تخيل أنك حصلت أخيرًا على شيء ظللت تتمناه سنوات. ربما وظيفة سعيت إليها طويلًا، أو بيت تمنيت أن تستقر فيه، أو زواج انتظرته، أو خبر جميل دعوت الله كثيرًا أن تسمعه.
تأتي اللحظة التي طال انتظارها. تفرح، وتحمد الله، وتشعر أن شيئًا عظيمًا قد تغير في حياتك. وربما تتذكر الأيام التي ظننت فيها أن هذه اللحظة بعيدة، فلا تكاد تصدق أنها أصبحت حقيقة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
لماذا تقل الفرحة بعد تحقيق ما نريد؟
لكن تمضي الأيام، وتهدأ تلك الفرحة التي ظننت أنها سترافقك طويلًا. تستيقظ ذات صباح، وتمارس حياتك المعتادة، وتجد أن الشيء الذي كنت تنتظره بشوق أصبح جزءًا مألوفًا من يومك.
وربما تتسلل إلى نفسك حيرة صغيرة:
كيف انتظرت هذا الشيء كل تلك السنوات، ثم لم تدم فرحتي به إلا قليلًا؟
هل بالغت في تقدير أهميته؟ هل كنت أتوهم أنني سأكون أسعد مما أصبحت عليه؟ أم أن في قلبي شيئًا لا يعرف كيف يفرح بما أعطاه الله؟
أريدك أن تتأمل هذا السؤال دون أن تتعجل اتهام نفسك. فليس كل فرح يهدأ دليلًا على أن النعمة فقدت قيمتها، وليس كل اعتياد على العطاء جحودًا له.
نحن بشر، ومن طبيعتنا أن نتأثر بما يتغير في حياتنا، ثم نألف ما استقر فيها.
البيت الذي كنت تتمنى أن تدخله يصبح بعد مدة بيتك الذي تعود إليه كل مساء. والعمل الذي انتظرت خبر قبولك فيه يصبح مسؤوليات تؤديها كل صباح. والإنسان الذي كنت تشتاق إلى لقائه يصبح جزءًا من حياتك، تشاركه أيامها الجميلة والصعبة.
وهذا لا يعني أن ما حصلت عليه أصبح قليل القيمة.
فقد تهدأ فرحة الوصول، دون أن ينقص شيء من قيمة ما وصلت إليه.
لكن هناك معنى أعمق يستحق أن نتوقف عنده.
حين ننتظر من الأمنية أكثر مما تستطيع
تأمل ما يحدث لنا ونحن ننتظر أمنية عزيزة. نحن لا نتخيل حصولها وحده. نتخيل أيضًا الشعور الذي سنعيشه بعدها.
نقول لأنفسنا: حين أحصل على هذا العمل سأرتاح. وحين أستقر في ذلك البيت سأطمئن. وحين أبلغ تلك الغاية سأشعر أخيرًا أن حياتي أصبحت كما تمنيت.
ومع مرور الوقت، قد تتسع الصورة في خيالنا حتى تصبح الأمنية أكبر من حقيقتها. لا لأنها قليلة الشأن، وإنما لأننا بدأنا ننتظر منها أن تمنحنا أكثر مما تستطيع نعمة دنيوية واحدة أن تمنحه.
ننتظر منها أن تزيل تعب السنوات، وأن تسكت مخاوف المستقبل، وأن تجعل الحياة خالية من أسباب القلق.
ثم نحصل عليها، فنكتشف أنها نعمة حقيقية، لكنها لم تُلغِ بقية الحياة.
ما زالت هناك مسؤوليات، وما زالت هناك حاجات لم تُقضَ، وما زالت للنفس مخاوفها، وللأيام مشاغلها. وربما بدأنا ننتظر شيئًا جديدًا بعد أن حصلنا على ما كنا ننتظره.
وهنا قد نشعر بخيبة لا لأن العطاء كان قليلًا، وإنما لأننا كنا نتوقع أن يهبنا شعورًا دائمًا لا تنقطع عنا أسبابه. فقد ننتظر من الأمنية أن تنهي حاجتنا إلى الفرح، مع أن الإنسان سيظل محتاجًا إلى نعم أخرى، وإلى عون الله في كل أحواله.
وهذا لا يعني أن تتوقف عن التمني، ولا أن تحاول إقناع نفسك بأن ما تطلبه لن يسعدك.
فكم من نعمة يكرم الله بها عبده، فتزيل عنه مشقة حقيقية، وتصلح جانبًا مهمًا من حياته، وتفتح له أبوابًا من الخير.
ولكن من الرحمة بقلبك أن تعرف أن تحقق الأمنية لا يعني بالضرورة أن تصبح جميع أيامك بعدها سعيدة. فالحياة أوسع من لحظة وصول واحدة، مهما كانت عزيزة.
ولعلنا نحتاج هنا إلى أن نغير سؤالًا اعتدنا طرحه. بدلًا من أن نسأل: لماذا لم أعد أشعر بالفرحة نفسها؟
نسأل:
هل زالت النعمة حين هدأت فرحتك بها؟
تأمل هذا الفرق.
حين كنت لا تملك البيت الذي تمنيت، كنت تشتاق إلى أن تجد مكانًا تستقر فيه. واليوم، ربما لم تعد تشعر بفرحة خاصة كلما فتحت بابه، لكنك لا تزال تنتفع بسكنه وأمانه وراحته.
وحين كنت تنتظر العمل، كنت تتمنى أن يكون لك رزق تعتمد عليه، ومسؤولية تؤديها، وقدرة على قضاء بعض حاجاتك. واليوم، ربما أصبح العمل مألوفًا، وربما أتعبتك بعض واجباته، لكنه لا يزال يحمل من النفع ما كنت ترجوه يوم دعوت الله به.
فلماذا نقيس قيمة النعمة بمقدار الانفعال الذي نشعر به كلما تذكرناها؟
بعض النعم نفرح بها حين تأتي، ثم نستريح بها حين تبقى.
وليس الاستقرار شعورًا قليل القيمة لمجرد أنه لا يشبه فرحة البدايات. بل ربما كان من أعظم ما تمنيناه يومًا أن نحصل على شيء يصبح جزءًا طبيعيًا من حياتنا، فلا نضطر إلى مواصلة القلق بشأن غيابه.
كم من أمر كان يشغل بالك كل يوم، ثم لما يسره الله لك، أصبحت لا تفكر فيه إلا قليلًا!
لم تعد تستيقظ كل صباح متسائلًا هل سيأتي. ولم تعد تراقب أسبابه بالقلق نفسه. لقد أصبح حاضرًا.
وما كنت تسأل الله أن يرزقك إياه، أصبحت تعيش في نعمته.
فاحذر أن تظن أن النعمة فقدت قيمتها، لمجرد أنها لم تعد تشغل قلبك كما كانت تشغله حين غابت.
بين اعتياد النعمة وشكرها
ومع ذلك، هناك فرق ينبغي ألا نغفل عنه. فرق بين أن تألف النعمة فتعيش معها في سكينة، وبين أن تألفها حتى تنسى فضل الله عليك فيها.
الأول من طبيعة الحياة. أما الثاني، فهو غفلة يحتاج القلب إلى أن يتنبه لها.
قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
وفي هذه الآية تذكير عظيم بأن نعمة الله تستحق أن تُذكر، وأن يُعرف فضل المنعم بها.
وليس معنى ذلك أن تظل في حالة فرح شديد كلما تذكرت ما أعطاك الله. فالمشاعر لا تستجيب دائمًا لما نأمرها به. لكن الشكر أوسع من الشعور.
قد تشكر الله على نعمة اعتدتها، وإن لم تشعر تجاهها اليوم بما شعرت به أول مرة. وقد يكون من شكرها أن تحفظها، وأن تحسن استعمالها، وأن تؤدي حقوقها، وألا تجعل اعتيادك عليها سببًا للاستهانة بها.
ومن المعاني المتصلة بهذا: لماذا لا نشكر الله على النعم؟
فمن رزقه الله بيتًا، كان من شكره أن يعمره بالخير، لا أن يظل يختبر مقدار فرحته كلما دخله.
ومن رزقه الله عملًا، كان من شكره أن يؤديه بأمانة، لا أن يطالب نفسه بأن تعيش نشوة القبول الأولى كل صباح.
ومن رزقه الله مودة صادقة، كان من شكره أن يرعاها ويحسن إلى صاحبها، لا أن يقيس قيمتها بما بقي من انفعال البدايات.
وهنا يصبح للفرح معنى أنضج. فليس كل ما يسعدك ينبغي أن يظل يثير فيك المشاعر نفسها حتى تعرف قيمته.
قد ينضج الفرح حتى يصبح امتنانًا. وقد تهدأ الدهشة، وتبقى المودة. وقد تخفت نشوة الوصول، ويبقى الرضا بما رزقك الله.
ولا يعني ذلك أن عليك أن تقنع نفسك بأن كل ما حصلت عليه كان كما تصورته. فبعض الأمنيات، بعد تحققها، تكشف لنا صعوبات لم نكن نعرفها.
وقد نكتشف أن توقعاتنا كانت أكبر من الواقع، أو أن ما حصلنا عليه يحتاج إلى جهد لم نحسب حسابه. وهذا يستحق نظرًا صادقًا، لا لومًا للنفس لأنها لم تفرح كما توقعت.
ولا يمنعك شكر النعمة من الاعتراف بما فيها من مسؤولية أو مشقة، ولا من السعي إلى إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح.
كيف تتذكر النعمة دون أن تلوم نفسك؟
لكن لا تدع هدوء مشاعرك يحرمك من رؤية ما أنعم الله به عليك.
تذكر بين حين وآخر ذلك الإنسان الذي كنت عليه قبل أن تحصل على ما تمنيت. لا لتجبر نفسك على استعادة فرحته الأولى، بل لتتذكر كيف كان يدعو، وما الذي كان يرجوه، وما الذي أصبح اليوم حاضرًا في حياته بعد أن كان بعيدًا عنه.
تذكر دون أن تقارن نفسك بقسوة. واحمد الله دون أن تطالب قلبك بانفعال معين. ثم انتفع بما أعطاك، وأحسن القيام بحقه.
ولا بأس أن تظل لك أمنيات أخرى. فليس من جحود النعمة أن ترغب في مزيد من الخير، ولا من تمام الشكر أن تتوقف عن الدعاء بما تحتاج إليه.
إنما انتبه ألا تصبح حياتك انتظارًا متصلًا للنعمة التالية، حتى لا ترى شيئًا من جمال النعمة التي وصلت بالفعل.
فكم سيكون مؤلمًا أن تمضي سنوات تتمنى شيئًا، ثم تحصل عليه، ثم تنشغل بانتظار غيره حتى تنسى أنك تعيش اليوم شيئًا من الأمس الذي كنت تدعو الله أن يأتيك!
يا صاحب الأمنية التي تحققت، ثم هدأت فرحتك بها…
لا تقس صدق امتنانك بطول بقاء الدهشة في قلبك. ولا تظن أنك لم تعرف قيمة ما أعطاك الله لمجرد أنك اعتدت وجوده.
ولكن احفظ لنفسك لحظات تتذكر فيها فضل الله، وتتأمل ما انتقلت إليه من حال، وتستعمل ما رزقك فيما يحبه ويرضاه.
واسأله أن يرزقك قلبًا شاكرًا في أيام الدهشة الأولى، وفي الأيام العادية التي تليها.
فلعل من أجمل ما يمكن أن تتعلمه أن النعمة لا تحتاج إلى أن تفاجئك كل يوم حتى تستحق الحمد كل يوم.
وأن بعض ما انتظرناه طويلًا لم تنتهِ قيمته حين انتهت فرحتنا الأولى به؛ وإنما بدأنا نعيش النعمة التي كنا ننتظرها.
حين يوقظك الله بكلمة