاء الرد:
﴿كَلَّا﴾.
تأمل هذه «كَلَّا».
الإنسان رأى النعمة فقال: إذن أنا مُكرَم.
ورأى التضييق فقال: إذن أنا مُهان.
فجاء التصحيح حاسمًا:
﴿كَلَّا﴾.
أي أن المعادلة نفسها ليست بهذه البساطة.
ليس كل ضيق دليل غضب
ليس كل اتساع في الدنيا شهادة رضا، ولا كل ضيق فيها شهادة سخط. ليست أحوال الدنيا شاشة تعرض لك كل صباح منزلتك عند الله.
ومع ذلك، حين تخاف أن الله غاضب منك، قد تعود إلى المعادلة نفسها بصورة أخرى:
«لو كان الله راضيًا عني، لما حدث هذا.»
ولكن من أين جاءت هذه القاعدة؟
الأنبياء عليهم السلام ابتُلوا، وضاقت عليهم أسباب، وطالت عليهم شدائد، وهم صفوة الخلق. فلو كان مجرد الألم دليل غضب، لكان أشد الناس بلاءً أولى الناس بهذا الحكم، وهذا باطل.
حين تقول في داخلك: الله غاضب مني
إذن فالمشكلة ليست في خوفك من غضب الله.
الخوف من الله عبادة إذا كان يردك إليه، ويمنعك من معصيته، ويدفعك إلى التوبة.
المشكلة أن تجعل ألمك هو الذي يخبرك هل الله غاضب منك أم لا.
وهذا ميزان لا تملكه.
أنت تعرف الحرام من الوحي، وتعرف الواجب من الوحي، وتعرف ما يسخط الله وما يحبه بما أخبر الله ورسوله ﷺ.
أما أن تنظر إلى باب أُغلق فتقول: «هذه رسالة غضب»، أو إلى رزق تأخر فتقول: «إذن الله لا يريدني»، أو إلى بلاء طال فتفتش في حياتك عن الجريمة الخفية التي لا بد أن تكون قد استدعته… فهنا لم تعد تحاسب نفسك فقط.
لا تستنطق القدر فيما لم يخبرك به
لقد بدأت تستنطق القدر فيما لم يُخبرك به.
وهذا ما يجعل الخوف مرهقًا إلى هذا الحد.
لأنك لن تجد نهاية.
كل مشكلة يمكن أن تتحول إلى اتهام.
وكل تأخير إلى إشارة.
وكل يوم ثقيل إلى سؤال جديد:
«ماذا فعلت حتى يحدث لي هذا؟»
ثم لا تعود التوبة عندك رجوعًا من ذنب تعرفه، بل تصبح محاولة مستمرة لإطفاء غضب تتخيله خلف كل حدث.
فتستغفر، لا لأنك تذكرت ذنبًا، بل لأن شيئًا سيئًا وقع.
وليس الخلل أن تستغفر عند البلاء؛ فالاستغفار خير في كل حال، وإنما الخلل أن تجعل البلاء دليلًا قاطعًا على ذنب مخصوص أو غضب مخصوص لم يخبرك الله به.
فتتوب، ثم تنظر: هل انفرج الأمر؟
فإن لم ينفرج، قلت: «إذن لم تُقبل توبتي.»
ثم تزداد خوفًا.
وهكذا يتحول البلاء من وجع واحد… إلى محكمة لا تنتهي.
وهنا يحتاج قلبك إلى ميزان أدق.
التوبة ليست شهادة تنتظرها من الظروف
إذا كنت تعرف من نفسك معصية، فلا تحتج بالقدر حتى تتوب منها، ولا تُهوّن الذنب بحجة أنك لا تعرف سبب البلاء.
الذنب ذنب ولو كانت حياتك ميسرة.
والتوبة واجبة ولو لم يحدث لك شيء مؤلم.
لكن في المقابل، لا تجعل وقوع الألم هو الدليل الذي اخترعت به ذنبًا مجهولًا، ولا تجعل استمرار البلاء دليلًا على أن الله لم يقبل رجوعك.
أما التوبة من ذنب بعينه، فتُبنى على ذنب تعرفه، لا على مصيبة تحاول أن تستخرج منها حكمًا غيبيًا.
فإن عرفت ذنبًا، فبابك واضح: تب.
أصلح ما تستطيع إصلاحه، ورد الحقوق إن كانت هناك حقوق، واترك ما حرم الله، واستغفره.
ثم لا تقف بعد التوبة أمام أيامك تنتظر منها شهادة القبول.
فالله هو الذي قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
[البقرة: 222]
وهو الذي قال لعباده الذين أثقلتهم الذنوب:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾
[الزمر: 53]
لاحظ شيئًا عجيبًا:
لم يقل لهم: انتظروا أولًا حتى تتحسن ظروفكم لتعرفوا أن باب الرحمة ما زال مفتوحًا.
ردهم إلى كلامه.
اعرف الله بما عرّفك به عن نفسه
لأن معرفتك بالله لا تُبنى على تقلبات يومك.
تُبنى على ما أخبرك به عن نفسه.
ولهذا، حين يأتيك ذلك الخوف مرة أخرى، لا تحاول أن تقنع نفسك أنك بالتأكيد من أهل الرضا؛ فأنت لا تملك أن تحكم لنفسك بذلك.
ولا تحكم بالعكس أنك من أهل السخط لمجرد أنك تتألم.
قل لقلبك ببساطة:
إن كان عندي ذنب أعلمه، فسأتوب منه لأن الله أمرني بالتوبة.
أما هذا الذي وقع بي… فلن أجعله يتكلم عن الله بما لم يخبرني الله به.
ستظل بعض الأيام ثقيلة.
وقد يبقى الباب مغلقًا مدة لا تعرفها.
وقد لا تفهم لماذا جرت أشياء كثيرة بالطريقة التي جرت بها.
لكن عدم فهمك لما يحدث لا يمنح خوفك حق تفسير الله.
لا تجعل الخسارة تقول لك: «الله يرفضك.»
ولا التأخير يقول: «الله غاضب منك.»
ولا السعة تقول لك، في المقابل: «أنت بخير مهما فعلت.»
الميزان الذي تزن به نفسك
زن نفسك حيث أمرك الله أن تزنها:
عند أمره ونهيه.
إن أخطأت، فارجع.
إن قصرت، فأصلح.
إن أذنبت، فتب.
وإن ابتُليت… فلا تضف إلى البلاء حكمًا لم يأذن الله لك أن تحكمه.
ليس كل ما يؤلمك رسالة غضب، وليس مطلوبًا منك أن تفك شفرة القدر حتى تعرف كيف تعود إلى الله.
طريق العودة أوضح من ذلك:
تعرف تقصيرك فتستغفر.
وتعرف ربك بما عرّفك به عن نفسه.
ثم تمضي إليه بقلب خائفٍ راجٍ، لا بقلب يجعل كل باب مغلق قاضيًا بينه وبين الله.